معتصم رزق ( السلم الخشبي )

Posted on 13 يناير 2011 بواسطة



 

بأقلامكم

اسم القصة: السلّم الخشبي

الكاتب : معتصم رزق

دخل الشيخ أحمد ، الرجل الستينيّ ، السوق . بقميصه الأزرق الفاتح ضيّق الأكمام و بنطاله القماشيّ الأسود . و حاله الإبتهاج . و بين الحين و الآخر يلوّح بصولجانه المنقّط بالسوّاد
كان السوق يعجّ بالمارة ، و أصحاب الحوانيت مشغولوّن داخلها بالمفاصلة مع الزبائن . و على مقربة منه ، تناهى إلى سمعه صوت أحدهم يسأل الآخر عن الوقت ، فعرف

الشيخ أحمد أنها
الخامسة مساءً و صار عليه بذلك أن يحثّ الخطى
الشيخ احمد يعمل كحارس ليليّ في السوق . قبل أن يغادر بيته ، يقف على الباب المطلّ على الحارة و ينادي بأعلى صوته على آخر ابنائه ، و لما يطمئن أنهم جلسوا غلى كتبهم المدرسيّة بقرب
السماور الذي يغليّ ، يخرج و هو يمنيّ نفسه بأن يعود عند الفجر و بيديّه شيئاً للأطفال.
قبل قليل نادى عليه ” محمد خليل ” ، و ليس من المألوف أن يستدعيّه الرجل . لولا أن وراء هذه الخطوة سبباً كان من الصعب تلافي رأي الشخص الوحيد الذي يمكن الإعتماد عليه فيه و الإفتاء
به . قدّم له محمد خليل فور وصوله تنكتين . حدس ما فيهما من النظرة الأولى . و لم يكن في الحانوت سواهما و رجل آخر غريب لم يعرفه ، كان يقتعد كرسيّاً خشبيّاً في زاوية المحل ، لكنه قدّر
بأنه تاجر جاء يعرض زيته على محمد خليل ، و الظاهر أن محاولات محمد خليل في تجنب طلب مشورة الشيخ قد باءت بالفشل فبعث في طلبه ، و ها هو الرجل الستينيّ يقف بباب المحل و يردّ
السلام..


– أهلاً .. أهلاً بالشيخ ، بركتنا و نوّارة السوق . تعال اقعد ، لا و الله حلفتْ .. أعرفك ” أبو مازن ” ، تاجر مخللات و طُرشي و أحياناً مُعلبات ( صح يا أبو مازن ؟ ) ، و اليوم جاب لي تنكتين
زيت زيتون . و أنا و بصراحة غشيم في الزيت و خائف أن يكون زيت إحدى التنكتين قد فقس


قاطعه أبو مازن بصوت ٍ رفيع غالبه حشرجة استنكار..
– له ، تف من فمك يا ” محمد خليل . ” يعني أنا أريد أن أغشك لا سمح الله ؟ الزيت زيت السنة ، و أنا سمعتي مثل المسك ، أسأل..
– معاذ الله يا أبو مازن . لكن الواحد يحب أن يثطمئِن قلبه . ها ؟ ماذا صار معك ؟ كيف وجدت لي الوضع ؟ ..
خلال الحوار القصير الذي تجاذبه أبو مازن و محمد خليل ، مدّ الشيخ يده المعروقة إلى التنكتين ، غارزاً أصبعه فيهما الواحدة تلو الأخرى . و قد شعر بطعم الزيت من غير الزيت و أصبعه لا يزال
في فمه . بدتا عينا ” محمد خليل ” تتوهجان بترقب ٍ شابه فرط الصبر . أما أبو مازن ، فبعثَ ببصره إلى البعيد كأنما يشيحُ بهما عن منظر مُعيب و ظلّ يتنحنح حتى بعد أن غادر الشيخ و في جعبته
زجاجة صغيرة مملوءة بالزيت ، نفحه إياها محمد خليل مجازاة ً له على ما أسماه المعروف .


