الوسواس القهري الديني

Posted on 8 نوفمبر 2010 بواسطة



الوسواس القهري الديني

تأتى أهمية هذا الفصل في أنه يخوض غمار الوساوس الدينية التى يعاني منها الكثيرون ويخجلون من الإفصاح عنها. وقد يبالغون في اتهام أنفسهم بالكفر والإلحاد والخروج من الملة وذلك لقلة علمهم الديني والنفسي.

وقد أدلى بعض العلماء الأفاضل بدلوهم في تشخيص وعلاج الوساوس الدينية قبل الأطباء المعاصرين ونجحوا إلى حد ما في التشخيص والعلاج. ومن أبرز هؤلاء الإمام ابن القيم(1) رحمه الله في كتابه القيم [إغاثة اللهفان]، الذي رأيت من المفيد أن أعرض تلخيصاً للجزء الخاص بالوساوس مع بعض التعليقات القليلة والمفيدة عليه، وقد وضعت كلامى بين قوسين (….).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

الوسواس الذي كاد (المرضى) في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره.

(1):هو الإمام العلامة محمد بن أبى بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزَّرعى الدمشقى، أبو عبد الله، شمس الدين. اشتهر بابن قيم الجوزية؛ لأن أباه كان في دمشق قيماً على مدرسة [الجوزية] ومن أطلق لقبه عن الإضافة دعاه [ابن القيم]. ولد في السابع من صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة.

(وقد وصل الأمر مع البعض) أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله لم يطهر ولم يرتفع حدثه. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع(2).

والموسوس يري أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه. وصح عنه عليه السلام أنه توضأ مرة مرة،(3) ولم يزد علي ثلاث، بل أخبر أن: [من زاد عليها فقد أساء وتعدى و ظلم](4)

والموسوس مسىء بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسىء به وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل هو وعائشة رضي الله عنها من قصعة(5) بينهما فيها أثر العجين(6) ولو رأي الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفي هذا القدر لغسل اثنين، كيف والعجين يحلله الماء فيغيره! هذا والرشاش ينـزل في الماء (7). وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة مثل ميمونة(8) وأم سلمة(9) وهذا كله في الصحيح.

(2) رواه البخارى (201)، ومسلم (325) من حديث أنس

(3) رواه البخارى (157)، وأبو داود (138)، والترمذى (42)، والنسائى (1/ 54)، وابن ماجة (411)، وأحمد (1/ 233)، من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: توضأ النبى صلى الله عليه وسلم مرة مرة.

(4) صحيح. رواه أبو داود (135) والنسائى (1/ 175) وابن ماجه (422) وأحمد (2/ 180).

(5) القصعة: الصحفة الضخمة تشبع العشرة والجمع قصاع، وقصع، وقصعات. (اللسان).

(6) رواه البخارى (250 )، مسلم (319)، والنسائى (1/ 106) وأحمد (6/ 37).

(7) وهذا مذهب الأحناف ولهم في الماء المستعمل ثلاث روايات أحدها نجاسة مغلظة والثانية نجاسة مخففة والثالثة أنه طاهر غير مطهر.

(8) رواه البخارى (253) ومسلم (322) والترمذى (62) والنسائى (1/ 107).

(9) رواه مسلم (324) وابن ماجه (380) وأحمد (6/ 291).

وثبت أيضا في الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون من إناء واحد(10). والآنية التى كان عليه السلام وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية ولا كانت لها مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه. ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجرى الماء من حافاتها كما يراعيه من ابتلى بالوسواس فهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته، جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة. ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده، ولم يمكن أحداً أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة.

ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان.وقال الإمام أحمد(11): من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء. وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه توضأ من إناء فأدخل يده فيه ثم تمضمض واستنشق،(12) كذلك كان في غسله يدخل يده في الإناء ويتناول الماء منه(13) والموسوس لا يجوز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك.

(10) رواه البخارى (193) وأبو داود (79) والنسائى (1/ 50) وابن ماجه (381) وأحمد (2/ 103).

(11) هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ولد سنة (164 ﻫ) أحد الأئمة الأربعة، كان ممن جمع المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر مات سنة (241 ﻫ) (السير).

(12) رواه البخارى (159) ومسلم (226) وأبو داود (108) والنسائى (1/ 56) وأحمد (1/ 59) من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه.

(13) رواه البخارى (248)، ومسلم (316)، وأبو داود (242)، والترمذى (104)، والنسائى (1/ 109)، وأحمد (6/ 101) من حديث عائشة رضى الله عنها.

وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَإليوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ] [آل عمران: 31] وقال تعالى:
[وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] [الأعراف: 158]، وقال تعالى: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: 153].

وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة.

ونحن نسوق من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدى أصحابه ما يبين النهى عن الغلو وتعدى الحدود والإسراف، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين.

قال الله تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ] [المائدة: 77]. وقال تعالى: [وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [الأنعام: 141]. وقال تعالى: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا] [البقرة: 229]، وقال تعالى: [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ][البقرة:190]، وقال تعالى: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] [الأعراف: 55]، وقال أنس رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم] (14)
(14) حسن. رواه أبو داود (4904)، وأبو يعلى (3694)، والضياء في المختارة (2178).

فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه. كفعل أهل الوسواس شددوا على أنفسهم حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم. قال البخارى: وكره أهل العلم الإسراف فيه – يعنى الوضوء – وأن يجاوزوا فعل النبى صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر رضى الله عنهما: إسباغ الوضوء الإنقاء(15). فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة.

فصـــــل

ثم إن الموسوسين، رغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا تؤضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صلى كصلاته فوضوءه باطل وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواكلة الصبيان(16) وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفمه كما لو ولغ فيهما أو بال عليهما هر.

وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه، ثم يشك هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك شكه في نيته وقصده التى يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله.

(15) إسناده صحيح.رواه البخارى تعليقا، ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح.

(16) رواه البخارى (5376)، ومسلم (2022)، والترمذى (1857)، وأحمد (4/ 26)، من حديث عمر بن أبى سلمة رضى الله عنه قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت يدى تطيش في الصفحة، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]يا غلام، كل بيمينك وكل مما يليك[ – الحديث.

ومع هذا يقبل قول (الوسواس) في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها، حتى تراه متلددا(17) متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه، أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه. ثم إنه (يعذب) نفسه، (ويضر) بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك(18)، وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه.

قلت: ذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن أبى الوفاء ابن عقيل أن رجلا قال له: ]أنغمس في الماء مرارا كثيرة، وأشك هل صح لى الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف قال: لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: [رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبى حتى يبلغ](19) ومن ينغمس في الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون (والمقصود هنا هو الزجر والسخرية) قال: وربما شغله وسواسه حتى تفوته الجماعة.

(17) التلدد: التلفت يمينا وشمالا تحيرا مأخوذا من لديدى العنق وهما صفحتاه ( اللسان).

(18) العَرَك: يعنى الدلك، وعرك جنبه: يعنى حكه (اللسان).

(19) صحيح. رواه أبو داود (4398) والنسائى (6/ 127) وأحمد (6/ 100).

وربما فاته الوقت، ويشغله (الوسواس) في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر. ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا (فيغلبه وسواسه).

وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم – رأيته أنا – يكرر عقد النية مرات عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له إن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة، فلم يدعه الوسواس حتى زاد ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين دهراً طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.

وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يوماً إلى أن قال: أصلى أصلى مراراً صلاة كذا وكذا، وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال أذاء لله، فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين.

قال: ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مراراً.

قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكككبر قال: وقال لى إنسان منهم:

قد عجزت عن قول السـلام عليكم، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن وقد استرحت.

فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم. وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كائناً ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم (وليعالج نفسه).

ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقتد بهم وليختر طريقهم.

وقال زين العابدين يوماً لابنه: يا بنى اتخذ لى ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإنى رأيت الذباب يسقط على الشئ ثم يقع على الثوب، ثم انتبه فقال: ما كان للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد، فتركه.

وكان عمر رضى الله عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.

ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم.

فصـــــل

النية في الطهارة والصلاة

النية هى القصد والعزم على فعل الشئ، ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلا. ولذلك لم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك، وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها، ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها، فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصلاة في شىء. وإنما النية قصد فعل الشئ، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء. ومن قام ليصلى فقد نوى الصلاة. ولا يكاد العاقل يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقينى، فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلى صلاة الظهر. خلف الإمام فكيف يشك في ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شُغْلٍ في تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضى؟ لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه يقيناً؟ بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال، فإنه إذا رأى إنسانا جالسا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة، وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلى، فإن تقدم بين يدى المأمومين علم انه يريد إمامتهم، فإن رآه في الصف علم أنه يريد الائتمام. قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه؟

قال: ومن العجب انه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعا وأدركه، فمن لم يحصل النية في الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟ فإن قال:هذا أمر بليت به، قلنا: نعم (وعليك بالعلاج).

قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلى صلاة الظهر، فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته و يقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتش هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه.

قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرار بعض الكلمة، كقوله في التحيات: ات ات التحى التحى، وفي السلام: أس أس، وقوله في التكبير: أكككبر، ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطلان الصلاة به(20) وربما كان

(20) ذهب ابن حجر الهيتمى في “الفتاوى الكبرى” (1/ 164) إلى عدم بطلان صلاة الموسوس الذي يكرر بعض الكلمة. فقد سئل عن كثير من الموسوسين إذا أراد أن يبسمل يقول: بس، ويكررها فهل تبطل صلاته أم لا؟ فأجاب بقوله: إن قصد بذلك القراءة لم تبطل.

إماماً فأفسد صلاة المأمومين(21) وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمهِ والوقيعة فيه، فجمع على نفسه تعذيبها وإضاعة الوقت والاشتغال بما ينقص أجره وفوات ما هو أنفع له وتعريض نفسه لطعن الناس فيه وتغرير الجاهل بالاقتداء به.

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت يا رسول الله: إن الشيطان قد حال بينى وبين صلاتى يُلَبِّسُها علىَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ذاك شيطان يقال له: خنـزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاث] ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عنى(22).

وفي [المسند] و[السنن] من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا، وقال: [هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم] (23).

وقد رواه الإمام أحمد في ]مسنده[ مرفوعا، ولفظه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد] (24).

وفي [سنن النسائى] عن عبيد بن عمير أن عائشة رضى الله عنها قالت: لقد رأيتنى أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا – فإذا تور (إناء) موضوع مثل الصاع أو دونه – نشرع فيه جميعا فأفيض بيدى على رأسى ثلاث مرات وما أنقض لي شعراً (25).

