الحبّ ملهماً.. و ملتهماً ( أحلام مستغانمي )

Posted on 6 يناير 2011 بواسطة



الحبّ ملهماً.. و ملتهماً ( أحلام مستغانمي ) 

كلّما عدت إلى قول كامي لورانس “بماذا يفيد الأدب إن لم يعلّمنا كيف نحبّ” راودتني رغبة في تكريس ما بقي لقلمي من عمر في تعليم قرّائي ما لم يعلّمني إيّاه أحد. و لا أنا تعلمته حقّا برغم قلبي الطاعن في الأوهام ما دمت ما فتئت في حضرة الحبّ أكرّر الأخطاء إيّاها.

إن كان المرء يتعلّم في الحياة من جيبه. فهو في الحبّ يتعلّم من قلبه. في المدرسة الأولى يتعلّم من خساراته. و في الثانية من خيباته، من ألمه و طعناته. أعرف مئة نصيحة يمكن أن أسديها للعشّاق، و لأنّها لم تفدني في شيء، و لم توفّر عليّ أيّة مطبّة عاطفية، أشكّ في جدواها على الآخرين.

لا أرى فائدة من تنبيه عاشق إلى ما ينتظره من كوارث. هو الحبّ يشقّ لك طريقاً سحريًّا وسط حياة عاديّة فتمضي فيه مأخوذاً بالقمر و النجوم، و تنسى أن تتأمّل موطئ قدميك.

الحبّ لا ينظر إلى الأسفل. إنّه طيران و تحليق في الأحلام.. أعني في الأوهام. يقيم سلطاناً فوق غيمته البيضاء السحرية. يتغدّى و يتعشّى قصائد و أغاني عاطفية. و لأنّه لم يتوّقع أصلاً احتمال نزوله يوماً إلى الأرض، فهو لن يجد مظلّة يفتحها عند هبوطه الاضطراريّ الكارثيّ. و سيتهشّم حتماً بقدر علوّ أحلامه!

ربما كنّا وفّرنا على أنفسنا كثيراً من المصائب العشقيّة لو سمعنا في كلّ كلمة “أحبّك” “أخافك”.

حتى في مخاوفه الأولى في مواجهة الكون و جبروت الطبيعة كان الإنسان يبحث عن إله يقول له على طريقته متضرّعاً “أحبّك” و كان يعني أخافك.

أيكون الحبّ وهمنا الكبير على هذه الأرض، ” لو لم نجده عليها لاخترعناه” كما يقول نزار.

فالمرء يخترع أوهامه، كما اخترع الإنسان في بدء التكوين آلهته. حسب حاجته و مخاوفه و انبهاره. فعبَد النار و البرق و الأعاصير و الشمس و الأنهار و البراكين، و حتى الأبقار و الثعابين، و راح يقدّم لها الأضحيّة و القرابين تقرّباً. بعد ذلك غدا هو القربان و الضحيّة.

و كان ذلك بداية العصر الذهبيّ للحبّ. فالحبّ يتغذّى بدم العشّاق و دموعهم، و أحياناً بأرواحهم و حياتهم. و يعلن نفسه سلطاناً عليهم، لأنّهم اختاروا بملء إرادتهم أن يكونوا له عبيداً. “مهما تكن هوذا سيّدك” كلمات كتبها فولتير على تمثال الحبّ.

كلّ الظواهر الطبيعيّة التي عبدها الإنسان في جاهليته الأولى، تشكّل العناصر الأساسيّة التي منها خلق الحبّ في مباغته و عطائه و ناره و ضوئه و دماره.. و غبائه.

فيه من البرق و النار و الإعصار و الشمس و الأنهار و الحمم، و فيه أيضاً من سذاجة البقر و من سمّ الثعابين. و فيه من الرطب و الطيّبات التي كان أهل الجاهليّة يصنعون منها أصنامهم (اللاَّتَ و العُزَّى و مَنَاةَ). فإذا ما جاعوا أكلوا آلهتهم على أن يصنعوا في الغد غيرها!

كم كانت الحياة ستكون جميلة و هانئة، لو كان بإمكاننا التهام أصنام الحبّ التي صنعناها من أوهامنا.

فبدل الحزن، و “سمّ البدن”، تجلس كلّ واحدة منّا مساءً لتتعشّى صنم الحبّ الذي صنعته أيّام غبائها من التمر.. أو من الشوكولاتة.

و لا بأس أن يزيد وزننا.. المهم أن نلتهمه و نرتاح

View Original Article