و في طريقه إلى ناحية السوق الأخرى ، بدأ يلاحظ الناس يتجمعون زرافات زرافات ، و لم تصح ظنونه إلا بعدما لمح سيارة شرطة واقفة على مقربة من الرصيف . كان عطا ثملاً تماماً بشعر ذقنه
الكثّ و رجليه المترنحتين ، و قد تقدّم منه شرطيان حاولا إقناعه و إدارة حديث معه ، لكن أي من ذلك لم ينفع . كان ثملاً و يقدِرُ على ارتكاب جريمة و إنهاء المواجهة بمجزرة . اخترقَ الشيخ
أحمد الحلقة المؤطّرة للمشهد ، و كونه حارس السوق الليليّ ، أرادَ أن يتدخل فيوصل الحادث إلى بر الأمان أو قل أقل خسائر الممكنة . لكن عطا ظلّ صامتاً و رعشة تتقافز فوق صدره و جنبه و
خاصرتيّه . توسط الحلقة التي ضربها الناس المذهولون حوله ، و هو في مركزها لا يريم . عطّنته رائحة العرق الزنخة ، و تحت إبطيّه شوهِدتْ بقعتيّن غامقتيّن .
زادَ الموقف حرجاً أن الشرطيين تشاجرا ، بل و تبادلا السِباب . حتى أن عطا ضحك و كاد أن يسقط من أثر الشماتة لكنه تمالك نفسه و أنقذ جذعه في آخر لحظة من الوقوع . و في تلك اللحظة
تغيّرتْ ملامحه فغدا أكثر إتزاناً ، و بعد أن مدّ يده إلى جيب سترته ، بحركة خاطفة ، أشهرَ موسى.


و ركل زجاجة البيرة التي كانت طيلة الوقت محاذية ً لساقه فتحولتْ إلى شظايا و تناثر السائل على الإسفلتْ و تعالتْ الصيّحات و تحوّل الشرطيّان إلى ما يشبه المهرجين في حلبة سيرك . و إذ
الشيخ أحمد بات قريباً جداً من موضع الشرطيين ، سمع صوت بكاء طفل حاول أن يعرف مصدره بإلتفاتاته المتكررة لكن بلا جدوى . ثم لم يجد نفسه إلا و قد تجاوز الشرطيين مواجهاً عطا الذي أخذ يتنفس بصعوبة و الموسى يشدّ عليه براحته..


– عطا يا أخوي . اخزي الشيطان و ارمي الموسى من أيدك و أنا قدّام الخلق كلهم أضمن لك أن لا أحد يصيب ظفركْ.
هكذا تعالى صوت الشيخ أحمد بمهابة و هو ثابت محنيّ القامة قليلاً إلى الأمام.
– إيه ! و حياة أختي . الذي يقرّب مني إلا أمزّع وجهه ! .. أنتم تظنون أنني ضعيف .. لا لا
و استسلمَ جسده النحيّل إلى كحة اهتزّت لها عظامه . طالتْ الكحة و شرع عطا بالبصاق و سقط منه الموسى أرضاً . فأغشاه التعب و تهالك على ركبتيّه و أحنى رأسه على صدره ، الذي لم
يسلم من الكحة لحظة ً واحدة.


تراءى للشيخ أحمد الشرطيّان و هما يقتربان على حذر ، فالتف بوجهه إليهما موليّاً عطا خلفه ، فاتحاً ذراعيّه على اتساعهما محوّطاً عطا الذي كان ملقى على الإسفلتْ تتناهشه الحشرجات.
صرخ الشيخ أحمد بتضحيّة و إفتداء و ظهره يحاذي شيئاً فشيئاً عطا و قدماه تعودان إلى الوراء . لكنه صرخ صرخته الأخيرة ، إذ تبيّن أن عطا قفز من خلفه طاعناً إياه في رقبته.

جحظتْ عينا الشيخ أحمد و تغضّنتْ ملامحه ثم انهار كشجرة معمّرة

 

البلد في حالة حرب و الفوضى تستشري بين العباد . لقد أفضتْ الحرب إلى أن يتم وضع الدستور و إيقاف العمل بأحكامه و إعلان حالة الطوارىء ، التي بعثتْ في جسد البلد نوعاً من الخدر ،و الذي تفتّق بدوره عن نهم الذين لم يشاركوا في الحرب و الذين ركنوا إلى مخادعهم و اختفوا خلف مكاتبهم ..

