دفاعاً عن البهجة ( أحلام مستغانمي )

Posted on 10 مارس 2011 بواسطة



أذكر أنّ جريدة سويسرية، قرّرت ألاّ تنشر على صفحاتها إلاّ الأخبار السعيدة، مُعلِنَة أنها ستُقاطع تماماً أخبار الكوارث الطبيعية، والحروب الأهليّة، والأوبئة، والمذابح، والمواجهات، والاغتيالات، والاغتصابات، والبطالة، والإضرابات، وكل ما تعيش عليه الصحافة الغربية، وتصنع منه مصيدة صفحاتها الأُولى، لقارئ يحتاج إلى التهام وجبة ذعره اليوميّ. ومازلت أبحث عن هذه الجريدة، عَسَاني أعرف من أين ستستقي أخبارها الْمُفرحة في زمن تمّت فيه عولمة الكآبة أيضاً، مذ تكبَّدت بورصة الفرح الكوني أفدح الخسائر، ومازالت تدفع ثمن انهيار برجين في نيويورك.

يكفي أن نعرف أنّ أربعمئة مليون إنسان في العالم مصابون بأمراض نفسية وعقلية، لنفهم أنّ البشرية كانت مُهيأة لانهيار عصبيّ، تَشِي به ما يستهلكه الإنسان العصريّ من كميّات مُذهِلَة من عقاقير ضدّ الكآبة. ويحضرني قول أحمد أمين “لو أُنصف الناس، لاستغنـوا عن ثلاثـة أربـاع ما في الصيدليات.. بالضحك”. ذلك أنّ أحد أسباب هذا الإحباط، مُصادرة الحياة العصريّة حقّ الإنسان في الضحك، بفرضها عليه نمطاً من التوتر الدائم، بحكم خوفه المتزايد من الغد.

دراسة ألمانية جاءت لتزيد من إحباطنا، إذ أكدت إحصاءاتها، أنـــــه، على الرغم من صعوبة الحياة في الخمسينات، كانت ضحكات الناس تستغرق 18 دقيقة يومياً، وقد انخفضت هذه المدّة إلى 6 دقائق في التسعينات، مقابل ارتفاع معدَّلات الإصابة بالاكتئاب إلى 10 أضعافها في الخمسينات.

ولأنّ البشريّة أصابهاالذعر من فقدانها الْمَنَاعَة ضدّ هذا النوع الجديد من الاكتئاب، ونسيانها عادة الابتهاج، فقد اكتشفت أنّ الضحك من مستلزمات الحياة العصرية والْمُنقذ الوحيد لها. فالدنيا تضحك على كلِّ مَن لا يضحك لها، وتسلبه في آخر الجولة، كلّ المكاسب التي من أجلها ضحّى بالبهجة.

وقبل أن يثبت الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، في كتابه الشهير “الضحك”، كيف أنّ الضحك يُحذِّر القلب، بتفريغه من شحناته العصبيّة القاتلة أحياناً، وإثبات أطباء الدماغ، أنّ الضحك هو صمام أمان عقولنا، وأننا نحتاجه درعاً تردّ عنّا ضربات الحياة ولكماتها، كان الآسيويون قد وجدوا في الضحك وسيلة لحلّ كل مشكلاتهم. حتى إنّ الصينيين ابتكروا سابقاً “الإعدام ضحكاً” عن طريق دغدغة قدمي المذنب، حتى موته من شدَّة الضحك. أمّا في الهند، حيث يجتمع كلّ صباح في الساعة الخامسة تماماً، عشرات النساء والرجال، ليمارسوا في الحدائق الجميلة، المحيطة بأضرحة المغول، رياضة “اليوغا”، فإنّ درسهم ينتهي كلَّ صباح، بانفجارهم ضاحكين دقائق عدّة، كي يستعدُّوا لمواجهة مشكلاتهم اليومية بالضحك.

ولأننا لا نملك ثقافة البهجة، ولا تقاليد الضحك، عندما قرأنا خبر إنشاء طبيب هندي نوادي للضحك، يفوق عدد أعضائها الخمسة والعشرين عضواً، ليست مُخصَّصة لرواية الطرائف والنكت، بل هي نَوَادٍ ينتقل فيها الضحك بالعدوى من دون سبب، كما ينتقل عندنا البكاء، خفنا آنذاك أن يُلهم الخبر حماة النواح ومتعهدي المآسي القوميّة، فيهبُّوا لإنشاء “نادٍ للبكاء العربيّ”، برعاية إحدى الفضائيات الإخبارية العربيّة. فالبكاء، كما الغناء، استثمار فضائي جيِّد عندما يتعلّق الأمر بنا، وموارد الحزن والآبار الجوفيّة لدموعنا، كثرواتنا المنهوبة، لا تنضب، هي فقط ترخص كلّما غلا بترولنا. لذا لن يكون من الصَّعب إحداث “ستار أكاديمي” للبكاء، يتدافَع عند بابه العاطلون عن الحلم من شبابنا. حتماً سيفوق عدد أعضاء هذا النادي، نادي الضحك الهندي. فلمرَّة في إمكاننا جميعاً، مُشاركين ومُشاهدين، أن نشترك في البكاء، لكون تلفزيون واقعهم آنذاك.. لن يختلف كثيراً عن واقعنا!

للذين لم يعوا عواقب الحزن على الكائنات الحيّة، بما في ذلك الحيوانات، أنقل قصّة ذلك الخروف الذي، بسبب حزن عميق أصابه إثر انفصاله عن رفيقه، انقلب على نظامه الغذائي، وبدأ في التهام الدجاجات من حوله. كان ذلك قبل “إنفلونزا الطيور”، على الرغم من ذلك أوقع صاحبه في مشكلة فقهيّة بشأن لحمه إن كان يُعدُّ حلالاً!

أما الذين اعتنقوا الفرح مذهبَاً، فأدعم قناعاتهم بوصيّة فقيه روماني، أوصى في القرن الخامس عشر بكلِّ أمواله لِمَن يُثبت الشهود أنه كان أكثر الناس ضحكاً في جنازته. وقبله بقرن كان “يان جيجيكا”، وهو البطل القومي في بلاد بوهيميا، قد أوصى بأن يُنتزع جلده قبل وفاته، لتُصنع منه آلة للطرب!

ولو عاش على أيامنا، لحققت له فضائيات الغناء العربيّ الهابط التي تجلدنا كلَّ يوم، أُمنيته.. من قبل حتى أن يُغادر الحياة

احلام مستغانمى