أثرياء تحت خط فقر السعادة ( أحلام مستغانمي )

Posted on 6 يناير 2011 بواسطة



يعتقد البعض أنّه سيسعد بقدر ما يدفع، ربما لأنّ سعادته رهن مكاسبه و مصاريفه. لذا، يحجز له في نهاية السنة طاولة للبهجة في فندق بخمسة نجوم، و لا يقبل بأقل من جنرال الفرح، متعهداً لسهرته. يلزمه مباهج بهذه الرتبة، لأنّ الفرح العربي يحتاج إلى نجوم. و هو جاهز لأن يدفع 3000 دولار و أكثر ثمن مقعده. و لأنّ البهجة تحتاج إلى رفقة و زمرة و شلّة من أصدقاء الجيب، سيدفع المبلغ نفسه أيضا عن كل مقعد محجوز على حسابه في طاولة الفرح العابر بين سنتين، في سهرة يغنّي فيها النجوم مروراً و عبوراً بين فندقين. فسماء البهجة مزدحمة بالمطربين، حتى إنّ البعض ذهب به السباق في التشاوف و المزايدة على التبذير، حدّ شرائه في ليلة رأس السنة بطاقات فرحه من السوق السوداء.. عسى “قرشه الأسود” (لا الأبيض) يبشرّه بأيّام بيضاء!ـ

 

 

 

لا شيء يستفزني أكثر من فحش مال لا حياء لأصحابه. لذا ما دُعيت إلى طاولات الهدر أيّا كان أصحابها، و أيّا كانت ذريعة الاحتفاء أو الاحتفال، إلا و اعتذرت حتى لا أترك انسانيّتي إكراميّة لنادل الثراء.ـ

 

لا أفهم كيف في إمكان شخص، أيًّا كانت درجة إيمانه، و نسبة ثرائه، أن يعود إلى بيته سعيدا، بعد أن أنفق في ساعتين،ما قد يُبقي عشرات الأرواح البشرية حيّة أشهراً عدّة؟

لا يظنني بعضكم ضدّ البهجة. فهي تعرفني و أعرفها. لكنّني أعرف أننا لا نحصل عليها بقدر ما ننفق، بل بقدر ما نعطي من أنفسنا في كل علاقة.ـ

 

 

أعتقد أنّ قمّة البؤس و الفقر الخُلقي، أن يتحوّل الإنفاق في حدّ ذاته لدى البعض، إلى مصدر سعادة. تلك النفوس المريضة، كتب الله عليها قصاصاً ألّا تعرف الطمأنينة، و هل ثمّة من حزن أكبر من أن لا يزيد كمالك الا افتقاراً للسكينة؟

أيّ وجاهة لامرئ يخال نفسه سيّداً، و ليس سوى عبد لدى “جنرال الفرح”، و هو غير “جنرال الثلج” الذي لم يجد نابليون حرجاً في الاعتراف بهزيمته على يده، عندما زحف بجيوشه نحو روسيا، و كان سيتربّع على عرشها و يضمها إلى حظيرته و مغانمه، لولا أن الثلوج حالت دون وصوله إلى موسكو. و لو كان الثلج رجلاً لنازله نابليون.. و قتله. لكن الثلج كما الفقر، لا يُقتل (بضم الياء).. إنّه القاتل دوماًّ!ـ

 

 

في جمهوريات الصقيع، لا يزال الثلج هو الامبراطور الوحيد. و بينما نسهر نحن الى طاولات الفرح في كلّ قيافتنا، اعتاد الروس في الليلة نفسها القفز في المياه المتجمّدة، كأنّهم بذلك يقطعون على أنفسهم عهداً بالصمود في العام الجديد أمام كل الصعاب.. و نقطع على أنفسنا عهداً أن نواصل التعلق بتلابيب المطربات لعام آخر

View Original Article