(21) تكره إمامة الموسوس كما قال ابن مفلح الحنبلى في الفروع (2/ 9).

(22) رواه مسلم (2203) وأحمد (4/ 216) والحاكم (4/ 219) والطبرانى في الكبير (8366).

(23) صحيح. رواه أبو داود (135) والنسائى (1/ 175) وابن ماجه (422) وأحمد (2/ 180).

(24) صحيح. رواه أحمد (3/ 370).

(25) صحيح. رواه النسائى (1/ 167)، والطبرانى في الأوسط (1817). ورواه مسلم (331) بنحوه

وقال محمد بن عجلان: الفقه في دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء.

وقال الإمام أحمد: كان يقال من قلة فقه الرجل ولعه بالماء.

وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد: نزيد على ثلاث في الوضوء؟ فقال: لا والله إلا رجل مبتلى (أى مريض بالوسواس). وقد روى أبو دواد في سننه من حديث عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء](26). فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] [البقرة:190]، وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله تعالى، وإن أسقطت الفرض عنه.

فصـــــل

ومن ذلك الوسواس في انتفاض الطهارة لا يلتفت إليه.

وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أويجد ريحاً] (27).

وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة، قال: [لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً] (28).

(26) صحيح. رواه أبو داود (96)، وابن ماجه (3864)، وأحمد (4/ 87)، وابن حبان (6764)، والحاكم (1/ 162).

(27) رواه مسلم [362] وأبو داود [177] والترمذي [75] وأحمد (2/414).

(28) رواه البخاري [137]، ومسلم [361]، وأبو داود [176]، والنسائي (1/82)، وابن ماجه (513)، وأحمد (4/ 40).

وفي [المسند] و[سنن أبو داود] عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الشيطان يأتى أحدكم وهو في الصلاة فيأخذ بشعره من دبره فيمدها فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريح].

ولفظ أبى داود: [إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت فليقل له كذبت إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سمع صوتا بأذنه](29).

فأمر صلى الله عليه وسلم بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلوما متيقنا كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله؟

قال الشيخ أبو محمد: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال، ليدفع عن نفسه الوسوسة(30) فمتى وجد بللاً قال: هذا من الماء الذي نضحته، لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفي أوالحكم بن سيفان قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا بال توضأ وينتضح. وفي رواية: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم نضح فرجه. (رواه أبو داود – حديث صحيح). وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء فأمره أن ينضح فرجه إذا بال قال: ولا تجعل ذلك من همتك واله عنه.

(29) حسن. رواه أحمد (3/ 96)، باللفظ الأول، ورواه أبو داود [1029]، وأحمد (3/ 12، 37) وابن خزيمه [29] وابن حبان [2665]، باللفظ الثانى.

(30) استحباب نضح الفرج والسراويل بالماء هو مذهب الحنـابلة ، كمـا في [ المغني ] (1/ 115) ، و[الإنصـاف] (1/ 109)، وهو مذهب الشافعية، كما في الروضة (1/ 71).

فصـــــل

ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء:

السلت، والنتر، والنحنحة، والمشى، والقفز، والحبل، والتفقد، والوجور، والحشو، والعصابة، والدرجة.

أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه.

والنحنحة ليستخرج الفضلة وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئاً ثم يجلس بسرعة.

والحبل يتخذ بعضهم حبلا يتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم ينخرط منه حتى يقعد.

والتفقد يمسك الذكر ثم ينظر في المخرج هل بقى فيه شئ أم لا؟

والوجور يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه الماء.

والحشو يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد فتحها.

والعصابة يعصبه بخرقة.

والدرجة يصعد في سلم قليلا ثم ينـزل بسرعة.

والمشى يمشى خطوات ثم يعيد الاستجمار أو يغسل الذكر.

قال شيخنا: وذلك كله وسواس وبدعه.

وقال: والبول كاللبن في الضرع إن تركته قر، وإن حلبته در.

وقال: ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفي منه من لها عنه.

فصـــــل

ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها هؤلاء.

فمن ذلك المشى حافيا في الطرقات ثم يصلى ولا يغسل رجليه، فقد روى أبو داود في سننه عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا تطهرنا؟ قال: [أو ليس بعدها طريق أطيب منها؟] قالت: بلى، قال: [فهذه بهذه](31).

وقال عبد الله بن مسعود: كنا لا نتوضأ من موطئ(32).

وعن على رضي الله عنه أنه خاض في طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه(33).

وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة، قال: إن كانت يابسة فليس بشىء، وان كانت رطبة غسل ما أصابه(34).

وقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلى المسجد، فلما انتهينا عدلت إلى المظهرة لأغسل قدمىَّ من شئ أصابهما فقال عبد الله: لا تفعل فانك تطأ الموطئ الردىء ثم تطأ بعده الموطئ الطيب – أو قال: النظيف – فيكون ذلك طهورا، فدخلنا المسجد جميعا فصلينا.

وقال أبو الشعثاء: كان ابن عمر يمشى بمنى في الفروث(35) والدماء إليابسة حافيا ثم يدخل المسجد فيصلى فيه ولا يغسل قدميه(36).

