“كلمة الأديبة أحلام مستغانمي بمناسبة إطلاق حملة “ساهموا بكتاب لأبناء الصحراء

Posted on 30 أبريل 2011 بواسطة



كلمة الأديبة أحلام مستغانمي بمناسبة إطلاق حملة “ساهموا بكتاب لأبناء الصحراء” برعاية الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام “وبمشاركة الإعلامية خديجة بن قنة كسفيرتان للنوايا الحسنة لهذه المؤسسة الخيرية التربويّةّ الجزائريّة ، والتي إستطاعت بفضل هذه الحملة جمع 44 ألف كتاب حتى الآن ، سيتّمّ توزيعها على كل مكتبات مدن الجنوب الجزائري.

وهو بداية لمشروع كبير سيشمل لاحقا مدن جنوب المغرب العربي بدءا بجنوب تونس.

أحبتي..

ما كان بإمكاني أن أخلف هذا الحلم، لكوني مواطنة في جمهورية الكتب،حيث وطني يمتد من الحبر إلى الحبر، وحيث القارئ حاكما مدى العمر وبإمكانه رفع أو إسقاط ما شاء من أقلام, دون أن يخرج في مظاهرة أو يخلّ بالنظام.

” لقد وُلد القرّاء أحرارًا ولا بدّ أن يبقوا كذلك”. ونحن هنا إذن, لنقدّم ولاءنا للقارئ الذي لولاه لسقطت جمهوريّات الكلمة الحرّة. سأظلّ أدافع عن القارئ لقناعتي أنّ قرابة الحبر أقوى من قرابة الدم, وأنّ القرّاء هم أهل الكاتب وقبيلة قلمه.

نحن هنا في حضرة التاريخ وتحت رعايته, من أجل إطلاق هذا الحدث الذي نتمنّاه بداية لحملة ثقافيّة وطنيّة, نريد لها مردودًا يتجاوز الثقافة, إلى بعث روح التضامن الجميل الذي تدين له الجزائر بمعجزة استقلالها. وتلك الروح الإنسانيّة النبيلة التي تميّز الإنسان الجزائري أينما وُجد في هذا الوطن.

يسعدنا أن ينطلق من هنا حلمنا بإهداء الجنوب مكتبة في حجم مكانة أهله في قلوبنا. جئتكم برفقة أحبّة، لهم في القلب معزّة وإجلال.

على هذه المنصّة رجالات تباهي بهم الجزائر, رفعوا إسمها كلّ في مجاله,لا بألقابهم و بشهاداتهم العالية, بل بتواضعهم وحياة نذروها للعطاء ولخدمة الجزائر أينما وُجدوا. لا يملكون سوى سلطة الإسم النظيف وهذا لعمري رصيد يكبر به صاحبه عند  المساءلة وساعة المحاسبة.

أحيي البروفيسور مصطفى خيّاطي, الطبيب الذي إختار أن يكون أبًا لخمسة آلاف يتيم. يضمّه قلبي, وينحني إجلالاً لإنسانيّته ونبل رسالته.  فهو على بساطته أكثرنا ثراءا في هذه الدنيا, وجليس الأنبياء في الآخرة. فهنيئًا لنا بفوزه.

وهو فوز يتقاسمه مع الدكتور فوزي أوصدّيق الذي له من اسمه نصيب. هذا الرجل الذي يعبر الحياة معطاءًا كنهرٍ, يتدفّق خيرًا أينما وُجد في هذا العالم العربيّ والإسلاميّ, فما رأيته إلاّ مشغولاً باليتامى والمنكوبين, متلهّفًا لنجدة المحتاج. ما زال في غربته مسكونًا بالجزائر, موجوعًا بهمومها, فهو سليل عائلة ثوريّة تفرّعت شجرتها لتورق عبر تاريخ الجزائر أسماء خالدة في الثورة كما في الثقافة.

أمّا الحبيبة خديجة بن قنة, صورة الجزائر الأصيلة والنبيلة التي دخلت ملايين البيوت والقلوب. إنّها ماركتنا المسجّلة. قامتها من قامتنا, وبهاؤها من بهاء نساءنا. حضرت رغم ظروف عملها،  فهي تعمل بدوامٍ كامل مواطنة في حبّ الجزائر.

لقد تضافرت الكثير من المصادفات الجميلة والنوايا الحسنة لبلوغ مشروع كهذا. فالنوايا الفرديّة لا تكفي لمواجهة بيروقراطيّة لا قدرة لأحد على التصدّي لها.

قلت في ما مضى إنّني لا أغار من الأشخاص بل من الأوطان. وأنّني لم أحسد يومًا أحدًا على ما يملك ، لكنّني أحسد مواطنًا على ما يملكه وطنه و تمنّيته لوطني.

لست وحدي من عانى من شغفه بجزائر تمنّى شوارعها نظيفة, وحدائقها مزهرة وذاكرتها مُصانة. فقد قابلت قبل سنوات ثلاثة وزراء عارضة عليهم مشروع حملة وطنيّة لتجميل الجزائر وخلق روح المنافسة بين المدن والأحياء, بإستحداث مسابقات وجوائز  لبعث الحسّ المدني لدى المواطنين.