فأضحتْ البلد على كف عفريت و انتشر الفساد و ضاقت في العيون الآفاق و لم يجد الناس حتى في مخفر الشرطة العزاء و السلوى..


مضتْ ستة أشهر على محكوميّة عطا في السجن ، داومتْ ابنته الوحيدة نجوى خلالها على زيارته جالبة له معها زاد يتكون من الخبز و العسل و بضع حبّات التمر . طلب إليها أن تحضر زجاجة
بيرة في إحدى الزيارات التالية ، متعهداً أن يمررها دون أن ينتبه أحد . لكنها رفضتْ و لم تدفع دموعه إلى ثنيّها.
كانت تقف أمام السيّاج الفاصل و أصابعها القليلة ، التي عبرت الفتحة الضيقة بالكاد في كف أبيها ، الذي كان ينحني فيقبّلها و يلثمها بنشوة و الدموع تُخضّل لحيته و وجهه . أخبرها أنه بات يخاف
عليها وحيدة ً ، و أنه من الظاهر إستحالة خروجه أو معرفة مصيره ، بما أن لا محاكمة له قد جرتْ حتى هذه اللحظة .

و لذلك لا بّد أن يُطمئن قلبه عليها و أن تكون في مأمن يوفّر عليها و عليه
الشعور الداهم بالخطر ، و يحد من القلق المتشجّر في خاطره . و إذا كان الأمر كذلك ن فلا مفر من أن تقترن بزوج يحميها و يطعمها لقمة الخبز . رغم أنها لطالما رددتْ على مسمعه أكثر من مرة
رفضها للفكرة و استبعادها لخيال زوج ينتصبُ في باب الدار عند كل ليلة


اشتدّ إوار الحرب فسقطتْ جبهات و تندّتْ جباه و افتضحتْ أكاذيب ، و استفحل شبق رجال المخفر إلى مصادرة أملاك الناس . و ظلّ مَنْ يلبسون الزيّ الأخضر يغطسون في مقاعدهم . و أبواب تُفتح و ثانيّة تُغلق .و بين كل صفقة لباب و التي تليّها ، كانت وجوه مُتعبة تُطلّ و وجوه تغيبْ.


و لم يكن في وسع الناس إلا الإذعان و الخضوع للأمر الواقع . بينما انتقل إلى المخفر من البقر و الدجاج ، أثاث البيوت .. السجاد و الأسرّة . الخزائن الكبيرة و الصغيرة ، مما فاق المعقول و
بعث على الشفاه التذمّر و شكّكَ الناس في حجّة المخفر الرسميّة ، من أن البلاد تمرّ في حالة حرب و لا بّد من تقديم الدعم و المبادرة إلى التضحيّة.


إلا أن الشيء الوحيد الذي نجا من أيديّ رجل المخفر هو الراديو . إذْ حَرصتْ إدارة المخفر و القائميّن على سلطة المنطقة ، على أن يكون الناس في قلب الحدث و أن لا تفوتهم فائتة مهما بلغت
من الصِغر و الثانويّة..


و حدث ما لم يكن في الحسبان . كانت نجوى يومها في زيارة أبيها . نفت له كالعادة حوزتها على النبيذ ، و لم يشتملْ كذلك حديثها على أي جديد . رفضتْ مثل أي وقت ٍ مضى عرض أبيها بأن
تتزوج ، و شرعتْ تلقمه من بين الفتحات الصغيرة قطعاً من الخبز المغمّس في العسل ، و وجه الأب يصبغه الحبور و تسكنه سعادة طفل رضيع بين يديّ أمه..