وقال عاصم الأحول: أتينا أبا العإلية فدعونا بوَضُوء، فقال:ما لكم ألستم متوضئين؟ قلنا: بلى ولكن هذه الأقذار التى مررنا بها، قال: هل وطئتم على شئ رطب تعلق بأرجلكم؟ قلنا: لا، فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار يجف فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم؟

(31) إسناده صحيح. رواه أبو داود (384) وابن ماجه (533)، أحمد (6/ 435).

(32) إسناده صحيح. رواه أبو داود (204) وابن ماجه (1041).

(33) إسناده حسن. رواه ابن المنذر في الأوسط (2/ 171).

(34) إسناده صحيح. رواه البخاري تعليقاً، ووصله ابن أبى شيبة (1/55).

(35) جمع فرث، وهو السرجين ما دام في الكرش، والسرجين الزبل كلمة أعجمية. (اللسان، المصباح المنير).

(36) إسناده صحيح. رواه عبد الرازق (95) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (2/172).

فصـــــل

ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقا، وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة. نص عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه(37).

قال أبو البركات(38) ورواية أجزأ الدلك مطلقاً هى الصحيحة عندى، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور. وفي لفظ: إذا وطئ أحدكـم الأذى بخفيه فطهورها التراب(39). رواهما أبو داود.

(37) هذا النص هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد والمذهب: وجوب الغسل، كما في الأنصاف (1/ 323)، وهو قول الشافعي في القديم، كما في المجموع (2/ 619) ويجزئ الدلك عند الشافعية إذا كانت النحاسة يابسة بخلاف ما إذا كانت رطبة، فلا يجزئ غير الغسل قولاً واحداً، والمختار عند الأحناف أن الدلك يجزئ سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة.

(38) هو الشيخ الإمام العلامة مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر الحزاني، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، ولد سنة (590 ﻫ) تقريبا. كان فقيها مصنفا انتهت إليه الإمامة في الفقه مع الدين والتقوى وحسن الاتباع. مات سنة (652 ﻫ) (السير).

(39) صحيح. رواه أبو داود (385) من طريق الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد بن أبى سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبى هريرة رضي الله عنه باللفظ الأول، وأما اللفظ الثاني فقد رواه أبو داود (386)، وابن خزيمة (292).

فصـــــل

وكذلك ذيل المرأة على الصحيح،(40) وقالت امرأة لأم سلمة: انى أطيل ذيلى، وامشى في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يطهره ما بعده](41) رواه أحمد وأبو داود وقد رخص النبى صلى الله عليه وسلم للمرأة أن ترخى ذيلها ذراعا(42) ومعلوم أنه يصيبه القذر، ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض.

فصـــــل

ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين الصلاة في النعال، وهى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فعلا منه وأمراً، فروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى في نعليه(43).

وقيل للإمام أحمد: أيصلى الرجل في نعليه؟ فقال: إىْ والله.

وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصلاة الجنازة في نعليه قام على عقبيه كأنه واقف على الجمر حتى لا يصلى فيهما.

(40) قال ابن عبد البر في التمهيد (13/ 105) اختلف الفقهاء في طهارة الذيل، فقال مالك؛ معناه في القشب إلىابس، والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شئ، فإذا كان هكذا كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرا له، وهذا عنده ليس تطهيرا من النجاسة لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء، وإنما هو تنظيف، وإنما النجاسة الواجب غسلها ما لصق منها وتعلق بالثوب وبالبدن، فعلى هذا المحمل حمل مالك وأصحابه حديث طهارة ذيل المرأة، وأصلهم أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وهو قول زفر، والشافعي وأصحابه، وأحمد، أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء.

(41) صحيح. رواه أبو داود (383)، والترمذي (143)، وابن ماجة (531)، وأحمد (6/ 290).

(42) صحيح. رواه الترمذى (1731)، والنسائى (8/ 184).

(43) رواه البخاري (368)، ومسلم (555)، والترمذي (400)، والنسائي (2/ 58)، أحمد (3/ 100/ 166).

وفي حديث أبى سعيد الخدرى: [إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى على نعليه قذرا فليمسحه وليصل فيهما](44) وكان يسجد على التراب تارة وعلى الحصى تارة وفي الطين تارة حتى يرى أثره على جبهته وأنفه(45).

فصـــــل

ومن ذلك أن الناس في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره.

قال يحيى بن وثاب: قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ يخرج إلى المسجد حافيا؟ قال: لا بأس به(46). وقال كميل بن زياد: رأيت عليا رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل
رجليه(47).

فصـــــل

ومن ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن المذى فأمر بالوضوء منه، فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبى منه؟ قال: تأخذ كفاً من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابه(48) رواه أحمد والترمذى والنسائى.

(44) صحيح. رواه أبو داود (650)، وأحمد (3/ 20).

(45) رواه البخارى (669، 813 ) ومسلم (1176).

(46) صحيح. رواه عبد الرازق (100).

(47) سبق تخريجه

(48) حسن. رواه أبو داود (210) والترمذى (115) وابن ماجه (506)، وأحمد (3/ 485).

فجوز نضح ما أصابه المذى، كما أمر بنضح بول الغلام(49)

قال شيخنا: وهذا هو الصواب، لأن هذه نجاسة يشق الاحتزاز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب.

فصـــــل

ومن ذلك إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبى صلى الله عليه وسلم من جواز الاستجمار بالأحجار(50) في زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق فينضح على الثوب، ولم يأمر بغسله.

