كيف غيّرت مكالمات الفيديو حياتنا؟

Posted on 30 مارس 2011 بواسطة



بدءاً بالأشخاص الصمّ الذين ما كانوا يستعملون الهواتف الخليوية، ووصولاً إلى الأجداد الذين باتوا يرغبون في التواصل مع أحفادهم، بدأت مكالمات الفيديو تغيّر حياتنا فعلاً. يُعتبر برنامج المحادثة {سكايب} على رأس الجهات الرائدة في مجال الثورة الحاصلة، وها هي شركات أخرى، مثل {آبل} و{غوغل} و{مايكروسوفت}، تدخل المنافسة الآن. ماذا كتبت {ديرشبيغل} عن الموضوع؟

حين يبدأ داني كانال بالكلام، تصمت جميع الأحاديث الجارية حوله على الطاولات الأخرى في المقهى. يقوم كانال، وهو شاب في أوائل العشرينات من عمره، بأمرٍ شبه سحري: يتحدث على الهاتف من دون أن يفتح فمه حتى!

يضحك كانال وهو يمسك بجهاز الآي فون بيده اليسرى، بينما يحرّك يده اليمنى ويرسم بها أشكالاً وإيماءات في الهواء، فيبدو المشهد وكأنه رقصة باليه عبر حركات اليد. في المقابل، يقوم الشخص الذي يتحدث معه على الشاشة بالأمر نفسه، وكأنّ الإثنين يؤديان مشهداً هزلياً ظريفاً.

كانال طالب أصمّ في مجال بناء السفن من هامبورغ، وهو يختبر راهناً اكتشافاً هائلاً. بما أنه يتواصل مع أصدقائه بلغة الإشارات في معظم الوقت، لم يكن يستعمل الهواتف الخليوية كثيراً قبل الآن، إلا إذا أراد إرسال الرسائل النصية.

مع ظهور جهاز آي فون 4 من إنتاج شركة آبل، بدأت حقبة جديدة بالنسبة إلى كانال. يشمل الهاتف الجديد كاميرا على الجهة الأمامية، فوق الشاشة، وهي خدمة تتيح له إجراء مكالمات فيديو حتى لو كان بعيداً عن حاسوبه.

يشرح كانال الأمر قائلاً: {لغة الإشارات هي لغتي الأم والألمانية هي لغتي الأجنبية الأولى. بالمناسبة، يمكنك التعبير عما تريد قوله عبر الإشارات بسرعة مضاعفة مقارنةً باللغة المحكيّة!}.

تشكّل جماعة الصمّ- يصل عددهم إلى 80 ألف شخص- أقلية صغيرة في ألمانيا، ولكنها قد تحتلّ أهمية كبرى بالنسبة إلى المجتمع عموماً. لقد أصبحت مكالمات الفيديو عبر الحاسوب، والآن عبر الهواتف الخليوية، جزءاً من الحياة اليومية، ما جعل الإنترنت شبكة تقرّب المسافات بين الناس.

استقطبت خدمة الفيديو {سكايب} المجانية عبر الإنترنت أكثر من نصف مليار مستخدم، بما يساوي عدد مستخدمي شبكة الـ{فايسبوك} الاجتماعية. تتنافس المؤسسات الكبرى، مثل آبل ومايكروسوفت وغوغل، على كسب العملاء عبر ترويج خدمات الفيديو التي توفّرها. كذلك، طرحت شركات مثل {تاندبيرغ} (Tandberg) و{فيديو} (Vidyo) أنظمة لعقد المؤتمرات المهنية بالفيديو.

لكن تكمن المشكلة في كون هذه الخدمات غير متناسقة، إذ لا يمكن إجراء المكالمات بين نظام وآخر. سيكون الوضع مشابهاً في حال أقدمت شركات تزويد خدمات الهواتف الخليوية على حصر خيارات عملائها بالاتصال بالمستخدمين الآخرين الذين يستعينون بالشركة عينها. كذلك، تحاول شركات الهواتف الخليوية إعاقة خدمات الفيديو، لتجنب زيادة الأعباء الضريبية على شبكاتها الخليوية وللبقاء بمنأى عن تلك الجهات المنافِسة القليلة الكلفة والمثيرة للمتاعب.

مدرسة لغات افتراضيّة

تقول إياناتو هوما، {مرحباً سيدي، هل نبدأ الدرس فوراً؟}، ثم تجلس باستقامة على كنبتها. في الخارج، الطقس معتدل وتصل الحرارة إلى 27 درجة مئوية في المناطق غير المُشمسة. تعلّم هوما اللغة الفرنسية للطلاب في أنحاء العالم من منزلها في داكار، فهي تعطي الدروس عبر برنامج سكايب. من خلال هذا العمل، تكسب مبلغاً إضافياً وقدره 200 يورو شهرياً، وهو مبلغ كبير في السنغال.

