لا ملائكة في رام الله/ فصل من رواية ( إيناس عبدالله شاعرة وروائية من فلسطين )

Posted on 7 ديسمبر 2010 بواسطة



إيناس عبدالله
لا ملائكة في رام الله/ فصل من رواية
إيناس عبدالله

في الحياة هناك أمور من الأفضل أن نتركها للأسرار، للركود، لأننا كلما رحلنا وراءها ابتلعنا السراب ولم نجد لنا موطئ قدم، لا نفعل شيئاً غير اجترار أحلام خالصة… وبلا نهاية. نعم حفظت هذه الحكمة مذ فتحت عيني بمعجزة لا تفسر، ورأيت وجهك المدمى المغبر بدخان الحروب والمسرات الهاربة. لن أسأل مجدداً عما كنت تظنه يوم وقفت بيني وبين القناص، وبيني وبين الموت، بيني وبيني فيما بعد، ولن أسالك عما حدث وفرَّق بيننا. هناك أمور من الأفضل أن نتركها للأسرار!
سوف يحدث أنَّ الغرام والعشق والنار والموت ستتمازج في حياتي بحيث يصعب فصل بعضها عن بعض، ولن تكون سراً أبداً مهما حاولت، لن تكون غير وشاية تدل عليّ أينما ذهبت!
ما الذي نرغب فيه أكثر في هذه الحياة البائسة، غير لقاء ما يسمى بتوأم الروح، قد لا يكون بشراً بقدر ما يكون مغامرةً أو مقامرةً نقوم بها بما تبقّى لنا من إرث مسروق، وكأن سعينا المؤلم لنتحول إلى أغبياء وفاجرين أو متَّزنين ومميزين، ليس سوى ضريبة لفرصتنا من الاقتراب والاقتران بالتوأم! نحن نولد مكتملين لكن أرواحنا مشطورة، وكأنها سرقت على عجل من أوقيانوس تائه في الكون، نتبخر شوقاً للمصدر؛ لحبّة النور التي ابتلعها ثقب أسود وخبأها في حلق تنين المستقبل. وحين نرى شذرة النور الملعونة تلك في عيون غريبة ونتعرف عليها وهي التائهة منا منذ أزمنة لم نعدها، نصرخ: أحبك! بكل الجنون المصاحب للقاء كهذا، لهذا نثق بلحظة التفاؤل الأولى وتكون حاسمة في حياتنا، ولهذا نكثف محنة الغرام الأخيرة حتى يطفح دسمها المعذِب حتى حواف القلب، ويقتلنا!
وغرام الأشباح التوائم مثلنا ليس كأي غرام، لأن بينه وبين القلب عبورات مخيفة وطوائف من الظلّ، ولأن نزوات اللامرئي أعقد وأكبر من نزوات من احتل بقعته المكشوفة تحت الشمس وانتهى!
ثم من قال بأن اكتشاف الشهوة ليس كاكتشاف المقبرة! أليس الخوف والإثارة وجهَين لرغبة دفينة مرعبة واحدة! أو هذا ما تعلمناه مذ عرفنا الحب والحرب والبؤس معاً، والكثير من الأسرار التي تنضح بها هذه الأرض الخراب! هو يوم من الأيام يحدث أن يمر وينقلب فيه العالم من أقصاه إلى أقصاه، أو يبقى فاصلاً كحد السيف ما بين الحلم والكابوس! أن أقف في طابور إعدام مسائي لم يكن حتى في حسبان كوابيسي، لكن الأيام التي قبله نذر سوء لم أستطع تفسيرها، والأيام التي بعده قلبت حياتي بحيث لم أعد أصدق حقيقةً، أو أهفو إلى حلم يقظة جارح، أو أفقد إيماني بالأسرار والأمل وكل خدع العقل الدرامية، ومع كل تلك العنجهية والعناد الذي ورثته ثقيلاً مكرراً، زاد ألمي إلى ما لا نهاية!
