واقع وزارة الأوقاف السورية ومعاناة رجال الدين فيها ( د. محمد حبش ) عضو مجلس الشعب السوري

Posted on 21 ديسمبر 2010 بواسطة



السيد رئيس مجلس الشعب

السادة الزملاء

أشكر للحكومة جهدها الكريم في إعداد الموازنة، كما أشكر لجنة الموازنة لجهدها المتواصل في إعداد الموازنة في وقتها المناسب.

لقد تحدث الزملاء الكرام عن هموم المواطنين ومعاناتهم وقيم الموازنة التي يفترض أن تقوم بأداء حاجات الناس وضرورات التنمية.

ولكنني سأتحدث في الواقع عن جانب واحد يتصل بوزارة الأوقاف ومعاناة رجال الدين في هذه الوزارة.

لقد أصدر مجلسنا هذا قانوناً قبل عامين يحدد الحد الأدنى للأجور بواقع 6134 ليرة سورية ومعنى ذلك أنه لا يحق لأي مؤسسة في الدولة في قطاع عام أو خاص أو مشترك أن يستخدم الناس بأجر أقل من هذا، ثم أصدرنا قانوناً يلزم مؤسسة التأمين والمعاشات أن لا تنزل في رواتبها عن هذا الحد الأدنى أيضاً.

ولكن المفارقة أن الجهة الوحيدة التي ظلت تستخدم الناس بأقل من هذا الأجر هو وزارة الأوقاف تحديداً!! حيث يعمل في مساجدها التي تجاوزت عشرة آلاف مسجد أكثر من خمسة وعشرون ألف موظف براتب أقل من الحد الأدنى للأجور، ولا يمكن أن نجد تفسيراً لذلك!!

إن موظفي الأوقاف مكلفون بدوام يومي وتخصم من رواتبهم أجزاء على التقصير كسائر الموظفين ولا يستطيعون أن يسافروا إلا بإذن الوزارة كسائر الموظفين، وعندما يعملون في أي وظيفة أخرى فإنهم على الفور يفقدون ثلاثة أرباع الراتب العظيم حيث يبلغ مجموع ما يتقاضاه الموظف الديني إذا كان عاملاً في أي جهة في الدولة لا يزيد عن ألف ليرة سورية هو وسائر أولاده، وليس سراً أن أقول إنني منذ عشرين عاماً أتقاضى من الأوقاف نحو ألف ليرة شهرياً فقط !!

لماذا يعاني موظفو الأوقاف وحدهم دون سائر الناس هذه المعاناة؟؟؟؟ لا جواب!! ولكن حمزة لا بواكي له!!!

قبل سنوات أصدرنا قانون التأمينات الاجتماعية، وتقرر بموجب القانون أن كل مؤسسة في قطاع عام أو قطاع خاص ملزمة بتسجيل موظفيها في التأمينات الاجتماعية، وتذهب وزارة العمل لمطاردة أصحاب المنشآت لمحاسبتهم على ترك عامل أو عاملين بدون تسجيل في التأمينات حيث يواجهون عقوبات مادية وجزائية، وقد عم هذا القانون كل الوطن من قطاع البنوك والمصارف إلى أصغر ورشة في القامشلي، ولكن القطاع الوحيد الذي لم يسمع بالتأمينات بعد هو قطاع الأوقاف حيث يعاني الموظفون الدينيون من انتهاك كامل لحقوقهم في التقاعد والتعويض والتأمين الصحي بما لا يمكن تفسيره!!

أيها السادة الزملاء

إن رجال الدين هم حماة الفضيلة وحراس الأخلاق في هذا الوطن، ودورهم كبير في رعاية الوحدة الوطنية ولا يجوز بحال من الأحوال أن نهمل حاجاتهم الإنسانية أو نعاملهم بدونية واضحة عن سائر موظفي هذا الوطن.

قبل سنوات في الدور الماضي قدمت وزارة الأوقاف مشروع قانون للتحسين رواتب الموظفين لادينيين وكان لي شرف رئاسة اللجنة البرلمانية المتخصصة بذلك وقد تمكنا آنذاك من رفع رواتب الموظفين الدينيين أربعين في المائة، ولكننا الآن ومنذ خمس سنوات لم نشهد أي تعديل على رواتب هذه الطبقة الكريمة من أبناء شعبنا.

