الشيخ البوطي عن تفجير الكنائس: من أقدم على ذلك زنديق تقنَّع بقناع الإسلام

Posted on 9 يناير 2011 بواسطة



جريمة الإسكندرية – إعلان عدوان على أحكام الذات الإلهية

عن موقع نسيم الشام

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

لقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عندما يرسل أصحابه في سرية من السرايا لرد عدوان ما يوصي أصحابه ألا يتعرضوا بأي عدوان على الرهبان في أديرتهم ولا على المتعبدين العاكفين في كنائسهم. وقد صح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استقبل وفد نصارى نجران ضيوفاً أنزلهم في مسجده وأذِنَ لهم أن يُصَلُّوا صلواتهم في مسجده صلى الله عليه وسلم. وصح أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم اكتتب في الوثيقة – وثيقة المدينة – التي تتضمن تنظيم الحياة السارية ما بين المسلمين واليهود نصت الوثيقة على أن اليهود والمسلمين يتعايشون في ظل أمنٍ وسلام وأن للمسلمين دينهم ولليهود دينهم.

ولقد علم الناس جميعاً أن النصارى كانوا منذ أقدم العصور يحتفلون بيوم الميلاد ويحتفلون بما يسمونه عيد رأس السنة الميلادية. ولم نسمع أبداً، ولم يسمع أحد أن في الصحابة من توجَّهَ بأي عدوان على النصارى وهم آمنون في مساكنهم أو وهم يحتفلون في أنديتهم أو وهم يعبدون الله على طريقتهم في أديرتهم وكنائسهم. لم يسمع أحدٌ أن في الصحابة أو في التابعين أو في من تبعهم قام بشيء من هذا العدوان أبداً.

وإنما تفرَّع هذا كله من قول الله سبحانه وتعالى:

(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة:8].

ويتفرع من قوله عز وجل:

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) [الحج : 40].

وعندما ركبت الرعونة شخص واحدٍ من أولاد عمرو بن العاص فاتح مصر فضرب بعصاه شاباً من أقباط مصر قائلاً: خذها وأنا ابن الأكرمين، استقدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه كلاًّ من ابن عمرو بن العاص والشاب القبطي إلى المدينة المنورة وأعطى عصاه للقبطي قائلاً: اضرب بها ابن الأكرمين، قصاصاً. ولما استجاب الشاب لأمر أمير المؤمنين قال له: أَجِلْهَا – أي أَجِل العصا – على صلعة عمرو بن العاص فإنما فعل ذلك اعتماداً على مكانة أبيه.

عباد الله: إن كنا نجد اليوم من يخالف هذا الذي قاله الله وهذا الذي قاله رسول الله وهذا الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي سمعناه بالأمس فإنما الذي أقدم على ذلك زنديق تقنَّع بقناع الإسلام ينطوي كشحه على حقد بالغ لا على النصارى أو أهل الكتاب وإنما ينطوي على حقدٍ دفين على الإسلام والمسلمين ومن ثم فهو يريد أن ينفث كيداً من كيده على الإسلام ذاته، بل إنه ليعلن من خلال ذلك الحرب كما يتوهم على الذات الإلهية القائل في محكم تبيانه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة : 208].

وعندما نعود إلى التاريخ، إلى أنواع الأذى الذي تسرب إلى المجتمعات الإسلامية بدءاً من عصر الصحابة فإن التاريخ ليحدثنا أن جُلَّ أنواع الأذى إنما تسرب إلى المسلمين من أولئك الزنادقة الذين كانوا يتقنعون بقناع الإسلام ثم إنهم يوسعون في المجتمع الإسلامي أنواعاً وأنواعاً من الأذية والعدوان، والوقت يضيق عن ذكر شواهد كثيرة لهذا الذي كان يفعله أولئك الزنادقة بالأمس.

إن سلسلة الزندقة مستمرة ولن تنقطع قط، وكيف تنقطع وإن خصوم الإسلام تجمعوا في هذا العصر على اختلاف فئاتهم في فئة واحدة تتمثل في الصهيونية العالمية ثم تتمثل في الدولة المزيفة التي تمثلها ألا وهي إسرائيل.

إن زنادقة اليوم الذين يمارسون مثل هذا الطغيان ما بين حين وآخر إنما هم مخالب للصهيونية العالمية يا عباد الله. ولقد تساءلت بالأمس أفيمكن أن تكون هذه المخالب بمنأىً عن البيت الأبيض؟ أفيمكن أن يمارسوا عدوانهم هذا دون إذنٍ ينالونه من كبرى الدول التي تريد أن تحكم حكمها الظالم الطاغي بحق العالم بأسره؟ لا يمكن، ولكنا لا ندري أيهما السبع الضاري وأيهما المخلب. هذه حقيقة ينبغي أن نعلمها يا عباد الله.