على صعيد آخر، يقول توبياس لورانز، الوسيط الذي دبّر الوظيفة الجانبية لهوما عبر الإنترنت: {أرى نفسي كمقاول اجتماعي’. تماماً مثل هوما، يضع لورانز سمّاعة على رأسه- وهو الجهاز العالمي الموحّد الذي يستعمله جميع المحترفين الذين يستعينون بخدمة مكالمات الفيديو- ويلوّح أمام الكاميرا من مكتبه، وسط جوّ بارد وممطر في هامبورغ.

يبلغ لورانز 29 عاماً وقد حاز لتوّه دكتوراه في الفلسفة. يقول: {أنا مغامر واثق بنفسي. لقد خطرت لي فكرة ابتكار مدرسة لغات على الإنترنت في أميركا الجنوبية}. تنظّم شركته {غلوفيكو} (Glovico) حوالى 300 درس لغة شهرياً، ويكلّف الدرس الواحد منها 7 يورو (10 دولارات) بالساعة الواحدة. ويخطط لورانز لزيادة هذه الكلفة بعشرات الأضعاف بحلول نهاية السنة. كذلك، يفيده عمله هذا في إشباع رغبته في السفر والتجوّل من دون أن يضطرّ إلى مغادرة مكتبه حتى!

حتى أكثر المشكّكين في التكنولوجيا بدأوا يعترفون بسحر التفاعل عبر الفيديو. بهذه الطريقة، يستطيع الأجداد اللعب مع أحفادهم البعيدين عنهم، والآباء المطلّقون مساعدة أطفالهم الذين يعيشون مع أمهاتهم لإتمام فروضهم المنزلية، والأزواج الذين تفصل بينهم المسافات التحدّث قبل الخلود إلى النوم أو تبادل ما يقرأونه أو النوم إلى جانب الحاسوب المحمول على السرير.

توفر خدمة مكالمات الفيديو سحراً رومنسياً خاصاً. ما من مكان بعيد يمنع إجراء دردشة لطيفة، وما من بلد بعيد بما يكفي لمنع تبادل الابتسامات. في المستقبل، قد يبدو الواقع أقرب إلى الخيال العلمي، إذ يعمل العلماء في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا، في زوريخ، على ابتكار خدمة عقد المؤتمرات بالفيديو عبر تقنية ثلاثية الأبعاد، ما يجعل المشاهد الافتراضية التي تظهر في مقصورة المركبة الفضائية في فيلم {ستار تريك} واقعاً ملموساً.

إنجاز برنامج سكايب

توقّع البعض مستقبلاً باهراً لمكالمات الفيديو منذ أكثر من 70 سنة. عام 1936، أعدّ النظام البريدي الألماني {هواتف مشاهدة} علنية، ويستطيع المستخدمون من خلالها التلويح لبعضهم البعض بين مدن برلين ولايبزيغ، مقابل كلفة ثلاثة ماركات ألمانية، لمدة ثلاث دقائق. ثم تبعتها سلسلة من المحاولات في المجال عينه، ولكنها باءت بالفشل. ثم عرضت شركة الاتصالات الألمانية العملاقة {دوتش تلكوم} (Deutsche Telekom) الهاتف المرئي {تي 100} في عام 1997، لكنه لم يَلْقَ رواجاً كبيراً، ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع كلفته.

سرعان ما تحقّق الإنجاز أخيراً في مكان غير متوقع، إستونيا، حيث كلّف مقاولون اسكندينافيون ثلاثة مصمّمي برمجيات من إستونيا، عام 2003، لبرمجة خدمة سكايب. تبين أن مفهومهم عن الاتصال عبر الإنترنت كان عبقرياً: يستطيع جميع المستخدمين نقل محادثات الآخرين عبر حواسيبهم، وقد ساهمت هذه الطريقة في تخفيض الكلفة حتى أصبحت زهيدة جداً. في هذا الإطار، يقول ستان تامكيفي، رئيس الوحدة الأصلية لبرنامج سكايب: {كانت للاحتلال العسكري الروسي حَسنة واحدة، ألا وهي أننا تعلّمنا كيفية صنع إنجاز مهمّ من مواد قليلة}.

ثم انتشرت البرمجيات القليلة الكلفة المصنوعة في دول البلطيق بسرعة كبرى لأنها جعلت فجأةً الاتصال الدولي بين الحواسيب مجانياً. تفرض الشركة رسماً بسيطاً على اتصال الإنترنت بالهواتف التقليدية. بدأ برنامج سكايب بتوفير خدمة مكالمات الفيديو في أواخر عام 2005. وتخطط الشركة لعرضٍ علني أولي في نهاية هذه السنة.

بعد إطلاق خدمة سكايب في القطاع الخاص أولاً، سرعان ما توسّعت لتشمل عملاء الشركات. توفّر الشركة الأميركية {غينوارث} (Genworth) مثلاً حوالى مليون دولار سنوياً على تكاليف السفر فحسب عبر الاستعانة بخدمة عقد المؤتمرات بالفيديو. ومع ذلك، يستفيد الأفراد من القطاع الخاص والشركات الصغيرة من خدمة سكايب في المقام الأول.