وقال شيخنا: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد، قال: ولم يقم دليل على نجاسته.

وقال إسحاق بن راهويه(51) كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن وشبهه ولا يوجب وضوءا.

ومن ذلك ما قاله أبو حنيفة أنه لو وقع بعر الفأر في حنطة فطحنت، أو في دهن مائع، جاز أكله ما لم يتغير لأنه لا يمكن صونه عنه، قال: فلو وقع في الماء نجسه.

(49) صحيح. رواه أبو داود (378) والترمذى (610) وابن ماجه ( 525) وأحمد (1/ 97).

(50) صحيح. أبو داود (40) والنسائى (1/38)، وأحمد (6/ 108، 133)، والدار قطنى (1/ 54)، والبيهقى (1/ 103)، من حديث عائشة رضى الله عنها مرفوعا بلفظ: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه. وصححه الدار قطنى، والنووى في المجموع (2/ 112).

(51) هو الإمام الكبير سيد الحفاظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمى.

وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمير عند الدياس من غير غسل(52) قال: لأن السلف لم يحترزوا من ذلك(53).

وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا نأكل اللحم، والدم خطوط على القدر(54).

وقد أباح الله عز وجل صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ومعضه ولا تقويره، ولا أمر به ورسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة.

ومن ذلك ما أفتى به عبد الله بن عمر وعطاء بن أبى رباح، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبى، وإبراهيم النخعى والزهرى ويحيى بن سعيد الأنصارى، والحكم، والأوزاعى، ومالك وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والإمام أحمد في أصح الروايتين وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالما بها أو كان يعلمها لكنه نسيها، أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها، أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه(55).

فصـــــل

ومن ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب، فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها(56) متفق عليه وهو دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبى، ما لم يتحقق نجاستها(57).

(52) قال في حواشى الشروانى (1/ 97): ويعفي عما يصيب الحنطة من البول والروث حال الدياسة.

(53) هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/ 583).

(54) إسناده صحيح. رواه ابن جرير في التفسير (8/ 71)، وصححه ابن كثير في التفسير (2/ 185).

(55) هذا القول حكاه ابن المنذر في الأوسط (2/ 163).

(56) رواه البخارى (516) ومسلم ( 543).

(57) قال النووى في المجموع (3/ 170): قال الشافعى والأصحاب رحمهم الله: تجوز الصلاة في ثوب الحائض، والثوب الذي تجامع فيه إذا لم يتحقق فيهما نجاسة، ولا كراهة فيه. قالوا: وتجوز في ثياب الصبيان والكفار والقصابين ومدمنى الخمر وغيرهم إذا لم يتحقق نجاستها، لكن غيرها أولى ا.ﻫ.

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض وعلى مرط(58) وعليه بعضه(59) رواه أبو داود.

وقالت: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار(60) الواحد، وأنا طامث- حائض – فإن أصابه منى شىء غسل مكانه، ولم يعده وصلى فيه(61) رواه أبو داود.

فصـــــل

ومن ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يلبس الثياب التى نسجها المشركون ويصلى فيها.

ولما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية (دمشق)(62) استعار ثوبا من نصرانى فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه(63) وتوضأ من جرة نصرانية(64).

وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى الله عنهما في بيت نصرانية، فقال لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر فنصلى فيه؟ فقالت:طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما. فقال له سليمان: خذها من غير فقيه(65).

(58) كساء من صوف أو خز يؤتزر به، وتتلفع المرأة به. ( المصباح المنير)

(59) رواه مسلم (514) وأبو داود (370)، والنسائى (2/ 55)، وابن ماجه (652)، وأحمد (6/ 137).

(60) هو الثوب الذي يلى الجسد لأنه يلى شعره (النهاية).

(61) حسن. رواه أبو داود (269)، والنسائى (1/ 123).

(62) هى قرية من أعمال دمشق، قدمها عمر رضي الله عنه وخطب بها خطبته المشهورة (معجم البلدان).

(63) حسن. رواه عمر بن شيبة في أخبار المدينة (3/ 48)، من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزل عمر رضي الله عنه جاءه صاحب الأرض فأعطاه عمر رضي الله عنه قميصه ليغسله ويرفوه، وفي عاتقه خرق، فانطلق به فغسله ثم رقعه، وقطع قميصاً جديداً آخر فأتاه به، وقد أعد قميصه، فأعطاه الجديد فرآه عليه، وقال: ايتنى بقميصى، فتاوله إياه .

(64) صحيح. رواه البخارى تعليقاً بصيغة الجزم، ووصله الإسماعيلى، كما في فتح البارى (1/ 299).

(65) رواه ابن أبى شيبة (13/ 338)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 206)، بنحوه.

فصـــــل

ومن ذلك أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض والأوانى المكشوفة، ولا يسألون هل أصابتها نجاسة أو وردها كلب أو سبع؟ ففي الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عمر رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا، فقال عمرو: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر رضي الله عنه: لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا(66).

ومن ذلك أنه لو سقط عليه شئ من ميزاب، لا يدرى هل هو ماء أو بول؟ لم يجب عليه أن يسأل عنه. فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجبيه. ولو علم أنه نجس، ولا يجب عليه غسل ذلك(67).

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما فسقط عليه شئ من ميزاب ومعه صاحب له، فقال: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا،
ومضى(68) ذكره أحمد.