سماءُ مَغيب شتائِيٍّ مكفهرة، عائدة من عملي واليأس يملأني، فقبيل عيد ميلادي السابع والعشرين قررت الهرب، وأين؟ لم أكن أدري! كل ما أعرفه أن الهرب بوصلة صحيحة وإلاّ غرقنا في ذات الدوامة البحرية اليائسة اللعينة والمدعوة عبث كل يوم. كنت أمضغ الخبز بالزعتر فتملأني مذاقات التمرد عن آخري. ليس على المائدة سواي. وهذا سببٌ آخرُ لكي أحس ببعض الهدوء يتخلله طنين الثلاجة القريبة. نافذة المطبخ المفتوحة على الهاوية كانت تجلب معها كل ذلك البرد الغريب والأسى الحامض، وروائح المدينة الحزينة التي تبيت ليلتها معذبة بالشهوة والرعب مثل عانس منبوذة!
حين بدأت بكتابة مذكراتي اكتشفت أن لا شيء مهم لأدوِّنَه، أو لأن أختلي بنفسي حتى أنسج من خيوط أسراري حبل مشنقة، أو شالاً أعلقه بفخر في عنقي، لا شيء، كم هو محزن أن أفتش في حطام الـ 27 عاماً ولا أجد شيئاً يليق بالحياة والموت على السواء!
اتصلت بلينا، صديقتي التي تشبه كاهنات المعابد القديمات حافظات أسرار الإله، وكاشفات فضائح المتعبدين، وقلت لها بالحرف الواحد: أريد أن أغزو رام الله الليلة!
لم تستغرب وضحكت كعادتها. لينا من ذلك النوع الغريب من الأصدقاء الذين يفهمون دون شرح، ويبادرون دون دعوة ويعملون بجهد على أن يكون جنوني لليلة واحدة لا تعوض. لا أقول إنها حفظتني كقصيدة، بل هي تعلم ما أصبو إليه، لأنها في ذات الوقت الكئيب والمعقد تكون قد سطعت في ذهنها ذات الفكرة العجيبة بالتمرد على سلحفاة الزمن وقلبها على ظهرها والضحك عليها أيضاً. هي تعرف أن إخوتي وأبي سيقفون كقطيع ذئاب أمام الباب لينهشوها بالأسئلة، فرسمت الخطة وهي في سيارتها الزرقاء وطرف سيجارتها المارلبورو يتوهج في مغيب رام الله كأجمل ما يكون، وببرود تماماً، كما ينبغي لكائن جميل أن يدخن ويحوك الدسائس في وقت واحد. طرقت الباب بعنف ثم قالت بكلمات كسيرة:
– أهلي مش بالبيت، سافروا عمّان، ممكن آخد هبة تنام عنّا! بخاف لحالي!
قالتها ببراءة ملاك رحيم يضحك من أعماقه. ونجح الأمر واختطفتني تلك الشقية، وقررنا أن نكون كقراصنة الأزمنة الغابرة؛ بوصلتنا الشغف وحدودنا السماء.
عشية عيد ميلادي السابع والعشرين سرت في رام الله الساعه العاشرة والنصف وثلاث دقائق، سرت في رام الله وكأني أستعيدها، أغوص باحثة عن لؤلؤ كينونتها، أهي من المدن التي تسعدني أم تشقيني؟ لماذا حين رحلت تلبستني كالجذام وباتت تشوهني بملامحها؟ ويا للجنون! صرت أشبه مدينة لم يتعرف إليها أحد كما تريد هي حتى الآن. أصبت بعدوى المدن الغامضة، المدن الصمّاء، المدن التي تصغي للموسيقى في كونسرتو ضجيج الحرب الفظيع، المدن التي حين تسلم من الغزاة لا تسلم أبداً من نفسها! بلا حب وهي السبب، فقد عشت كسيرة القلب والخاطر فيها منذ نعومة أظافري، ذلك لأنني من نوع النساء اللواتي يطاردن رجالاً من سراب لا يعيشون سوى في خيالي المحموم، ولا يعِدونني سوى بالمزيد من ملاحم الوجع والانكسار، لأن حبي هو وجه آخر لجوعي، فيما عشقي الكبير هو الانصهار مراراً وتكراراً في العدم الجائع! بلا أصدقاء عدا لينا التي تشبه العكاز والكهف الذي أزيد فيه من عتمة روحي وبهائها أيضاً.
بعد مجيء عرفات إلى رام الله انقلبتْ رأساً على عقب. صارت تضاهي عواصم الدول العربية. والعائدون من المنافي جعلوها تقشّر جلدها بسرعة. لم نستوعبها؛ أي أنها ببساطة، أضحت أفعى كوزموبوليتية بديعة بجسد أنيق وروح سيرك أبدي.