في حجرة أخرى قريبة أكثر رحابة ً ، لا تشتمل على سياج . انفضّ ثلاثة رجال موفوريّ الصحة متكاسليّن عن صحن نحاسيّ كبير احتوى كما هو واضح من الفتات المتبقيذ على اللحم و البرغل
. انزوى كل واحد ٍ منهم في مقعد و شرعوا في حديث مفكك تلبّسه التجشأ و السِحن الشبعانة محمّرة الأنف..
قال أحدهم ، الذي جلس بدوره خلف المكتب و عودة خشبيّة لا تسقط من فمه:
ها ؟ حدّثنا يا شهريار ! . كيف حال المنطقة عندكم ؟ و لا تخفي عني أي شيء يا بكّاش ! –
و يبدو أن مَن توجّه إليه الحديث و الآخر الذي جلس قبالته ، كانوا في ضيافة المخفر ، رؤساء مخافر شقيقة..


و اندمجَ الرجال في جو ٍ صاخب . أطلقوا النكات على سجيّتها . تهكموّا و سخروا . تشقلبوا في كراسيهم ، و تبادلوا الضربات الخفيفة على قفا الرقبة . و بين الفينة و الأخرى كانت الضحكات و
القهقهات العاليّة تتقافز في الممرات ” هأ هأ هأ .. هيْ هيْ ،عا عا عا .. هو هو هو ووو .. ” ، و لم يكن في الحجرة سواهم و الأثاث .. و راديو موضوع على رفّ قرب منفضة سجائر ممتلئة عن آخرها بالأعقاب و الرماد . و من اهتزاز الراديو المستمر تكتشف أن أحدهم قد أخفض مفتاح الصوت إلى الحد الذي لا يُسمع فيه أي صوت . و لو قدّر لأحدهم أن ينهض كأن انتبه للإهتزاز


أو راوده الشك .. لسمع أخباراً لا تسر ، أخبار الهزيمة!

خللتْ نجوى أصابعها النحيلة الرقيقة لحيّة أبيها ، الذي ألصقها بدوره السياج الحديديّ . و غنّتْ له بصوت أنثوي بسيط أغنيّة ً يحبها ، ترنّم لها الشرطي الذي يقف على مقربة ، و طفرتْ لها
دمعة في طرف عينيّ أبيها المتألمتين . ثم سمعتْ شخيره و هو لا يزال متشبّثاً بأصابعها الوحيدة بعيون ٍ مُغمِضة.

انفرجَ أحد الرجلين المتقابلين في جلسته ، مُفسحاً بين فخذيّه ، كاشفاً عن معدة تحدّبتْ كالجبل . كان الحديث الدائر عن النساء ، و قد أفرد رئيس المخفر النساء إلى أصناف : منهّن الطويلة
نحيفة القدّ ، و منهّن القصيرة الممتلئة . لكنه على حد قوله يُفضّل التي لا هي بالطويلة و لا القصيرة رشيقة القدّ ، بضّة الزند ، جميلة التقاطيع .. صدرها كالرمّانة . تدّلتْ للحديث الشفاه ، و
أرهفتْ له الأسماع ، و أصاب المجتمعين وجوم كأنما أرواحهم تحومُ فوقهم . امتدّت السيقان و تراختْ العضلات ، و ازداد الحديث تشويقاً بالذات عندما انتهى رئيس المخفر من كلامه مُفسحاً المجال للضيوف الذين كما يبدو ظهر عليهم الحماس ، و هم يقصّون عليه مغامراتهم . لم يكف الراديوانذاك عن الإرتجاف و الإهتزاز بعصبيّة ، لكن أحداً لم يرمه و لو بنظرة واحدة..


