يوم جلست تونس بجواري ____ احلام مستغانمي

Posted on 10 مارس 2011 بواسطة



ذات نيسان 1998 كنت أشارك في ملتقى المبدعات بسوسة حين بلغني خبر وفاة نزار.ـ

غادرتُ تونس على عجل، دون أن أدري أنّني لن أعود إليها قبل 12 سنة.ـ

حدث بعد ذلك، أثناء ركوبي يوماً الحافلة في باريس، أن جلست إلى جانبي فتاة محجّبة كما لتأنس بعروبتي، فقد كان واضحاً أنّها عائدة لتوّها من مظاهرة دعماً للانتفاضة، بحطّة على أكتافها، و علم فلسطينيّ تمسك به مطويًّا في يدها. ما توقّعت أن تكون تونسيّة، بسبب منع الحجاب في تونس. لكنّها قالت لي أنّها تضعه في غربتها عن تحدّ، و التزام تجاه شاب تحبّه و اختطفه رجال الأمن منذ ثلاث سنوات. أمام اهتمامي بمأساتها، راحت تروي لي ما حلّ بأقارب و معارف لها، مات أحدهم في أقبية التعذيب و دفنه أهله في حضرة قتلته.ـ

الفتاة كانت من الشجاعة لتواجه عنصرية يهود فرنسا، انهارت باكية حين ضممتها و قبّلتها مواسية. ودّعتني بعدها، و نزلت عجلى من الحافلة، دون أن أفكّر في سؤالها عن اسمها، فما توقّعت أنّ دموعها ستعلق على خديّ اثنتي عشرة سنة.ـ

وفاءً لفتاة لم تعرف من أكون، لكنّها استودعتني دمعها، لم أزر تونس على مدى أعوام، تزايدت خلالها الدعوات إلحاحاً و إغراءً، و ازددت أنا إصراراً، بعد أن قطعتُ مسافة طويلة في الالتزام بوعد أخذته على نفسي.ـ

ثمّ.. قبل عام اتصل بي من تونس أحد تلاميذ أبي بعد أن تعرّف عليّ من الفيس بوك. و كان حدثاً مذهلاً، فقد فاجأني نبل و وفاء “سي عزوزالدريدي” الذي و هو في سنّ التقاعد، ما زال وفيًّا لمعلّم تتلمذ على يده في الابتدائي، و يصرّ مع من ما زال حيّا من زملائه على تكريم معلّمهم “الجزائري”، و اطلاق اسمه على الصف الذي كان يدرّس فيه. و لأنّ الرجل يعرف أيضا البيت الذي ولدت فيه (لأنّ أبي كان يكلّفه بإيصال الواجبات المدرسيّة إلى البيت)، فقد عرض عليّ أن يرافقني لزيارة حيّنا. و هكذا هزمتني ذكرى أبي. و تحوّلت زيارتي إلى مشروع عائلي رفقة أمي و أخي و ابني الذي كان يريد أن يعرف شيئا عن جدّه. ارتأيت حينها أن أقبل “أخيراً” دعوة معرض الكتاب كي تتمّ فرحتي بلقاء قرّاءٍ هم أهلي و من فصيلة حبري و شجرة عائلة كلماتي، فأشهدهم على عودتي الى مسقط قلبي ( و لقد أعطوني من جموح الحبّ و جنون الاحتفاء ما خفّفت ذكراه من ندمي).ـ

فما كدت أصل المطار برفقة زوجي و ابني، حتى تمّ توقيف زوجي للتحقيق معه حول ما كتب من مقالات عن تونس، برغم حيازته تأشيرة.   و بعد أن تناوب عليه رجال الأمن مُساءلة و تجاوز الوقت الساعتين، و بدت على مستقبلينا علامات الإحراج، و على زوجي المريض بالسكري  و الضغط أعراض الإرهاق، ثمّ الغضب حدّ طلبه المغادرة على أوّل طائرة، سمحوا لنا بالدخول تفادياً لفضيحة إعلاميّة.ـ

أمّا ابني مروان الذي لم يختبر هذه المواقف فقد أصيب بحالة إحباط، لولا أنّهم أدركونا بمرافق من عمره يحرس أنفاسنا، و كان للأمانة شابا طيّبا ظلّ يهاتفنا حتى بعد عودتنا إلى بيروت.ـ

ما زالت تحضرني ذكرى تلك الفتاة. من أجل دموعها التي علقت على خديّ، رفضتُ أن أكون في استقبال بن علي عند افتتاحه لمعرض الكتاب، كما طلب منّي بإلحاح مدير المعرض. جئتُ متأخّرة بيوم، كي لا أصافحه بشهادة الكاميرات. لاحقاً، و بوعزيزي يضرم النار في جمهوريات الخوف، أدركت أنّني في الواقع جئت تونس قبل بضعة أشهر، من لحظة انتظرتها اثنتي عشرة سنة.ـ

لقد أخلفت موعدي مع التاريخ. و لهذا لن أعرف يوماً كيف أكتب عن فرحة عشتها بمرارة.. وحدي أدري بها.ـ

***

أحلام مستغانمي

مقال نُشر في زهرة الخليج