كل غرائب العالم يمكنك أن تراها هنا، البنايات تنمو كالطحالب، تتصحر المدينة بالإسمنت فيما يخضرّ الريف ويتوهج، والبشر معجونون مخلوطون بكل الأصقاع والمنافي التي قد تخطر أو لا تخطر على البال، فربع سكان رام الله هم مواليد أرخبيلات وخلجان وصحاري مستحيلة، تمتد من نيويورك حتى ساوبالو ومن الكويت حتى عمّان، ومن دمشق حتى بيروت، ومن بغداد حتى السلفادور! لم أدرِ أن تلك الليلة ستكون الأخيرة لي مع رام الله. نحن نتخذ مدن أرواحنا إما كعشيقات أو كعدوات. وأنا جعلت من رام الله، ببساطة، ملاك موتي اللدود!
قبيل عيد ميلادي السابع والعشرين علقت في حرب رصاص يخوض في الأرض والسماء، وحين يسألني الآخرون عما كنت أفعله في ساحة المنارة، في أول أيام اجتياح المغول لرام الله، لا أستطع أن أجيب، إلاّ أنني انتظرت كما انتظرت بغداد هولاكو، وكما انتظرت طيبة الهكسوس، وكما انتظرت ليننغراد أشباح هتلر، وكما ينتظر كل محكوم بالإعدام شهقة الجلاد والنهاية الصاخبة. لكن، وكما في أساطير ولعنات وصدف وسحر، جاء من ينقذني؛ من يشدني من عناء سكرات موتي صوب تخوم الحياة من جديد.
كنت أتلوى من الرعب، أزحف على الأرصفة ملتصقة بأبواب الحوانيت، والرصاص ينسكب من علٍ وكأنه حفلة مطر في الخريف. أحلم بروائح الآيسكريم المتغلغلة في ذاكرة وجعي، لكن الغاز المسيل للدموع كان قوياً بحيث انهار صرح رئتي ومجد فتوتي وصحتي وعنفوان الشباب في جسدي النحيل، أغفو وأصحو على جناحي ملاك الموت المبجل حتى سحبني من عمق الهاوية رجل قادم من اللعنة ذاتها.
فارس! لأتذكر هذا الاسم جيداً لأنني به سأنقذ كنز ذاكرتي كله من العين المعتمة لقرصان النسيان.
كنت أهيم في غياهب غيبوبة في الشارع العام، وأرى الرصاص ينهمر ويرتطم بالأبواب وهو ينحني عليَّ بثبات أسطورة على حقيقة واحدة، يضخ في رئتي هواء رئته النقي، ويضرب على قفص قلبي كي يحرر العصفور المحتضر في الداخل. وحين فتحت عيني الذاويتَين انفجرت في بكاء مرير، لأنني رأيت وجهاً بشرياً لا قسمات العدم المعتم على أية حال!
مدّدوني على الأرض برفقة ذلك الرجل الطيب، وجعلوني أشرب الماء لأغسل أطنان المحرمات الدولية في رئتي التعسة. نظرت إليه فلم أر بعدها العالم إلاّ على مقاسه! له وهج نظرته السماوية نفسها، وله جذور الحزن الضاري ذاته، وله نفس القسمات الغريبة للأعراق المختلطة. حين نظرت إليه ببساطة طفل يفتح عينيه أول مرة على الدنيا تعبت، فحتى مكر عينيه الاعتيادي زعزعني!
رام الله مثل عنقاء مخيفة، كلما تمادت الحروب في اغتصابها وتهديمها انتفضت من تحت رماد المحن، وفرشت جناحين من غرور، وطارت إلى العالم، لكنها أيضا طائر جريح مهما أوغل في العلو سحبه الجرح إلى الهاوية، وما بين السماء والهاوية لا يمكن لها غير كتابة تاريخ متأرجح، ربما تكون أعظم هبة أعطيت لرام الله أن لها جغرافية مدن الأساطير: التيه، العلو، الأسرار؛ أي كل ما يمكن أن يثير الغزاة ويعذب البشر في تلك البقعة الملغومة من المتوسط. هنا التاريخ يتورط بين شعبين وأكثر، وتلك الجغرافيا الوحيدة تصبح ثيمة مكررة في زحام الحروب، لذا تلعمنا نحن “الرام الله ويين” أن لا نصدق النهايات التراجيدية والسعيدة لكل السياسات العقيمة التي تحاك في السر ّ والخفاء!