غادرتْ نجوى بعد أن شعرتْ بقلبها أنها أسعدتْ أبيها و أدخلتْ إلى نفسه السرور . سُمِحَ لها هذه المرة أن تجلس و إياه فترة ً أطول من أي فترة ٍ سابقة ، و قد مطّنها ذلك من أن تغرس في
قلب أبيها بذرة أمل ، و تغذيّها بفكرة أن يؤخذ بعين الإعتبار أنه كان ثملاً تماماً أثناء ارتكابه القتل . استعادتْ كل هذا و هي تستعد للخروج من المخفر . قام الخفير الرابض أمام الباب الخارجيّ
بعمل تفتيّش أخير لها . و لم يراودها أي خاطر عما كان يدور في رأس الشرطيّ.
لشدّ ما أغراهُ جيدها الأبيض و شامة سوداء حلوة كأنها صخرة انحدرتْ من على سفح جبل و استقرّتْ في الطريق إلى الكتفين . ليستْ هذه المرة الأولى التي يتم تفتيّشها . نفس الشرطيّ قام
بذلك بكل أدب و تهذيب فيما مضى . لكنه وقع هذه المرة .. و لم يتمالك نفسه . شعر بها حارة و طريّة ، بخصلات سوداء انثالتْ من على جبينها . حسنة الطالع ، مزهرة الوجنتين ، مليحة
الوجه . أحسّ بها تقف على صدره لا على الأرض .. و أنفاسها باتت تلفحه . مدّ أولاً يداً راجفة و طوّقها و جذبها إليه بكل ما أوتي من قوة . حاولتْ الإفلات و التملّص ، ضربت بكفيّها وجهه

و صرختْ . لكنها صارتْ في ذهنه اشبه بطوق نجاة في موج ٍ عات ٍ مُصطخبْ بالشهوة .. يعذّبه و يقهره .ُ
قاء المخفر أمعاءه عند العتبة ، و تدافع الخفراء و تعالى النداء .دوّتْ في الممرات خطو أقدامهم خبط عشواء ، و تشابكَتْ ألفاظهم و حالتْ إلى أن تستعصيّ على الفهم . خلصوّها من بين ذراعيّه
، و انهالوا عليه ضرباً و شتيمة مطوحيّن به من على الدكّة إلى الرصيف..

اقتيّدتْ في نهاية الأمر خلال مجاز ٍ طويل إلى باب لا يشبهه أي باب ، و كانت أصوات ضحكات تزداد و تعلو كلموا تقدموّا في السير . انتهى بها المطاف و الباب يُفتح . بعدما سُمِحَ للطارق
بالولوّج ، عن ثلاثة رجال انقلبوّا فوق المقاعد و قد احتضنوّا الطنافس بكلتا الذراعيّن.
شاهدتْ الباب يُصفق ثم يُدربس بالمفتاح ، و شاهدتْ وجوهاً تنهض و سراولاً و قمصاناً تتفتق و تُخلع و ترمى جانباً . أرادتْ أن تصرخ ، دارتْ بعينيّها في سقف الغرفة بحركة دون معنى.
خُيّل إليها القبعّاتْ السوّد غرباناً تتوسد مساند المقاعد تحدّق فيها . فقدتْ نفسها و شعرتْ بعافيتها و قوتها و عزمها تخور و تتكاثف بركاً صغيرة خلفّها مطرُ سحابة تكشّفتْ أخيراً عن شمس
لاهبة لا ترحم . اقتربوّا ثلاثتهم حتى ضاق الأفق و اختفى أي شيء ٍ آخر سوى رائحة العرق و الزنخة ..
أما الراديو فكان يرتجّ على الرفّ ، و قبل أن يتلاشى انفعاله و تأثّره ن أصابته حاله مثلما تكون بالدبيب و الحبو و الوقوع في الصفر.

