بابا نويل.. طبعة جديدة ( أحلام مستغانمي )

Posted on 2 يناير 2011 بواسطة



المخرج الفرنسي الذي أضحك، منذ سنوات، المشاهدين كثيراً في فيلمه “بابا نويل هذا القذر”، ما ظنّ أنّ الحياة ستُزايد عليه سخرية، وتسند إلى “بابا نويل” الدور الأكثر قذارة، الذي ما فطن له المخرج نفسه، ليُضيفه إلى سلسلة المقالب “الحقيرة” التي يمكن أن يقوم بها رجل مُتنكِّر ليلة الميلاد في لحية بيضاء ورداء أحمر.

ذلك أنّ القدِّيس السخيِّ الطيِّب، الذي اعتقد الأطفال طويلاً أنه ينزل ليلاً من السقف عبر المدفأة، حاملاً خلف ظهره كيساً مملوءاً بالهدايا، ليتركها عند أقدام “شجرة الميلاد”، ويعود من حيث أتى على رؤوس الأقدام، تاركاً ملايين الصِّغار خالدين إلى النوم والأحلام، ما عاد في مظهره ذاك تكريساً للطَّهارة والعطاء، مذ غدا الأحمر والأبيض على يده عنصراً من عناصر الخدعة البشرية. ـ

فبابا نويل العصري، إنتاج متوافر بكثرة في واجهات الأعياد، تأكيداً لفائض النقاء والسَّخاء الذي يسود “معسكر الخير” الذي تحكمه الفضيلة، وتتولَّى نشرها في العالم جيوش من ملائكة “المارينز” والجنود البريطانيين الطيبين، الذين باشروا رسالتهم الإنسانية في سجن أبو غريب. لذا، بدا الخبر نكتة، عندما قرأنا أنّ المحال التجارية البريطانية، قررت أن تُثبِّت “كاميرات” في الأماكن التي يستقبل فيها “بابا نويل” الأطفال، وذلك لتهدئة مخاوف الآبـــاء الذين يخشون تحرُّش “بابا نويل” بأطفالهم. بل إنهم ذهبوا حدّ منع “بابا نويل” من مُلاطفة صغارهم أو وضع الأطفال في حجره، والاكتفاء بوقوفهم إلى جانبه لأخذ صورة تذكارية، قد تجمع بين القدِّيس.. والضحيّة. في زمن يتطوّع فيه البعض لنشر عولمة الأمان. مُصرّاً على أن يكون شرطيّ العالم لحفظ السلام، وقدِّيس الكرة الأرضية، والرسول الموكَّل بالترويج للقيم الفاضلة واستعادة البراءة المفقودة لدى البشرية.ـ

مُضحك أن يفتقد الأمان والفضيلة في عقر داره، وأن يصل به الذعر حدّ الشكّ في أخلاق قدِّيسه وأوليائه الصالحين، فلا يجرؤ على ائتمانهم على أولاده، منذ أن سطا “بابا نويل” على اللون الأحمر، الذي كان من قبلُ لون السلطة الدينية ولون الفضيلة والقَدَاسَة الذي يلبسه “الكاردينالات”، فحوّله إلى لون تجاري يرمز إلى بيع الفرح وهدايا الأعياد. في زمن الخوف الغربي من كل شيء، وعلى كل شيء، ما عاد الأطفال ينتظرون “بابانويل”، بل هو الذي أصبح ينتظرهم ليتحرّش بهم، من دون إحساس بالذنب أو حَيَـــاء من لحيته البيضاء (الصناعية)، وهالة النقاء التي تحيط بملامحه الطيبة، تذكيراً بالرسل والملائكة. ـ

ولماذا عليه أن يستحي والرهبان أيضاً يتحرشون بالأطفال، من دون اعتبار لوقار ثوبهم الأسود، والممرضات العاملات على العناية بالْمُتخلِّفين عقلياً يغتصبن مرضاهنَّ الصغار والكبار، غير مُكترثات ببلوزاتهن البيضاء ورسالتهن الإنسانية؟ في نهاية السنة، وقع الغربيون على اكتشافات مُخيفة، فقد أصبح الأطفال يبلغون باكراً سنّ الفاجعة، والإنسان الذي كان يعاني كهولة أوهامه، أصبح يشهد موتها مع ميلاد طفولته.. فقد اكتشف علماء النفس لديهم، أنّ الإنسان الغربي يُصلِّي حتى العمر الذي يتوقف معه عن التصديق بوجود “بابا نويل”. ـ

أمّا أنا، فأعتقد أنّ الفاجعة ليست في اكتشاف الأطفال عدم وجود “بابا نويل”، بقدر ما هي في اكتشافهم أنّه حرامي و”واطي”.. وقذر. أمّا علماء آخرون فقد اكتشفوا، أثناء تطويرهم صورة ثلاثية الأَبَعاد للقدِّيس نقولا باستخدامهم تقنية تُستعمل عادة في حلِّ جرائم القتل، أنّ “بابا نويل” الحقيقي (القدِّيس نقولا، تركي الأصل)، لم يكن متورِّد الوجنتين، بل كان نحيلاً أسمر اللون، ذا وجه عريض، وأنف كبير، ذا لحية بيضاء مرتَّبة. فهل هذه مُقدِّمة للتخلُّص من الشُّبهات الجديدة لـ”بابا نويل”، بإعطائه ملامح بعض الْمُطارَدين من طرف معسكر الخير، الذين برعوا في استعمال الفضائيات من كهوفهم، منذ أن أصبحت الهدايا، بدل أن تهبط عبر المداخن، تهبط عبر “إف/15″، لتستقر في أَســرَّة الأطفــال.. لا في أحذيتهم الصغيــرة؟

 

***

من المقالات التي نُشرت في مجلة زهرة الخليج سنة 2005

 

 

View Original Article