هذه المدينة تنام على الألغام كما على التاريخ، وتبدو كأنها ابتلعت الزمن، فقربها أول كيانات مأهولة في التاريخ، وفيها آخر احتلال في العالم، وفي جعبتها تناقضات لم ولن يفهمها أحد، ولذا كل من يكون أو سيكون منها سوف يكون مثلها عبارة عن كومة تناقضات حادة تحت جلد فتي مشدود!
عشية عيد ميلادي السابع والعشرين رأيت وجه الموت أول مرة، أجمل ما فيه خفَّته الخيالية، وأقبح ما فيه أن له نكهة الخسارة المركزة! لكن من كان يصدق أنه كان بالإمكان إنقاذي، وكيف لم تخدشه ولم تخدشني رصاصة واحدة؟
ربما لأننا وسَّعنا حواف أزقة الهرب جيداً. تعلمنا ذلك في الانتفاضات القريبة والبعيدة، بتنا الأرنب الذكي الذي جرحته حواف الفخ كثيراً حتى علمته الندوب أن يكون أشجع وينجو! أو هي لعنة جدتي بطول العمر،كانت دائماً مدفوعةً بحماس الثكالى السابقات للحيوات الجديدة تدعو لنا بطول العمر، وبدموع لا نهاية لها.
غريبة ولا يعرفني، فكيف ارتكب حماقة إنقاذي هكذا؟
قال لي حين ألححت في السؤال، وهو يشيح بعينيه بعيداً كأنه يهبهما للفراغ:
– هناك في الحياة أشياء من الأفضل أن نبقيها للأسرار!
تعذبني الأسرار يا فارس، وأنا امرأة من فضول خالص، لا أبقي سراً في فمي إلاّ وأُطلِقُه كزوبعة، ولذا حين أتى حبُّك أتاني مدوياً، وحين كتمته كما يجب للذنب أن يكتم، انفجرت من الداخل وتماهيت في التشظي. نحن صور مروعة من مدننا، وأنا صورة مستنسخة من مدينة متفجرة تكتم أسرارها بصرير قوي على الأسنان وأنين أبدي! المدن تخلق من البشر أشباهاً لها، ونحن نشبه مدينة كانت نساؤها منذ خمسة آلاف عام خلت يرقصن تحت القمر ليحملن منه في أساطير تشبه ملاحم الشعر الرومانسية، يعشن خرافيات بأولاد قمريين، طريقهم مضاءة للنهاية، أيُّ جنون هذا الذي يجعل تاريخاً بأكمله يشتهي أن يضاجع القمر، لكنه لا يحمل سوى بالخسارات، الخسارات الكبيرة التي لا تنتهي مثل عواقب طوفان! حيث ينتهي الماء، لكن يعيش معنا رعب الغرق إلى ما لا نهاية…. شوارع وليل ونهار وأصوات ضجيج مدينة حية بالرغم من محاولات اغتيالها العديدة، مدينة وخوف وتمازج مثالي بين المتوقع والمفاجئ، بين المعقول والسوريالي!
اكتشفت حين تركت رام الله أية سمكة أكون، أنا من تلك الأسماك التي لا تعيش في القيعان بل تحاول إمساك خفايا النور المكسّر في الماء، تلك التي تتبع قوارب الصيادين وتثير شبق الشباك، ولكنها تلعن رحلات الصيد، وتئن من جرح الصنارة
:”متل السمك في المي”!
هكذا كانت لينا تردد دوماً وهي عائدة من إحدى رحلاتها الصحافية إلى لندن وروما، سليلات وحفيدات وبنات قراصنة وقطاع طرق وحجاج وطوافين في أرواحهم رغبات سرمدية للهرب. نخلق في هذا البلد وحنين الأسفار يجلدنا بسياط من وَلَهٍ، لكننا حين نفعل نصبح تلك السمكات اللعينات في الأحواض، ندق رؤوسنا ندماً في الزجاج كلما عذبتنا ذكرى الشطآن الضحلة. هكذا نصبح حين تلقي علينا المدن القمرية بلعناتها، لا نعيش فيها بل معها، ولا تعيش معنا بل بنا!