ها قد انفكّ قيده و انفلتَ سراحه . منذ ما ينيّف عن ثلاثة أشهر تقريباً من وضع الحرب لأوزارها و استتاب الهزيمة.
عرفتْ أن نشيشاً من كلام الناس وصل إلى زنزانته . امتنعتْ عن الذهاب إليه طيلة الفترة الماضيّة . انقادتْ إلى دموعها و العزلة . لم تسحبْ المزلاج عن وسط الباب لأي ٍ كان ، و شعرتْ به
يعجّ في أحشائها ، ابن الحرام ، يكاد يقفز في أي ثانيّة و يصخُبْ العالم بغناء طويل ٍ فاجر..
فكّرت مِراراً أن تُسقِط الجنين و تجهِضه ، إلا أنها عَدِلتْ عن الفكرة لاحقاً . لقد وصل الخبر كالحجر الذي يُلقى في البئر فيُسمعُ للأعماق صدى ، فما من شيء ٍ يمسح الذي وقع و لو حتى موته.
كانتْ تصعد عالياً ثم تهبط عنه كما صعدت . تحمِلُ ثقيلاو تتركه عنها . ضاقتْ بها الحياة و صار اليوم كابوساً لا يأتي بالجديد . عصفتْ بها الهواجس و عذبّتها الأوصاب و امتزجتْ مشاربها
بالكرى . و لم تخرج و لم يأت ِ إليها أحد مُطلقاً.
و عندما سَمِعتْ صوته من خلف الباب ذات يوم كانت تنشرُ فيه الغسيل في الحوش . توجّستْ في نفسها شرّاً . و اعترتها رغبة جامحة بأن تنشّق الأرض و تبتلعها دفعة ً واحدة و إلى الأبد.
أو أن تفقد الذاكرة و لا تعود تذكر شيئاً . و لولا أن أصوات غفر ٍ من الناس المتجمهريّن طرقتْ مسمعها من الخارج مؤكدّة عفو أبيها عنها و تفهمه لما وقع لها على أنها ضحيّة لا يد لها
فيه و لا حول . ما كانت تفتح الباب ، لولا أنها أمّلتْ في أبيها القلب الرؤوم و النفس الطيبة الرحيمة . و ما أن فتحتْ الباب حتى ارتمتْ في حضنه ، و انخرطا في بكاء ٍ نشيج ٍ عميق استجابَ له الناس فبكوا معهما و عليهما..

صارتْ لا تفلتْ من تحديقاته المستمّرة . كلما كَبُرَ بطنها ، ازدادتْ الهوّة بينهما و زاد الفراق و الشقاق  قُدّر لها أن ترى الإبتسامة تتحول إلى أشلاء فوق شفتيّه . و وجهه الهرم بخيوطه الأشبه.
بطرق متعرجة تتخاصر و تضيّق و تفضي إلى مقبرة . ملامحه الحادة ، و عبوس شفتيّه كأرنبة الصقر . كل هذا و ما كان يرافقه من مراقبته لها في الخفاء و إحاطته إياها بنظرات الإشمئزاز و
التقزز . شكّل لها كل ذلك إحساس سمكة وقعت في الشباك ، و إن كان الناس و يا للغرابة يقفون في صفّها على غير الدارج و مما هو ليس مألوف ، يتعاطفون معها و يحنوّن عليها و يتحسسون
مُصابها و ينفحونها من الحب أكثر من ذاك العجوز ، الذي لا يكفّ من أن يزوّرها فينفيّها عن ذاتها و عن الوجود إلى لا شطّ و لا نجاة..

مهما قالوا له و مهما عزوّه و واسوه ، فإن ذلك لم يكن ليخفف من وطأة الشعور بأن جداره الأزليّ ، ابنته ، بات مخروماً و مستباحاً . لقد سرقوا القمر ! ، هذا الذي كان بوسعه أن يقوله لاي
زائر يفد إليه . وجد نفسه فجأة ً في مواجهة طفل لا أب له و حفيد آباؤه كثيرون في ذات الوقت . بأي بشاعة سيأتي ؟ بعزيمة رجال لم يقاتلوا قط ؟ لم يخوضوا حرباً أبداً ؟ ، أم بملامح قاتل
عذره أنه كان ثمِلاً تماماً لحظتها ؟ و أن ذلك لا يبرر الجريمة ؟.

انتشله من غيبوبته المتكررة و هو جالسٌ على الحصيرة منظرُ ساقيها النحيلتيّن ، و من فوقهما تدلّى بطنها و ثديّاها الضامران . كانت تبحثْ بيديّها جاهدة ً عن شيء ما على العليّة ، و قد
استعانتْ بسلم خشبيّ لتصل إليه ، عندما شعرتْ بالسلم ينتقل إلى الوضع الأفقيّ ، فلا السماء ظلّت فوق و لا الأرض تلقّفتْ جسدها حيّاً .. لقد ماتت

 

Posted in: Books, قصة, كتب, أدب