أكتب إيه.. ولاّ إيه.. ولاّ إيه! ___ احلام مستغانمي

Posted on 10 مارس 2011 بواسطة



 

إن كان بينكم من يفهم ماذا يحدث في العراق، فأرجو أن يُشاركني بعض فهمه، ويسعفني بما توصّل إليه ذكاؤه السياسي. شخصياً، أُعلن أمّيتي في ما يخصُّ العراق. فقد اختلط عليّ الحابل بالنابل، والقتيل بالقاتل، والمظلوم والظالم. لم يبقَ من ثوابتي القديمة سوى اقتناعي بأنّ أميركا زادت طين العراق بلّة، وأغرقته في وحل ديمقراطيتها، بقدرما استدرجها وورّطها في برك دمه.ـ

 

كم من الأهوال على هذا الشعب أن يعيش، قبل أن يجتاز بحار الدم ويصل إلى شاطئ الديمقراطية المعطوبة المغشوشة، التي مازال يسبح في دمه مجذّفاً للوصول إليها؟

أرهقتني صور العراق.. يا ناس دمّرتني. أُقسم بالله أفسدت عليّ حياتي ومباهجي. أكوام من القصاصات أمامي، بين دفاتري، على مكتبي، عند أرجل سريري، ملفات كاملة منذ غزو العراق إلى اليوم جمعتها تحت عناوين خاصة، موضوعات آلمتني، بعضها أحتفظ بها منذ أشهر عدة، لأعلّق عليها، وكلما عدت إليها للكتابة خفت أن أنقل عدوى إحباطي إلى القراء.. خاصة أنه مفترض أن تكون هذه الصفحة فسحة للبهجة.. لا تنكيداً إضافياً لحياتكم.

من يحتاج منكم إلى الاستفسار عن موضوع يخص العراق، يكفي أن يطلبه مني. أملك ملفات عن غزو العراق، عن التعذيب والقتل والتمثيل بالجثث في سجن أبو غريب (مع صور ملونة لا يصمد أمامها نظر)، سرقة الآثار، اغتيال العلماء، نفقات الحرب، تصريحات السياسيين الأميركيين، “إبداعات صدام الروائية”، أرقام الدمار، أرقام الاختلاسات (مثلاً ما اختُلس من وزارة الدفاع العراقية وتبخّر من مليارات). حتى أحمد الجلبي أملك عنه ملفاً كاملاً من صفحات عدة، وكأن لي حساباً شخصياً معه. كذلك هناك ملف عن “كوبونات النفط مقابل الغذاء”، ومَنْ استفاد منها من الكتّاب والصحافيين. ذلك أنني لم أغفر لمن نهب العراق، خاصة أولئك الذين فعلوا ذلك بذريعة مساندته، في محنته أيام الحصار، الممثلات العربيات الشهيرات، اللائي كنّ يباهين بصداقة صدام، والمغنيات اللائي كن ضيفات على عدي بملايين الدولارات قبل أيام من سقوط بغداد، والإعلاميين الذين سارعوا إلى بغداد لدعم صدام في خياره الانتحاري وملأوا جيوبهم من آخر إغداقاته قبل غرق الباخرة.

أملك أيضاً مقالات عن توزيع أدوية مسمومة، وحلوى مفخخة في العراق، عن اغتيالات الصحافيين والمراسلين، عن انتشار المخدرات والبطالة والأوبئة.. والدعارة.

وأملك ما يفوق هذه الملفات عدداً في ما يخص فلسطين: تهويد القدس (رُصد للمهمة 95 مليون دولار)، أحداث العنف بين الفلسطينيين، ملفات الأسرى.. والخونة.. والاختلاسات، ممارسات الجيش الإسرائيلي، الوضع الإنساني البائس في الأرض المحتلة، الزنازين القذرة التي يقيم فيها وزراء حماس ونوابها الستة والعشرون، في ضيافة السجون الإسرائيلية، الهِبات التي تتلقاها إسرائيل من يهود أميركا، والمضايقات التي يتعرض لها أيُّ عربي، يحاول إغاثة ثكالى ويتامى فلسطين، وأيضاً: صادرات إسرائيل إلى الدول العربية التي ارتفعت بنسبة 35 في المئة، خلال الثلث الأول من هذه السنة أثناء مقاطعتنا الزبد الدنماركي، وانهماك إسرائيل في بناء جدارها العازل. وكنت في الأردن عندما تصدّرت صحفَها أخبارُ مطالبة السلطة الفلسطينية الجديدة الأردن بتسليمها مسؤولين متهمين بالفساد، في قضايا وصلت قيمتها إلى 700 مليون دولار، فأضفتُ الخبر إلى ملفاتي ومعه تحقيقات عن الفقر والتجويع اللذين عرفتهما آلاف العائلات الفلسطينية في الأشهر الأخيرة.ـ

 

الفجائع الكبرى، كما الأخبار الصغرى، تفتك بي، تطوّقني. حتى غدت حالي كحال ذلك المصري، الذي تقول النكتة إنهم قبضوا عليه، وهو يوزع منشورات لم يكتب عليها شيئاً، وعندما عجبوا لأمره وسألوه: “إيه ده؟ بتوزع على الناس أوراق بيضا؟”. فأجابهم: “هو أنا أكتب إيه ولاّ إيه.. ولاّ إيه!”.ـ

أفهمْتُم أين أهدرت طاقتي الإبداعية، ولماذا يأخذ مني مقال أسبوعي أياماً من العذاب وساعات من الذهول أمام أوراقي، أفاضل بين مصيبة وأُخرى أولى بالكتابة؟

هذا الأسبوع، مثلاً، لا أدري عمَّ أكتب، ماذا لو تركت لكم هذه الصفحة بيضاء تملأونها كيفما شئتم؟

 

***

أحلام مستغانمي

 

من المقالات التي نشرت في زهرة الخليج 2006