ولكن لماذا اختير هذا الوقت بالذات لهذه الجريمة النكراء التي تتمزق منها كبد الإنسانية؟ لماذا اختير لها هذا الوقت بالذات؟

إن هنالك تقارباً – يا عباد الله – يتم اليوم بين العالم الإسلامي وبين النصارى متمثلاً – هذا التقارب – في أعلى المستويات بعيداً عن الشوائب السياسية التي كانت توحي بشيء من مثل هذا بالأمس، إنه تقارب يتم اليوم فعالاً وجاداً دون أن يكون له أي خلفية كتلك الخلفيات السابقة التي تعهدون. إن هذا التقارب تم من خلال ندوات عقدت بالأمس القريب، وهنالك ندوة أخرى ستتم ويتم الإعداد لها عما قريب، والمأمول أن الدوافع إلى هذا التقارب دوافع صافية عن الشوائب. إن الصهيونية العالمية عندما ترى نذير هذا التقارب الذي يهددها هي بالذات وعندما ترى ربيبتُها إسرائيل هذا النذير الذي يطوف بها لا يمكن أن تصمت أو أن تسكت، ومن ثم فإن هذه الجريمة النكراء – وربما تتبعها جرائم مثلها – إنما خُطِّطَ لها من أجل أن يتحول التقارب إلى عدوان وخصام، من أجل أن يتحول الحوار المخلص الفعال إلى كيدٍ وقتال. هذه حقيقة لا أكشف حجاباً لأضعكم منها أمام سرِّ غير معروف إنها حقيقة ينبغي أن تكون جلية ناصعة.

فما العلاج الذي ينبغي أن يتحصن العالم الإسلامي والنصارى بل جميع أهل الكتاب ضد هذه الخطط الصهيونية وذيولها من هذه المخالب الذليلة الأجيرة الماكرة؟ ما الحصن الذي يقي الأمة بمسلميها وغيرهم من مثل هذا الإجرام؟

إنه شيء واحد – يا عباد الله – الوعي العقلاني والمشاعر الإنسانية. إن الحصن الذي يقي هذه الأمة من عقابيل هذه الخطط وأمثالها أن يعلم أهل الكتاب الذين نتعايش معهم على مستوى من الإنسانية المتكافئة سعداء بررة، ينبغي أن يعلموا حقيقة الإسلام وينبغي أن يعلموا أن الإسلام يتسامى فوق هذا الكيد الهابط، ينبغي أن يعلموا أن الإسلام منذ أن ابتعث الله عز وجل به الرسل والأنبياء ومنذ أن ختم الله سبحانه وتعالى رسالته بمحمد عليه الصلاة والسلام، هذا الإسلام ينأى عن هذه الجرائم، ينأى عن هذه الموبقات ومن ثم فإن هذا الحصن المتمثل في الوعي الذي أقوله لكم، وعيٌ يتبادله المسلمون مع الآخرين هو الذي يقي الأمة من عقابيل هذه الخطط أيَّاً كانت، ينبغي أن يعلموا – وأن نعلم جميعاً – أنها الزندقة أيها الإخوة هي التي تفعل فعلها. ما ينبغي أن نقف أمام شعارات – شعارات قاعدة، قائمة، أياً كان – الشعار الذي تسمعون ما ينبغي أن يمتص وَعْيَنَا، ما ينبغي أن يمتص ثقافتنا الدينية، وعندما أقول ثقافتنا الدينية إنما أعبر عن جامع مشترك يأوي إليه المسلمون وسائر أهل الكتاب.

إذا وعى أهل الديانات الصادقون في ارتباطهم بالدين، الصادقون في تعاملهم مع الله سبحانه وتعالى فإن كيد هؤلاء الكائدين سيتمزق القناع الإسلامي الكاذب الممتد فوقه، ولا أظن أن هنالك وسيلة فعالة أخرى غير هذه الوسيلة التي قيَّضَها الله عز وجل قوَّةً في عقولنا ونبراساً في أفئدتنا يا عباد الله.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرم المسلمين أولاً بصدق انتمائهم إلى الإسلام، وأسأل الله عز وجل أن يكرم المسلمين ثانياً بتنفيذ العقود التي التزموا بها تجاه مولاهم وخالقهم عز وجل بحيث ينفِّذون قوله:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) [المائدة : 1].

مسلمون ينتمون إلى الإسلام ومعرضون عن العقد الذي بينهم وبين الله عز وجل أكاد أن أقول إنه ربما كان إسلاماً كاذباً. بيننا وبين رب العالمين عقودٌ التزمنا بها أُثْقِلَتْ أعناقنا بها، أن نحرم الحرام فنبتعد عنه وأن نخضع للواجب فنطبقه وأنه نعلن من خلال ذلك صدق انتمائنا إلى الله وصدق التزامنا بالعقود التي التزمنا بها تجاه الله سبحانه وتعالى وعندئذٍ ننظر إلى مجتمعاتنا فنجد أنها طاهرة مطهرة من شوائب المعاصي والآفات، وإن كانت هنالك معاصي تقع في السر والخفاء، ولقد علمنا أن المطلوب منا أن ننفذ الوصية القائلة: إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا. لن تجد مجتمعاً طاهراً من الشوائب أبداً. الإنسان كان ولا يزال غير معصوم لكن الإله الرحيم الرحمن يأمرنا في مثل هذه الحالة أن نستتر، ولكن عندما يأبى المجتمع الإسلامي إلا أن يستعلن بالمعاصي، إلا أن يستعلن بما يغضب الله عز وجل وكأنه يقول – هذا المجتمع متمثلاً في أهليه أياً كانوا – كأنه يقول: إننا لا نبالي بهذا العقد الذي أُثْبِتَ في أعناقنا، لا نبالي بهذه المعاصي التي حذَّرْتَنَا منها فإن الأمر عندئذٍ يختلف وإن الزنادقة عندئذٍ يوغلون أيما إيغال في مجتمعاتنا ويفسدون علاقة ما بيننا وبين إخوةٍ لنا من أهل الكتاب.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بالدواء وأن يبعدنا عن الداء، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


خطبة أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي

‏‏‏‏الجمعة‏، 02‏ صفر‏، 1432