واقترحت تجنيد نساءنا للعمل على تنظيف شوارع الجزائر لتليق ببياض اسمها .. وأسقط بيدي. فبرغم حماسهم لفكرتي كان للسادة الوزراء أولويّات ليست أحلامي من ضمنها، وهم معذورون في ذلك.

وأعفيكم من سرد تجاربي الأخرى…. منها محاولتي تأسيس جمعيّة خيريّة, فتحوّل مشروعي إلى رحلة متاعب وعذاب. ومحاولة وضع نفسي في تصرّف مؤسسة السيدة بوضياف لرعاية اليتامى، وكنت قد كتبت لها رسالة مرفقة بكتابي ” فوضى الحواس” المهدى لروح الفقيد الكبير محمد بوضياف وما زلت  منذ سنوات أنتظر الجواب.

كلّ هذا لأقول, كم أنا ممتنّّّّة للمصادفة الجميلة التي جمعتني بالدكتور فوزي أوصدّيق  قبل عام في طائرة حجز لي القدر فيها مقعدًا جواره. فقد تطابقت اهتماماته بتقديم يد العون إلى أهل الجنوب  باهتمامات تسكنني منذ سنة 2002.

أذكر التاريخ لأنّني كتبت مقالاً أرثي فيه ثلاثين مواطنًا من عين صالح ماتوا ظمأً في صيف تجاوزت فيه درجة الحرارة 56 درجة فوق الصفر. لم تفارقني صورتهم كما نقلتها الصحافة في زيّهم الصحراوي الأبيض كقلوبهم, التي لم تلوّثها المدينة, وسمرتهم الجميلة الداكنة كأقدارهم وهم يجلسون القرفصاء متّكئين على جدار بائس وأيديهم مفتوحة في صلوات دائمة, ودعاء يائس نحو السماء.

هؤلاء الرجال الأباة, الذين سحقت الحاجة هامتهم, وأذلّ الظمأ إنسانيّتهم. لأيّام ما فتحت حنفيّة ماء إلاّ وتذكرتهم. هم الذين صنعت صحراءهم ثراء الجزائر, يقفون ظمأى وجياعًا فوق كثبانٍ ينام تحتها ثاني مخزون غاز في العالم.

لذا كانت فرحتي كبيرة بالمشروع الضخم الذي قامت الدولة الجزائريّة بإنشائه، لإيصال الماء إلى أبعد نقطة في الصحراء, ودشّنه قبل أيّام  السيّد رئيس الجمهوريّة.

لكن ظمأ أهل الجنوب لا يضاهيه إلا ظمأهم إلى المعرفة. وإن كانوا قد وقعوا في قبضة الصحراء, فهي ما استطاعت التسلّل إلى أعماقهم. مثلهم لا يعرف التصحّر العاطفي, إنّهم يولدون شعراء.

هم سادة اللفظ.. لا سادة النفط.

ثروتهم ليست تحت أقدامهم بل في وجدانهم. ذلك أنّ لهم من فصاحة القول احتياطيّ  يفوق منسوب ما تعلّمناه في مدارسنا. نحن نقصد أُناسًا يتفوقون علينا حكمة, لهم مؤهّلات الشقاء.

إنّهم خرّيجي جامعات الحياة.. وكلّيّات الصبر. فقد وُلد الجنوبيّ ليتآخى مع القسوة.

الجنوبيّ, العصيّ, القصيّ, الواقف على الرمال والإهمال الأقصى. ليس الصمود بالنسبة إليه شعارًا سياسيًّا, إنّما واقعًا يوميًّا, لمعركة لا يستطيع الإنسان إلاّ أن يخسرها.. لأنّها في مواجهة  الطبيعة.

ولا يمكن أن نضيف إلى جور الطبيعة جور الأهل والوطن. ولا إلى ظلم الجغرافيا, ظلم التاريخ الذي جعل من الصحراء الجزائريّة في الماضي ساحة للتجارب النوويّة الفرنسيّة, بكلّ العواقب الصحّيّة التي ما زالوا يعملون على نكرانها إلى يومنا هذا.

إنه من العيب مواصلة تجاهل قدر هؤلاء المواطنين, فقط لأنّهم أبعد من أن تراهم العين.

لقد شاركت مؤخّرًا بإهداء كمّيّة من كتبي في حملة جمع كتب لفكّ الحصار عن غزّة بعنوان “كتاب ضدّ الحصار”. وأدري كلّ المعجزات التي يمكن أن يحدثها كتاب في حياة أسرى الحروب أو أسرى الطبيعة. وأدري أنّ كلّ إنسان دخل عالم القراءة.. هو إنسان أنقذ نفسه. لذا نحن لا نهدي أهل الجنوب كتبًا فحسب, بل نسبة من الأوكسجين, ومشاريع حرّيّة في زمن الثورات والتحرّر.