ولنكن أكثر صراحة وواقعية، إن الأوقاف مؤسسة غنية، لا تحتاج إلى الصدقات والمعروف والإحسان، وأجزم أنها لو تمكنت من إدارة مواردها لحققت الكفاية والغنى لسائر العاملين فيها من رجال الدين.

لقد صار عمر مجمع يلبغا أكثر من أربعين سنة وهو رافع يديه إلى السماء يقول يا رب إن العباد قد ظلموني، ولم تستطع الأوقاف خلال أربعين عاماً جباية قرش واحد من هذه المؤسسة العملاقة، وقبل أربع سنوات حضر وزير الأوقاف السابق إلى مجلسنا هذا وقال لقد أجرنا مجمع يلبغا بواقع 475 مليون ليرة سنوياً، ثم ظهر أن العقد كان مشوباً بالعيوب والنواقص بسبب قلة خبرة موظفي الأوقاف وكانت النتيجة ضياع العقد والوقت ودخول المحاكم، حيث يضيع يومياً على الأوقاف مبلغ مليون ونصف ليرة سورية هي من حق رجال الدين الذين أوقف هذا العقار من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية؟؟ فمن يتحمل مسؤولية ذلك الهدر كله؟؟؟

السيد الرئيس

السادة الزملاء

لقد أدركت دول عربية كثيرة هذه الحقيقة، وأدركت أن النظام الإداري لوزارة الأوقاف لا يمكنه أن يحقق استثمارات حقيقية في مال الوقف، حيث يحتاج الاستثمار إلى رجال اقتصاد وإدارة متخصصين، ويحتاج إلى قوانين خاصة تحمي النشاط الاستثماري وتساعد عليه، ولذلك فقد ألغت الإمارات والكويت وزارة الأوقاف وأحدثت الهيئة العامة لاستثمار الأوقاف، من خبراء في التجارة والاستثمار العقاري وتمكنت الهيئات من مضاعفة موارد الأوقاف، وبالتالي تأمين زيادة حقيقية في رواتب رجال الدين.

قبل أسابيع حضرت تلزيم مديرية أوقاف دمشق لعقار بالغ الأهمية في ساحة الحجاز يقدر ثمنه بعدة مليارات، حيث استأجرته شركة عقارية بهدف تشغيله كفندق، ومع احترامي لأصدقائي الذين يديرون شؤون الوقف في دمشق ولكنني غير مقتنع بأن هذه الكتلة النقدية الهائلة تتحرك بخبرات متواضعة تقتصر على بعض الطلبة الشرعيين الكرام وبعض مهندسي الأوقاف، إن استثماراً بهذا الحجم ينبغي أن يدار بكفاءات متخصصة.

أعرف عشرات من العقارات في دمشق وحلب تزيد قيمها عن عشرات المليارات وهي معطلة بسبب مستأجر بليد، يمكن إخلاؤه بمليون ليرة!! ولكن مدير الأوقاف غير مخول بدفع مبالغ كهذه، الأمر الذي يعني الدخول في القضاء والمحاكم عشرات السنين وفي كثير من الأحيان ينتصر الشاغل ويخسر المالك، وبالتالي فالفريقان خاسران، فلا الشاغل قادر أن يشيد شيئاً ولا الأوقاف قادرة أن تخلي الشاغل، وبهذا تضيع أموال الوقف بدون عائد حقيقي على الناس.

إنني أقترح إعداد مشروع قانون لإحداث هيئة لاستثمار العقارات الوقفية في سوريا، وبالتالي تتفرغ وزارة الأوقاف للشؤون الدينية، وهو ما ينسجم مع مطلب الوزارة بتغيير تسميتها إلى وزارة الشؤون الدينية.

السيد الرئيس

السادة الزملاء الكرام

إنني أضع بين يديكم هذه الحقائق وأتمنى أيها السادة أن تجد طريقها لترى النور وغاية ما أقصده هنا هو إنصاف هذه الشريحة المظلومة من شعبنا شريحة رجال الدين، فهل سمعت الحكومة بهذه المعاناة؟؟ أم أن حمزة لا بواكي له

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


* نص مداخلة الدكتور محمد حبش في مجلس الشعب السوري في جلسة 8/12/2010 حول واقع وزارة الأوقاف