أنت لن تخرج سالما ولا معافى من هذه المهنة , كل مصور حرب, مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار.

Posted on 11 مارس 2011 بواسطة



في مارس 1942 , سجن جان جنيه لسرقته نسخة نادرة لأحد دواوين بول فرلين, بعد أن تعذر عليه, وهو الفقير المشرد, شراءها.

وعندما سئل أثناء التحقيق:”أتعرف ثمن هذه النسخة التي سرقتها؟” أجاب جنيه الذي لم يكن قد أصبح بعد أحد مشاهير الأدب الفرنسي المعاصر:”لا… بل أعرف قيمتها”.

تذكرت هذه الحادثة, عندما بلغني أنني حصلت على جائزة العام, لأحسن صورة صحفية في مسابقة”فيزا الصورة” في فرنسا. ربما لأنني عندما سرقت تلك الصورة من فك الموت, لم أكن أعرف كم سيكون سعرها في سوق المآسي المصورة. ولكنني حتما كنت أعرف قيمتها, وأعرف كم يمكن لصورة أن تكون مكلفة, وقد كلفتني قبل عشر سنوات, عطبا في ذراعي اليسرى.

في صور الحروب التي أصبحت حرب صور, ثمة من يثرى بصورة, وثمة من يدفع ثمنا لها.

وحدها صورة الحاكم الذي لا يمل من صورته, تمنحك راحة البال, إن كان لك شرف مطاردته يوميا في تنقلاته لالتقاطها. لكنك متورط في المأساة, وفي تاريخ كان ينادى فيه للمصور كما في اليمن السعيد في الخمسينات, ليلتقط لحظات إعدام الثوار وتخليد مشهد رؤوسهم المتطايرة بضربات السيوف في الساحات. أيامها, كان قطع الرؤوس أهم إنجاز, وعلى المصور الأول والأوحد في البلاد أن يبدأ به مهنته.

ذات يوم, تنزل عليك صاعقة الصورة, تصبح مصورا في زمن الموت العبثي.

 

كل مصور حرب, مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار. ثمة مخاطرة في أن تكون مصورا للموت البشع. كأنه دمارك الداخلي. ولن يرمم خرابك عندذاك, حتى فرحة حصولك على جائزة.

المشاهير من مصوري الحروب الذين سبقوك إلى هذا المجد الدامي, يؤكدون:” أنت لن تخرج سالما ولا معافى من هذه المهنة”. لكنك تقع على اكتشاف آخر: لا يمكنك أن تكون محايدا , وأنت تتعامل مع الرؤوس المقطوعة, واقفا وسط برك الدم لتضبط عدستك.

أنت متورط في تغذية عالم نهم للجثث, مولع بالضحايا, وكل أنواع الموت الغريب في بشاعته.

دكتاتورية الفرجة تفرض عليك مزيدا من الجثث المشوهة.

 

إنهم يريدون صورا بدم ساخن, مما يجعلك دائم الخوف على صورك أن تبرد, أن يتخثر دمها ويجمد قبل أن ترسلها , هناك حيث من حنفية المآسي, تتدفق صور الإفناء البشري على الوكالات.

أثناء ذلك, بإمكان الموتى أن يذهبوا إلى المقابر, أو أن ينتظروا في البرادات. لقد توقف بهم الموت, وجمدت صورتهم إلى الأبد على عدستك. ولن تدري أخلدتهم بذلك, أم أ،نك تعيد قتلهم ثانية.

لا يخفف من ذنبك إلا أنك خلف الكاميرا, لا تصور سوى احتمال موتك.

 

لكن هذا لا يرد الشكوك عنك. الجميع يشتبه في أمرك: ” لصالح من أنت تعمل؟”. أأنت هنا , لتمجيد إنجازات القتلة ومنحهم زهوا إعلاميا, أم بنقلك بشاعة جرائمهم تمنح الآخرين صك البراءة, وحق البقاء في الحكم؟ إلى أي حزب من أحزاب القتلى تنتمي؟ ولصالح من من القتلة ترسل صورك.. إلى الأعداء‍ !

 

مقطع من الفصل الثاني من رواية عابر سرير