أعجوبة عام 2011 ( خطيب بدلة )

Posted on 4 يناير 2011 بواسطة



أعجوبة 2011 … خطيب بدلة 

الأديب و القاص السوري خطيب بدلة

فاجأني صديقي العزيز أبو الجود بحديث وقف له شعري رأسي، من فرط الدهشة، حتى أصبح مثل ريش القنفذ، ولأنني، أنا محسوبكم، كاتب- بلا قافية- وصحفي، والأنظار عليّ من كل جانب، فقد خفت أن يلتقط لي أحد المُغرضين صورة بموبايله، ثم يعمّم منظري بهذا الشعر المشرئب على المواقع الإلكترونية، فتتبهدل كبرتي!.. لذلك أسرعت إلى أقرب مستودع أدوية، واشتريت مجموعة كبيرة من مُطَرِّيات الشعر و(الجِلْ) الذي يستخدمه الشبان الذين في عمر أولادي، وبدأت أدهنه، وأمرر يدي عليه، عسى أن يرجع إلى طبيعته الأولى، دون جدوى، ووقتها تركتُه كما هو، متقمصاً لسان حال الشعوب العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج الذي يلخصه البيت الشعري القائل:

دع الأقدار تجري في أعنتها

ولا تبيـتـنَّ إلا خالي البال

ملخص الحديث الذي أدهشني أن صديقي أبا الجود وزوجته وأولاده كانوا، في اليوم الثاني من كانون الثاني (2011) يمارسون رياضة الجري الدائري داخل المنزل في الصباح، بقصد أن تدفأ أجسادُهم ذاتياً، أي من دون أن يُشعلوا المدفأة ويصرفوا المازوت، ولا سيما أن الشتاء قد نَصَّصَ (أي أصبح في منتصفه)، وما تزال الحكومة العتيدة محتارة بين أن تجعل الناس يتدافعون، ويتصادمون، و(يتطابشون) في أماكن توزيع الشيكات الخاصة بالدعم المازوتي، كما حصل العام الماضي، ثم تعمل على استرجاع الشيكات بحجة أن شروط المنح لا تنطبق عليهم، وبالتدافع طبعاً، وبين أن تُرَخِّص سعر المازوت، وهذا الاحتمال غير وارد، لأننا- كما أوضح لي أبو الجود- نسمع بسلع ترتفع أسعارُها، ومن يوم أن وعينا على الدنيا لم نسمع أن سلعة انخفض سعرها!.. وبين أن تعلن الحكومة للطفرانين من الشعب أن حكاية الدعم (وما دعم) قد ألغيت، وكل اللي بيننا انتهى- على حدّ تعبير العشاق المنفصلين- والحب كان أوهام!

المهم بقى سيدي، وبينما أبو الجود وأسرته يجرون وراء بعضهم دائرياً، مثل (فركونات) القطار المخصص للعب الأولاد، إذ سَمعوا هدير آليات، ولغط بشر يأتي من الشارع، وقبل أن يهبّ أحدهم لفتح الباب، سمعوا جرس الباب يرن، فتحوه وإذا برجل يرتدي ثياب العمال يطلب منهم أن يفتحوا كافة الحنفيات الموجودة في المنزل إلى أقصى حدّ ممكن!

لم يكد العامل يكمل جملته حتى أزاحه عامل آخر من طريقه، وقال لهم إن المطلوب منهم أن يشغلوا المدافئ الكهربائية، والمراوح العمودية والسقفية، والكومبيوترات، والطابعات، والمكيفات (بارد وساخن)، وسخان الحمام، واللمبات الصفراء والنيون، والميكرويف، والفرن الكهربائي، والسيشوار، وخلاطات الفواكه إن وجدت، ولفافات اليبرق، ومكانس السجاد.. يعني، باختصار، كل شيء يعمل على الكهرباء.

أراد أبو الجود أن يستفهم عن معنى هذه الإجراءات الغريبة، فلم يلحق، لأن العمال توزعوا في البناية والبنايات المجاورة، وأخذوا يطلبون الطلبات نفسها من كافة الجيران.. وبعد قليل هدرت إحدى الآليات، مما اضطر أبا الجود وزوجته وأولاده أن يخرجوا إلى الشارع يدفعهم الفضول لمعرفة ما يجري في الحارة.

حينما وصل أبو الجود في حديثه إلى هذه النقطة، تركتُه وهرعت إلى مخزن الأدوية، أحضرت مستحضرات (تسبيل) الشعر التي حدثتكم عنها أعلاه، وعدت إليه، وقلت له:

– لاحظ أنك جعلت دائرة الحديث واسعة، ولم يعد بإمكانك تضييقها، وإذا أردت أن ترتب أفكارك، وتوضحها لي حسب تسلسلها فلن تفلح، ولسوف تشتبك في رأسك الأفكار و..

قاطعني قائلاً: أعرف ذلك، ولكن المسألة تحتاج إلى شيء من (الرواق). فلقد تبيّن لي، بعد السين والجيم، والتي واللتيا، أن المجموعة الكبيرة من الناس الذين وفدوا إلى حارتنا، كان بينهم موظفون موفدون من مؤسسة المياه، وقد طلبوا من كل الناس فتح حنفياتهم وخلاطاتهم دفعة واحدة، ليحسبوا الاستهلاك الأعظمي للمياه في المدينة، ثم يضعوا الخطط اللازمة لتأمين مصادر مياه للناس في المستقبلين القريب والبعيد..

الموفدون من مؤسسة الكهرباء شرحه، مع فارق بسيط أنهم، بعدما حسبوا الاستهلاك الأعظمي من الكهرباء، أضافوا عليه النسبة المتوقعة من الفاقد المتوقع في الشبكة العامة، وأوصوا مؤسستهم بأن تنتج- اعتباراً من هذه السنة، ما يزيد عن الاستهلاك الأعظمي والفاقد وترك كمية من الكهرباء ليس للدهر فيها حاجة.

وكان بين هؤلاء العمال، يا سيد راسي، أناسٌ يحسبون السعة المستقبلية للشوارع، بعدما تزايد عدد السيارات على نحو سرطاني، وكم يلزم من المرائب والمواقف لسيارات الإخوة المواطنين، ويا ترى إذا توسعت الشوارع، وزُوِّدَتْ بعدد كبير من الجسور والأنفاق، ماذا يلزم لها من أجل تصريف مياه الأمطار، والصرف الصحي، وكم من الحدائق يلزم لحماية رئات الناس من دخان السيارات..

قاطعته قائلاً: لحظة. إذا سمحت لا تكمل.. خلص، الموضوع صار واضحاً مثل الشمس.

قال: كأنك لم تصدق ما رويته لك. أخي الحكومة بودها تسعى لتأمين مستقبلينا القريب والبعيد.. وأنت لا تصدق؟

قلت: لا يا أبو الجود. كيف لا أصدق؟ أنا أهبل بعيد عنك. أهبل!