هكذا تكلم زرادشت ( نيتشه )

Posted on 9 يناير 2011 بواسطة



كتب مميزة : نيتشه..هكذا تكلم زرادشت

هكذا تكلم زرادشت من أهم أعمال الكاتب والفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه وهو بالتأكيد من أكثر الكتب شعبية وإثارة للجدل.
فرغم أن هذا الكتاب لقد كتب بأسلوب بسيط قريب إلى قلوب القراء إلا أن عمق التفكير الفلسفي وشمولية القضايا التي يناقشها جعلت منه عملاً جديراً بالقراءة المتعمقة.
لقد صاغ نيتشه أفكاره الفلسفية في قالب ملحمي وبلغة شعرية حرصت المترجمة ريما علاء الدين إلى إظهار جمالياتها ودقة معانيها لإخراج هذا العمل في طبعة عربية متميزة.
قدم نيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت مقاربة للفضائل الإنسانية كما يراها إلا أنه أخذ عليه تمجيده للقوة حيث يعد نيتشه من أوائل من صاغوا نظرية الرجل الخارق أو (السوبرمان) إذا جاز التعبير.
سراب… صحراء… وهبوب من السموم… وصوت صارخ في البرية : ّ أمر بالصلاة، وتوكلت على الإله !
فردريك نيتشه (1844 – 1900) فيلسوف القوة والعجرفة له حديث غريب جدا، يختلف عن أي حديث له، وفي أي كتاب، إنه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت). الفيلسوف الذي عرف بإلحاده، يشن من صميم قلبه حملة شعواء، على الحضارة الغربية وأهلها، فيصفهما بأشنع الأوصاف وأقذعها، ثم يبدأ حديثا غامضا عن ” غادتين ” حديثا موغلا في الرمزية، ثم يتحدث عن الصحراء حديث إنسان يتطلع منها معجزة تنقذ الإنسانية، ثم يكرر بشكل غريب وملفت للنظر نداء (حيّ على الصلاة) ونداءا آخر (توكلت على الله) فما هذه المفارقة عن فيلسوف أشتهر بالإلحاد ؟ وهل يا ترى ابتدأ ” نيتشه ” حياته ملحدا لينتهي مؤمنا متوكلا على الله تعالى ومكررا (حيّ على الصلاة) ؟؟؟ من يتصفح كتاب نيتشه (هكذا تكلم زرادشت) يجد موقفا عجيبا له من الحضارة الغريبة، والتي هو يمثل أحد أبرز أقطابها وأركانها، إنه يصف الحضارة في كتابه وصفا دقيقا أليما متمزقا، وصوف يدل على مرارته منها… يقول : (هنا المدينة العظمى وهل لك أن تظفر منها بشيء ؟ إن عليك أن تفقد فيها الكثير.. هنا جحيم الأفكار، كل فكرة فريدة، هنا تصهر الأفكار السامية، حتى تصبح مزيجا مائعا، هنا تتهرأ كل عاطفة شريفة، ولا يسمح إلا للعواطف الجافة بأن تعلن نفسها، بخشيش اصطدمها، إلا بلغت أنفك رائحة المجازر، حيث تنحر الأفكار، ومطاعم السوقه حيث تباع بأبخس الأثمان ؟ أفما ترى أبخرة العقول المضحاة تتصاعد منتشرة كالدخان فوق المدينة ؟ ألا تلوح لك الأرواح وهي معلقة معروضة، كأنها خرق قذرة بالية ؟ إذا هي تنقلب صحفا تنشر بين الناس ؟ ألا تسمع البيان الكلي يستميل هنا إلى تلاعب ألفاظ وسخائف تغض بها جداول الصحف، فإذا هي مصارف أقذار ؟ إن بعضهم يتحدى البعض ولا يعلمون على أي شيء يختلفون، يأخذ بهم الغيظ كل مأخذ، وقد غاب عنهم سببه، فلا يسمعون إلا صفصفى قلوبهم، ورنين دنانيرهم ! هنا مقام جميع الرذائل والشهوات، وهنا أيضا فضائل عديدة لها مهاراتها، ولها مشاغلها، ولتلك الفضائل الجمة أنامل للكتابة، وأرداف من رصاص… أي زرادشت : استحلفك بكل ما فيك من قوة ونور وصلاح أن تتفل – تتف – على هذه المدينة، مدينة بائعي السلع، ثم تكر راجعا إلى الوراء. إن الذي يجري في عروق المدينة إنما هو دم فاسد فأبصق على المدينة الكبرى، لأنها مزبلة تتراكم فيها الأقذار. أبصق على مدينة النفوس الصعيفة، والصدور الضيقة، مدينة العيون الحاسدة، والأنامل اللزجة، مدينة الوقحين والفجار والمعربدين، والطامعين البائسين. المدينة التي يتكدس فيها من يأكلهم سوس الفساد، من أهل الشهوات المتآمرين، أبصق على هذه المدينة، وعد أدراجك… ! لقد كرهت هذا المدنية العظمى أنا أيضا). (المصدر : هكذا تكلم زرادشت – 203). أقول أيها الأحبة : كم هو – نيتشه – حاقد على مدنية الغرب، وكلامه يجعلني فعلا أصمت بلى تعليق، لأن كلامه لا يسمح مجالا للتعليق، أهذه هي المدنية الغربية يا نيتشة ؟ أهذه هي المدنية الغربية يا فيلسوف الإلحاد، مزبلة وقاذورات ؟ أتأمرنا يا فيلسوفنا بأن نبصق عليها ونتف ونتفل ؟ أخشى أن نتهم أنا وأنت يا صديقي نيتشه بأننا متطرفون ورجعيون إسلامويون ! صديقي العزيز (نيتشه) هل مدنيتكم الغربية، وفلسفتها الإلحادية، وموت الله الذي أعلنته يا صاحبي، هل كل هذا يمكن أن يعاد إصلاحه، هل يمكن أن نخرج مدنيتكم الغربية من كونها مزبلة وقذارة إلى جنة وسعادة ؟ يقول نيتشه : (ليس في هذه المدينة من يقبل إصلاحا، بل زيادة فسادا، ويل لهذه المدينة، ليت تجتاحها أعاصير النار، فتذرها رمادا، إذ لا بد من انطلاق مثل هذه الأعاصير منذرة بالظهيرة الكبرى، ولكن انطلاقها مرهون إلى بزمانها ومقدرتها. الويل الويل لقد ساءت الحال، يا للإنحطاط، إن العالم لم يسقط إلى مثل هذه الدركة قبل الآن، لقد استحالت روما إلى عاهرة وتدنى قيصرها إلى مرتبة الحيوان !). (المصدر : هكذا تكلم زرادشت – 277). أقول أنا فيصل آل مبارك : عزيزي نيتشه هون على نفسك، ولا تنتظر الجحيم كخيار وحيد لخطة الخلاص الأبدية، فتش في نفسك، في قلبك يا صاحبي، فقد تجد لك مخرجا في مكان ما، قد يكون هذا المكان، مكانا محتقرا عند بني قومك، بل عند بني قومي وبناتهم الأغرار الضعفاء، الذين سكروا حتى الثمالة في سوائل وبقايا مزبلة وقذارة الغرب. فتش يا نيتشه، فتش له يا حكيم الفرس يا زرادشت، فتشي له أيتها الزهور الجميلة، عن مخرج نوراني من نفق الغرب المادي المظلم. يقول نيتشه : (ذلك زمان عشقت في الصحراء غادتي الشرق.. فهناك سماء غير هذ السماء، لا تتلبد فيها الغيوم، ولا تعكر أديمها الأفكار..إن الصحراء تتسع وتمتد فويل لمن يطمع إلى الاستيلاء عليها. يا للمهابة !! يل لبداية تليق بمهابة الصحراء، تليق بأسد أو بنذير يهيب بالناس إلى مكارم الأخلاق، إنها لروعة، لم تسلط عليكما يا صديقتي عندما أتيح لي أنا ابن أوروبا أن أجلس عند أقدامكما تحت ظلال النخيل وأنادي.. حيّ على الصلاة. يا للعجب، أراني راكعا أمام الصحراء، ولكني عنها جد بعيد، لم تبتلعني الواحات الصغيرة، بل انفرجت أمامي، كأطيب الثغور نكهة، فارتميت فيها، وها أناذا عند أقدامكما يا صديقتي العزيزتين.. فحيّ على الصلاة. أنني أمجد تلك اللوحة، فأنا قادم من أوروبا، أشد العرائس جحودا). (المصدر : هكذا تكلم زرادشت – 333). أقول : إنها يا صديقي سماء الصحراء الصافية، وسماء الغرب عندكم، في الغرب السماء تموج بالفكار المتصارعة، لكن سماء الصحراء لها وضع آخر يعجز الإنسان الغربي عن تصور سحرها ! إن قراءة متأنية لهذا النص يجد صاحبه المتمرد على أوروبا الحضارة، الناس، العقائد، الأفكار، هذا الإنسان المتمرد الثائر – أي نيتشه – يتطله بهاجس إلى الصحراء، ينتظر منها منذرا وبشيرا وهاديا… هل يكون يا صديقي هو نداء الفطرة والإطمئنان والسلام : حيّ على الصلاة ؟ هل عشق نيتشه حياة لا يعرف الإنسان الغربي كنهها، كما يعجزون عن حل ألغازها. يا صديقي نيتشه، أسالك بالذي خلقك فسواك فعدلك الله، ماذا تريد، ولي شيء ترمز ؟ يقول نيتشه : (ويلاه أين أستقرت الرجل التائهة، وأين حطت رحالها ؟ لعلها الآن وحيدة فريدة، ترتجف خوفا من هجمات وحش كاسر، أو أسد أصفر، تجعدت لبدنه، ولعلها الآن ممزقة إربا، فحيّ على الصلاة.. أرتفع يا مظهر الجلال، ولتهب مرة أخرى نسمة الفضيلة، وليت أسد الفضائل، يزأر أيضا أمام غادات الصحراء،، فزئير الفضيلة يا بنات الصحراء أقوى ما ينبه أوروبا ويحفز بها إلى النهوض، ها أناذا ابن أوروبا لا يسعني إلا الخشوع والانتباه لدوي الآيات البينات وقد توكلت على الله !!!) (المصدر : هكذا تكلم زرادشت – 369). أقول : هذا هو نيتشه، يستلهم الفلاح والنجاة من صوت حيّ على الفلاح، ويتوكل على الله !