قال شيخنا: وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شئ رطب ولا يعلم ما هو لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو. واحتج بقصة عمر رضي الله عنه في الميزاب، هذا هو الفقه، فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ذلك هى على العفو، فما عفا الله عنه فلا ينبغى البحث عنه.

(66) رواه مالك (ص: 41)، والدار قطنى (1/ 32)، والبيهقى (1/ 250).

(67) راجع المغنى لابن قدامه (1/ 48)، و الإنصاف (1/ 71).

(68) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/ 57).

فصـــــل

ومن ذلك الصلاة مع يسير الدم ولا يعيد(69).

قال البخارى: قال الحسن رحمه الله: مازال المسلمون يصلون في جراحاتهم. قال: وعصر ابن عمر رضي الله عنه بثرة فخرج منها دم فلم يتوضأ. وبصق ابن أبى أوفي دماً ومضى في صلاته. وصلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دماً(70).

ومن ذلك أن المراضع مازلن من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الآن يصلين في ثيابهن، والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، فلا يغسلن شيئا من ذلك، ولأن ريق الرضيع مطهر لفمه لأجل الحاجة، كما أن ريق الهرة مطهر لفهمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات](71) وكان يصغى لها الإناء حتى تشرب(72) مع العلم اليقيني أنها تأكل الفأر والحشرات. ومن ذلك أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهو حاملوا سيوفهم، وقد أصابها الدم، وكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها.

(69) جواز الصلاة مع يسير الدم هو مذهب الجمهور، فقد ذهب الأحناف إلى جواز الصلاة مع قدر الدرهم وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول، وان زاد لم تجز كما في فتح القدير (1/ 202) وعند المالكية لا تعاد الصلاة مع ملابسة الدم إلا من كثيره.

(70) صحيح. رواه البخارى تعليقاً في كناب الوضوء باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، ووصل هذه الآثار ابن أبى شيبة، وعبد الرزاق (571)، والبيهقى (1/ 357).

(71) صحيح. رواه أبو دواد (75)، والترمذى (92).

(72) رواه البيهقى (1/ 216).

ومن ذلك أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس، ثم تجففه الشمس، فينشر عليه الثوب الطاهر، فقال: لا بأس به(73).

ومن ذلك أن الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرا(74).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء لا ينجسه شئ(75) رواه الإمام أحمد.

وقال البخارى: قال الزهرى: لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون.

ونص أحمد رحمه الله في حب زيت ولغ فيه كلب، فقال: يؤكل.

فصـــــل

ومن ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجيب من دعاه فيأكل من طعامه، وأضافه يهودى بخبز شعير وإهالة سنخة (دسم جامد متغير الريح). وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب.

وشرط عمر رضي الله عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وقال: أطعموهم مما تأكلون.

(73) هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، والصحيح وهو المذهب أن غير الأرض لا يطهر بشمس ولا ريح كما في الإنصاف (1/ 318).

(74) الحكم على نجاسة الماء من المسائل التى اختلف فيها العلماء، ويراجع في ذلك المجموع للنووى (1/ 162 – 170).

(75) صحيح. رواه النسائى (1/ 141)، وأحمد (1/ 235)، وابن خزيمة (109)، وابن حبان (1242).

وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل ابنى ابنته في أفواههما(76) ويشرب من موضع فم عائشة رضي الله عنها، ويتعرق العرق (يأخذ اللحم من العظم بأسنانه) فيضع فاه على موضع فيها، وهى حائض. رواه مسلم.

وحمل أبو بكر رضي الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه(77).

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبى، فوضعه في حجره، فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله(78).

وقد ذم النبى صلى الله عليه وسلم المتنطعين في الدين وأخبر بهلكتهم حيث يقول: ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون(79).

وكان صلى الله عليه وسلم يبغض المتعمقين حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال، قال: لو تأخر الهلال لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم- كالمنكل بهم(80)

وكان الصحابة أقل الأمة تكلفاً إقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ] [ص: 86].

وقال أنس رضي الله عنه كنا عند عمر رضي الله عنه فسمعته يقول:نهينا عن التكلف (البخارى).

(76) صحيح. رواه أحمد (2/ 532)، والبخارى في الأدب (1138)، من حديث أبى هريرة .

(77) رواه البخارى (3542) من حديث عقبة بن الحارث قال صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر ثم خرج يمشى، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه – الحديث.

(78) رواه البخارى (223)، ومسلم (287)، وأبو داود (374)، والترمذى (71)، والنسائى (1/ 128)، وابن ماجه (524)، وأحمد (6/ 355)، من حديث أم قيس بنت محصن رضى الله عنها.

(79) رواه مسلم (2670)، وأبو داود (4608)، وأحمد(1/ 386)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(80) رواه البخارى (7241)، من حديث أنس، ولفظ كالمنكل بهم رواه البخارى (6851).

فصـــــل

ومن ذلك الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها، فتراه يقول: الحمد الحمد، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة وتارة في تحقيق التشديد في إخراج ضاد المغضوب.

قال ابن الجوزى: ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. ويخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة، وكل هذه من الوساوس، والمقصود أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف، ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته.