تحت الرصاص، وكما العرافات في مدارس الرمل، تعلمت شيئاً واحداً، وهو أن أعيش ولو كلّفني ذلك حياتي! هربت من الموت كالجنود الفارين من العسكرية، لم أفهم المعركة ولم أصافح الهزيمة، ولم يستطع الموت إسكاتي.
حين وصلت الباب تلك الليلة شعرت بعظمة الحنين إلى بيتنا، إلى الحياة الرتيبة، وحتى إلى غبار عواصف الخماسين، والألسنة الشائكة لجارات أمي، وهن يشربن الشاي تحت عريشة العنب الآثمة، التي زرعها جدي حين اشترى هذه الأرض في المدينة، لأنّ أبي العاق لم يكن يحب القرية، ولم يحب المدينة أيضاً، لكنه، مدفوعاً بهلاوس امبراطور جشع، أحسَّ أنّه يجب أن يسكن رام الله ليعمرها، فعلى يدَيه ويدَي عمّاله سوف تلد هذه المدينة نفسها من جديد. قام جدي بزراعة كروم عنب ليذكر أبي المجنون بأصوله الريفية، وإنه حفيد التراب وسليل المحراث، واحترم أبي ذلك وبنى بيتناً وسط كرم عنب خماري!
ارتكب جدي فيما بعد خطيئة نظمها الفقر، وربما الشهامة!
أراد أن يبيع عنبه لجاره حنا نخلة، بعد أن اتفق معه على ذلك بصدر رحب، حتى يتمكن عمي جواد من السفر لمتابعة دراسته، لكنه ارتعد بعد ذلك من فكرة أنَّ أبا جورج الطيب سوف يصنع الخمر من عنب المسلمين، وأن كل سكير سيغني لأم كلثوم، وهو يترنح على الأرصفة، سيكون عقابه في جهنم من نصيب جدي. لم يستطع أن يقول لأبي جورج ذلك في وجهه، وظل أياماً يصلي طلباً للمغفرة، حتى جاءه أبو جورج قائلاً إنه لن يخمّر العنب إلا كنبيذ للمناولة في قداس الأحد، فزفر جدي مرتاحاً وعانقه عناقاً حاراً!
وحين سأل أبو جورج جدي، وهما يتناولان طبقاً من ملفوف ورق العنب اللذيذ والمحشو بالأرز واللحم، لِم وافق منذ البداية على البيع؛ أطرق جدي رأسه خجلاً، وقال إنه أكل دلو عنب خماري ذلك اليوم! فضج الاثنان بضحك طويل، وظل جدي يروي تلك القصة لأبي، وأبي يرويها لنا حتى باتت تلك الكروم الصغيرة مصدر تندر في الحي كله.
وأنا في لجة المعركة مر شريط حياتي بطيئاً أمامي، تذكرت جدي وكرومه المسكرة بلا خطيئة، وأمي وهي تجفف العنب على سطح البيت، وتتذكر سكرة جدي الوحيدة في حياته عندما أكل دلو عنب خماري بأكمله وتضحك، أرى بيتنا وإرثنا وضحكنا وخطايانا المغفورة، وكل وجوه عائلتي في إغفاءة قبل الموت الضبابية، ظلت معي إلى الأبد، فيما بعد، طافت معي المنافي كلها ودخلت معي كهوف الرعب وخبايا قصص العشق السرية، وخرجت معي من حلق الموت بعد أن لفظتنا معدته الضخمة ذات خريف.
لكن عندي يا أهلي انتهت أسطورة الحنان، وانقطع خيط السلالة، إذ مات طفل أحلامكم في أحشائي مخنوقاً بجنوني وهذياني، وحين وددت لو أراكم في عتمة ليل الأطلنطي السحيقة، لم أعد أراكم!
قبل موعد إعدامي أمام أسود ساحة المنارة بقليل، كانت حياتي تسير بخط واضح، وبالرغم من سوء تصرفاتي ورعونتي فإنّ كل تلك الأسئلة الشائكة التي تدور حولي كان مجاباً عنها. لست الوحيدة في عائلتي التي تتقن فنّ العصيان التام، فهناك عمي جواد، وجدتي التي ماتت وهي تردد اسمه مثل تميمة مقدسة قبيل نومها. قبل أن تجثيها الحياة على ركبتيها كانت جدتي سنديانة شاهقة، لكن ما سمَّم جذورها لم يكن سوى الغياب.