(الفيلسوف نيتشه… وإعلان موت الله !)
من الأغاليط الفكرية، عند بعض من ينتسب للثقافة، عدم التحقيق في نسبة الأقول، ومعانيها، ورموزها، لذلك رأينا بعض السذاج من من يجري ويقتات على مدنية الغرب، أو على ترجمات ردئية لفلسفات الغرب، يعلن بكل بلادة أن نيتشه يقول : بموت الله ! أي يعتقد أن الله، أو القوة التي تسيطر على العالم سمها ما شئت، قد ماتت ! متى ؟ وكيف ؟ الحقيقة أن نيتشه لم يقل بذلك ! يقول (بيار هيبر – سوفرين) تحت عنوان (موت الله) : (إن موت الله – عند نيتشه – هو أولا هذا الحدث الذي يلاحظه نيتشه، في حضارة القرن التاسع عشر.. في قرن العلم الوضعي، والفعالية الصناعية والثورات السياسية، ضاقت مكانة الله أكثر فأكثر، واختفى الله شيئا فشيئا، وعموما، إن موت الله هو إذا، قبل كل شيء حدث، وهذا الحدث يبقى على الفيلسوف أن يفسره. يمكن تفسير هذا الحدث مباشرة على أنه زوال مفهوم الآخرة من حقل ثقافتنا، إن موت الله هو أولا موت الآخرة، إلغاء الإيمان بعالم آخر) ثم يعقد كلا من (بيار هيبر – سوفرين) عنوانا آخر (موت الله تدمير الأخلاق) ! إن نيتشه يقرر موت الله، أي يشهد كمثقف غربي، على إنهيار قيمة الله، بما تمثله من افيمان بالآخرة، وبالأخلاق، الرحمة، الشفقة، الإنسانية. نيتشه، ليس كافرا بقيمة الله، ولا بقيمة الدين، لكنه شاهد على إنحطاط الغرب لأنه لم يعد يؤمن بالأخلاق بالآخرة… أخيرا بالله. يقول نيتشه (إرادة القوة) : (إن أكثر القيم علوا ورتفاعا، فقدت قيمتها، ولم تعد تمارس فعاليتها، وقوتها البناءة المحببة. إن الناس قد أعوزتهم الغاية من الوجود، كما أعوزهم الجواب عن سؤالهم لأنفسهم : لماذا يحيون ويوجدون ؟ فحياة الدين تخسر، وتترك وراءها الغدران والمستنقعات، والأمم تتباعد عن بعضها البعض، ويسود بينها الشقاق والعداوة.. والعلوم تصبح أشتاتا، وتقضي على أشد ما آمن به الناس واعتقدوه قوة ورسوخا.. كل شيء يمهد الطريق للبربرية القادمة !) ليس هذا هو رأي نيتشه وحده، بل رأي كبار عباقرة الغرب ! يقول الناقد البريطاني (كولون ولسن) في كتابه (سقوط الحضارة) : (إن الدين هو مقياس البطولة، ورمز حاجة الإنسان في الكفاح من أجل الفهم، وفشل الدين والحروب العالمية أمران متلازمان حتما.. إن التقدم العلمي الذي ساعدنا كثيرا على دحر صعوبات الحضارة، قد سلب منا الدافع الروحي !). ويقول أيضا الفيلسوف (برنار شو) : (كنت أعرف أن الحضارة تحتاج إلى دين، وإن حياتها أو موتها يتوقف على ذلك، فالحضارة تسقط في اللحظة التي تكون فيها قوة الإنسان أشد وأكبر من قوة الدين !)
قال المؤرخ البريطاني (توينبي) : (إن العالم قام بصفقة مقايضة، فقد أغرت فنون الصناعة ضحايا، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم، وذلك ببيعها مصابيح جديدة لهم، مقابل مصابيح قديمة، لقد أغوتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلا منها السينما والراديو، فكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري، الذي سببته تلك الصفقة، إقفرارا روحيا وصفه أفلاطون يوما بأنه مجتمع الخنازير… !)
نداء ضمير : إنني في خاتمة حديثي، أبعث نداءا لأبناء أمتي وبناتها، وإلى كل مخدوع وقلق، أقول له كما قال نيتشه : زئير الفضيلة يا بنات الصحراء أقوى ما ينبه أوروبا ويحفز بها إلى النهوض، ها أناذا ابن أوروبا لا يسعني إلا الخشوع والانتباه لدوي الآيات البينات وقد توكلت على الله !!!