فمي أولا ( يحيى جابر )

Posted on 1 ديسمبر 2010 بواسطة



منذ طفولتي وأنا أخاف من طبيب الاسنان، لا شيء يرعبني في هذا العالم، سوى تلك الابرة الصغيرة النحيلة، المروّسة، وهي تنغرز في لحم لثتي!

انه الفزع التاريخي، يرافقني، من صوت خرّ وبرّ، لا أتحمله، انه يفزعني اكثر من اصوات القصف في الحروب التي عرفتها.

ما أحلى وزاًت الرصاص أمام أزيز آلة تضحك في فمك،… وتخز في داخل داخلك.

مرَ العمر، وانا اتحاشى المرور امام عيادات الاطباء كأنها سجون من غرف تعذيب…

مرَ العمر، وأنا أقاتل بأسناني ضد اي طبيب اسنان يحول الانقضاض عليَ، تحملَت وجع الاضراس، وصبرت على الآلام، وذهبت في تلك المعركة اكثر من سن جريح او ضرس شهيد او ناب مفقود… حتى صار فمي كأرملة بلا زوج اسنان.. مفجوعًا بلا ابناء بين الفكين.

بعد عمر طويل، وحروب أطول، رفعت الراية البيضاء، واستسلمت لطبيب اسنان، الذي جَرني من شقتي، ورماني على المقعد، وراح يستجوبني ضرسًا ضرسًا، سنًا سنا …

ورحت اعترف بكل ما اقترفته من آثام وخطايا بحق اسناني المنخورة الممزقة، اسناني التي تحملت كل ادوات ضغطي عليها، من قضم وقصر، وجرش وطحن، وفتك، حتى اصابها التعب…

استسلم لطبيب الاسنان، الذي راح يخلع ويقلع ويزرع كأن فمي تراب للفلاحة بكل سكك الحراسة…

فمي ورشة اشغال بين الفكين، الكماشات كأنها جرافات تجرف، حتى اصبح فمي حفرة في قلب حفرة، والطبيب يحفر بحفارته كأنه يتلذذ  بانتقامه مني!

استسلم للتبييض والغسيل، وأراني معلقًا بأسناني على الملاقط في عيادة.

استسلم بكامل إرادتي لحفلة تعذيب وكل ذلك لتعود اسناني الى عملها الى وظيفتها الاولى…

كل شهر أذهب الى طبيب الاسنان أزوره ليزور أسناني،

كل شهر اعالج راتبي الذي اصبح بلا أسنان.. وجيوبي تعاني من لثَة ملتهبة..

ورصيدي أصبح بلا فم..!