كنت أنا من أكتب لها الرسائل بخط يدي القبيح، كنت في الصف الثاني الابتدائي، وكنت أنا من يحاول أن يفك لها طلاسم رسائل عمي جواد. لم تسامح جدتي عمي جوادًا، لأنه سافر طوعاً ملاحِقاً الفدائيين إلى بيروت والكويت، ثم تنقل وتنقل حتى استقر في السويد، صار قلبه مثلجاً وشموسه غائبةً، ونساء السويد حطب جهنم مجاعاته الدائمة. تزوج كثيراً وطلق مرتين. لكن ذلك الرجل أمسكني من يدي مرة وقال لي كلمات لن أنساها، وكان غاضباً حانقاً، كنت مجرد في الثانية عشرة من عمري وأبواب جهنم المراهقة تفتح لي أبوابها على مصراعيها، جذبني من يدي وأوقفني أمام المرآة قائلاً: هبتي! لا تصدقي كل الهراء الذي يتشدقون به عن الأدب والأخلاق ومعدلاتك العالية وعن أزواجك المزعومين القادمين.
أمسك خصلات شعري المموجة والمربوطة بمطاطة ملونة وأسقطها على ظهري قائلاً: لك مظهر صبي بشعر طويل، عليك أن تدعي الفتاة التي فيك تتملك كل شيء، حتى بريق عينيك. ثم فرده على كاهل ظهري، ولفَّني بحيث صار وجهي في مواجهة وجهه: لا تدعي أحداً يملي عليك شيئاً، وافعلي ما تريدينه أنت، إن تبعت الآخرين ستنتهين عندهم، وإن تبعت قلبك ستكونين ملكة حياتك دوماً، هل تفهمينني؟ هززت رأسي موافقة، وكاد قلبي يتوقف، فله مظهر عراف تحت قسمات رجل عاقل. كان قد اعتقل مرات عديدة بتهمة كتابة منشورات تحريضية. لا أحد يعرف ما كان يفعله عمي جواد بالضبط، لقد أنهى دراسة الرياضيات في جامعة محلية، لكن لا أحد يعرف ما فعل بعد تلك الشهادة التي أرادتها جدتي أكبر منه. نفث دخان سيجارته وأطفاها في عنق نبتةِ زينة غضة، ثم زفر قائلاً: لِم يريدوننا ملائكة ونحن بشر؟ إن اقترفنا الأخطاء قامت الدنيا، وإن كثرت فضائلنا أشاحوا بوجوههم عنا، ينمو فينا إحساس الوحدة مثل ورم خبيث. لا نعيش لذة الرذيلة ولا نفخر بطيبة قلوبنا كما يجب، كأننا ننتمي إلى لا مكان ولا إحساس ولا غاية. كلماته القليلة ظلّت مغروزة في روحي مثل نبتة هالوك هائلة. كنت حقلاً غضاً، وكانت جذوره المسمومة ملائمة لتنمو وتترعرع في داخلي، ولربما كان هو السبب في إنقاذي آلاف المرات في التصدي لمطر من الرصاص في خريف مجروح بالحرب والضباب، فأنا راوغت الموت، تبعت حدسي، لم يكن قدري أن أتهاوى كتلك الجثث، فلحظتي لم تحن، توهّجت حواسّي حتى آخر مدى، جمعت شتات نفسي وسحبت روحي من أنياب الرعب، وزحفت في لحظة يائسة. نحن نختار بين أن نكون ضحايا أو منتصرين، بين أن نموت مستسلمين أو نموت مستبسلين، نحن نختار، لا بد أننا نختار. هكذا ردد عمي جواد أمامي حين خشع في صلوات غيابه!
لم أكفَّ عن تنشق رائحة الآيسكريم التي عبأت المدينة؛ إذ لم أشم رائحة الغاز. ربما هي هذيانات احتضاري، ربما هي الرائحة التي سكنت طفولتي ولم تخفها روائح المنفى أو الوطن الذي يشبه ساحة إعدام. أليست الطفولة، طبق روائح ووليمة الوان!

– الفصل المنشور هو الاول من رواية (لا ملائكة في رام الله)

إيناس عبدالله
شاعرة وروائية من فلسطين