يتفوّه فيدا رافيشانغر بالعبارة الإنكليزية Hello my friend (مرحباً يا صديقي)، ثم يجلس هذا المرشد الروحي، شبه عارٍ، أمام حاسوبه المحمول، وقد رُسمت على وجهه رموز مقدسة. من مدينة بنغالور النائية، في الهند، حيث الطقس استوائي ورطب، يعطي فيدا، 37 عاماً، دروساً في اليوغا عبر برنامج سكايب، فيقول: {سأساعدكم على استعادة فكرٍ سعيد ومتوازن وعبقري}. من يستطيع رفض عرض مماثل؟

كانت الدعابة القائلة، {على الإنترنت، لا أحد يعرف من أي فصيلة أنت!}، شائعة جداً في عالم الإنترنت حين كانت الكلمات المكتوبة تُطبع من دون معرفة هوية صاحبها. أما اليوم، فقد تغيّر شعار الخدمات مثل فايسبوك: {أشخاص حقيقيون يقابلون أشخاصاً حقيقيين}. يمكن وصف هذه المقاربة بأنها ذات طابع شخصي جداً. لا أهمية للبيانات، بل للأشخاص، ولا أهمية للنص بل للإيماءات.

علاج نفسي على الإنترنت

أدّت مظاهر الإنترنت الحديثة إلى ارتفاع عدد الأشخاص المتزمّتين الذين يخشون التكنولوجيا. تعبّر إليز سنايدر عن الأمر قائلة: {معظم المحللين النفسيين مصابون برهاب التكنولوجيا}. تبتسم سنايدر، من موقعها في نيويورك، وهي تنظر إلى الكاميرا مباشرةً، على خلاف المبتدئين الذين يميلون إلى التحديق مباشرةً في الشاشة.

تستمتع سنايدر باستفزاز الآخرين وقد حققت بعض الشهرة في عام 1965، حين تزوّجت معالجها النفسي، فيكتور روزين، رئيس المؤسسة الأميركية للتحليل النفسي. لكنها عادت اليوم لتثير بعض الضجة والجدل من حولها.

تقول سنايدر عن نفسها: {أنا خبيرة في التكنولوجيا، وتربطني علاقة شخصية جداً مع حاسوبي}. إنها امرأة أنيقة، شعرها أبيض طويل، تبلغ 76 عاماً، لكنها تبدو أصغر بعشرين عاماً بسبب حيويتها الهائلة. تحضّر سنايدر راهناً خطة مهمّة لتستفيد الصين من خدمة الدردشة عبر الفيديو. لقد درّبت عبر الإنترنت أكثر من 40 معالجاً نفسياً، كذلك تقدّم تحليلاتها النفسية الخاصة عبر برنامج سكايب. هي تشرح الأمر قائلة: {أثناء جلسة العلاج، يتمدد المرضى على الكنبة ويضعون الشاشة خلفهم. هذا الأمر أفضل من لا شيء، إذ لا تضمّ الصين عدداً كافياً من المحللين النفسيين}.

قد تدفع النوبة الاحتفالية الراهنة بالناس إلى المبالغة في تقدير التكنولوجيا. فقد أثارت إحدى القضايا الأميركية ضجة كبرى، خلال الصيف، حين منح القاضي الوالد المطلّق الحق بزيارة أولاده، ثلاث مرّات أسبوعياً، على أن تدوم الزيارة الواحدة ساعة من الوقت أو أكثر… عبر برنامج سكايب!

يبدو أن نموذج الإنترنت الجديد الذي يقرّب المسافات بين الناس قد يفرّق بينهم أيضاً. في هذا الإطار، يقول هينينغ شولزرين: {حتى أنني سمعت أن البعض يحضر المآتم عبر برنامج سكايب}. بصفته رائداً في مجال التهاتف عبر الإنترنت، استعمل شولزرين هذه التكنولوجيا منذ العام 1992، وهو يعلّم اليوم في جامعة كولومبيا، في نيويورك.

يبدو شولزرين، 49 عاماً، متعباً بعض الشيء. فهو يسافر في هذه الأثناء، ويمكن رؤية غرفة الفندق كلّها وراءه على الشاشة. هو يتمنى وجود أصول محددة عند التواصل عبر سكايب. في هذا الإطار، يقول شولزرين: {قد يؤدي طلب إجراء مكالمات فيديو إلى زيادة الضغوط على الشركات المنافِسة، وتحديداً في حقل الأعمال. بعبارةٍ أخرى، كل من يرفض المشاركة عبر الفيديو يعني أنه يخفي أمراً ما. ويضيف: {لكن هل أنا مضطرّ الى رؤية مدى تجاهل شريكي بالمحادثة لما أقوله؟ أحياناً، يكون الفيديو مجرّد مصدر إلهاء}.

قد يكون الأمر مجرّد خدمة أخرى سيوفّرها برنامج سكايب قريباً، فإلى جانب خدمات المرشدين الروحيين والأجداد والمحللين النفسيين، قد نرى أيضاً أساتذة لتلقين أصول الدردشة عبر الفيديو.