فصـل

الجـواب عما احتـج به أهـل الوسـواس

أما قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواس قلنا سموه ما شئتم. فنحن نسألكم:

هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره وما كان عليه أصحابه أو مخالف؟

وينبغى أن يعلم أن الاحتياط الذي ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه الاحتياط في موافقة السنة وترك مخالفتها، فالاحتياط كل الاحتياط في ذلك، وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة.

وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق في موارد النـزاع الذي اختلف فيه الأئمة، كطلاق المكره، وطلاق السكران، والبتة، وجمع الثلاث، والطلاق بمجرد النية، والطلاق المؤجل المعلوم مجىء أجله، وإليمين بالطلاق، وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء، إذا أوقعه المفتى تقليداً بغير برهان، وقال ذلك احتياطاً للفروج، فقد ترك معنى الاحتياط، فإنه يحرم الفرج على هذا ويبيحه لغيره. فأين الاحتياط ها هنا؟ بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو حلال له، أو يأتى برهان من الله ورسوله على ذلك لكان قد عمل بالاحتياط. قال شيخنا: والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة فإذا أفضى إلى ذلك، فالاحتياط ترك هذا الاحتياط. فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس.

فصـــــل

أما من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ قال الجمهور منهم الشافعى(81) وأحمد(82) وأبو حنيفة(83) وأصحابهم ومالك: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء أو الذي تيقنه وشك في انتقاضه، كما لو شك هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنه لا يجب عليه غسله.

فصـــــل

وأما قول البعض: إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله، فليس هذا من باب الوسواس. فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه.

(81) المجموع (1/ 74)، والروضة (1/ 77).

(82) المغنى (1/ 145)، والمبدع (1/ 171).

(83) البدائع (1/ 155)، وشرح فتح القدير (1/ 54).

فصـــــل

وأما مسألة الثياب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس، فقال الجمهور ومنهم أبو حنيفة(84) والشافعى(85) ومالك في رواية له(86):

أنه يتحرى فيصلى في واحد منها صلاة واحدة كما يتحرى في القبلة.

فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منه فصلى فيه، لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شك فيها في هذا الثوب، فيصلى فيه كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حاله.

فصـــــل

وأما إذا اشتبهت عليه القبلة فالذي عليه أهل العلم كلهم أنه يجتهد ويصلى صلاة واحدة(87)، وأما من شك في صلاته، فإنما يبني على اليقين لأنه لا تبرأ ذمته منه بالشك. فإذا اشترى رجل ماءً أو طعاماً أو ثوباً لا يعلم حاله جاز شربه وأكله ولبسه، وإن شك هل تنجس أم لا؟ فإن الشرط متى شق اعتباره، أو كان الأصل عدم المانع، لم يلتفت إلى ذلك، وإذا أتى بلحم لا يعلم هل سمى عليه ذابحه أم لا؟ وهل ذكاه في الحلق واللبة، واستوفي شروط الذكاه أم لا؟ لم يحرم أكله لمشقة التفتيش عن ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن ناساً من الأعراب يأتوننا باللحم لا ندرى أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا(88) مع أنه قد نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى.

(84) المبسوط (10/ 200) والبحر الرائق (2/ 276).

(85) انظر المجموع (3/ 151، 152).

(86) وهذه الرواية هى مذهب المالكية كما في مختصر خليل (137) والتاج والإكليل (1/ 160) والشرح الكبير (1/ 79).

(87) البدائع (1/ 342)، والقوانين الفقهية (ص: 52)، والمجموع (1/ 202)، والمغنى (1/ 317).

(88) رواه البخارى (2057، 5507)، وأبو داود (2829) والنسائى (7/ 209)، وابن ماجه (3174).

فصـــــل

وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال، وتمشية الأمر كيف اتفق إلى آخره، فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة ونقصان، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرين في غير موضع، كقوله: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ] [الإسراء: 29] [وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً] [الاسراء: 26]، [وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً] [الفرقان:67]، وقوله: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [الأعراف: 31] فدين الله بين الغالى فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهى الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها، قال الشاعر:

كانت هى الوسط المحمى فاكتنفت

الحوادث حتى أصبحـت طرفا

(انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، باختصار)

وقد رأيت تميماً للفائدة وزيادة للفهم في معرفة الفارق بين وساوس الشيطان والوسواس القهرى أن أكتب ملخصاً من كلام بعض علماء السلف عن وساوس الشيطان وكيفية الخلاص منها.

معرفة مكائد الشيطان ومصائده والحذر من وساوسه ودسائسه(89)

قال العلامة ابن مفلح المقدسى رحمه الله:

اعلم أن الشيطان يقف للمؤمنين في سبع عقبات، عقبة الكفر، فإن سلم منه ففي عقبة البدعة، ثم في عقبة فعل الكبائر، ثم في عقبة فعل الصغائر، فإن سلم منه ففي عقبة فعل المبيحات فيشغله بها عن الطاعات، فإن غلبه شغله بالأعمال المفضولة عن الأعمال الفاضلة، فإن سلم من ذلك وقف له في العقبة السابعة، ولا يسلم منها المؤمن إذ لو سلم منها أحد لسلم منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى تسليط الأعداء الفجرة بأنواع الأذى(90).

فلا شك في أن معرفة العقبات التى يقف عندها الشيطان، ومعرفة مداخله إلى قلب ابن آدم مما يعين على الحذر منه، وأولى من ذلك بالذكر أن تعرف أن الشيطان عدو لبنى آدم فلا يمكن أن يأمره بخير أو ينهاه عن شر. قال الله تعالى: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [فاطر: 6].

وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّبعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحشَاءِ وَالْمُنكَرِ] [النور: 21].

(89) كتاب التقوى للشيخ أحمد فريد ص 45

(90) مصائب الإنسان من مكائد الشيطان (69) باختصار، وذكر ابن القيم رحمه الله هذه العقبات السبع في تفسير المعوذتين بأطول من ذلك فليراجعه من أراد زيادة التفصيل (73- 76).

قال أبو الفرج ابن الجوزى:

[إنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه، ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار يقظتهم، وغفلتهم وجهلهم، وعلمهم، واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب، وفيه ثلم(91)، وساكنه العقل، والملائكة تتردد على الحصن، وإلى جانبه ربضٌ(92) فيه الهوى، والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانع، والحارس قائم بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم، فينبغى للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكِّلَ بحفظه وجميع الثلم، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظة فإن العدو ما يفتر].

قال رجل للحسن البصرى: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة، وهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يتراءى بها صور كل ما يمر به، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يرد الدخان، وصقل الذكر يجلو المرآة، وللعدو حملات فتارة يحمل فيدخل الحصن فيكر عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث(93)، وربما أقام لغفلة الحـارس، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدرى به، وربما جرح الحارس لغفلته وأسر واستُخِدم(94).

(91) جمع ثلمة وهى موضع الكسر من القدح.

(92) المكان الذي يؤوى إليه.

(93) عاث: أى أفسد.

(94) باختصار من كتاب تلبيس إبليس (37- 38).

واعلم أن أول ما يغوى به الشيطان ابن آدم الوساوس التى يوسوس بها إليه، كما قال تعالى آمراً بالاستعاذة بالله عز وجل من وساوسه:

[قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِك النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ] [سورة: الناس].

فإذا غفل القلب عن ذكر الله عز وجل جثم عليه الشيطان وأخذ يوسوس إليه بالذنوب والمعاصى، فإذا ذكر الله عز وجل واستعاذ به انخنس الشيطان وانقبض، وإذا كره ما وسوس به فإن ذلك محض الإيمان، عن أبى هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: [وقد وجدتموه؟] قالوا: نعم. قال: [ذلك صريح الإيمان](95).

قال ابن القيم رحمه الله:

[الوسوسة هى مبادئ الإرادة، فإن القلب يكون فارغاً من الشر والمعصية فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه فتصير إرادة، ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمنى ويشهى وينسى علمه بضررها ويطوى عنه سوء عاقبتها فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط، وينسى ما وراء ذلك فتصير الإرادة عزيمة جازمة، فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مدداً لهم وعوناً، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجهم كما قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا] [مريم: 83]. أى تزعجهم إلى المعاصى ازعاجاً كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة].

(95) رواه مسلم (132). قال الإمام النووى في شرحه على صحيح مسلم (1/ 154): معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فان استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك.

فأصل كل معصية وبلاء إنما هى الوسوسة(96). (والمقصود وساوس الشيطان)

فمهما كان العبد مشغولاً بالطاعات وذكر الله عز وجل فإنه لا يكون عند ذلك محلاً للوساوس فإذا غفل عن الذكر والطاعة وسوس إليه الشيطان بالمعاصى كما قال ابن القيم رحمه الله: إذا غفل القلب ساعة عن ذكر الله جثم عليه الشيطان وأخذ يعده ويمنيه.

وأختم هذا الفصل بما يستعان به من طاعة الرحمن الرحيم حتى يحفظ العبد نفسه من وساوس الشياطين:

1- الاستعاذة بِالله قال الله تعالى: [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزغ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ] [الأعراف: 201].

وعن سليمان بن صُرد قال: كنت جالساً مع النبى صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: [إنى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد](97).

(96) باختصار وتصرف من كتاب تفسير المعوذتين لابن القيم (71).

(97) رواه البخارى (3282)، ومسـلم (2610). قال ابن كثير في التفسير (1/ 50): من لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وهو لتلاوة القرآن وهى استعانة بالله عز وجل واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطن الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ولا يقبل ممانعة ولا يدارى بإحسان بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن.

2- قراءة المعوذتان فقد قال صلى الله عليه وسلم: [لم يتعوذ الناس بمثلهن](98).

3- قراءة آية الكرسى عند النوم كما في حديث أبى هريرة فمن قرأها عند نومه لا يزال عليه من الله حافظ لا يقربه شيطان.

4- قراءة سورة البقرة، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم [إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان](99).

5- خاتمة سورة البقرة، عن أبى مسعود الأنصارى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه](100).

6- [لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير] مائة مرة من قرأها في يوم كانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك .

7- كثرة ذكر الله فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله تعالى.

8- الوضوء والصلاة قال ابن القيم: وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه.

9- إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس، فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة.(101)

(98) صحيح. رواه النسائى (8/ 251)، ورواه أحمد (3/ 417) بمعناه.

(99) رواه مسلم (780)، بلفظ: إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.

(100) رواه البخارى (4008)، ومسلم (807)، والترمذى (2881)، وأبو داود (1397).

(101) تفسير المعوذتين باختصار (82- 86) .

صفات مريض الوسواس القهرى الديني

1.

الرغبة في أداء الأعمال بدقة متناهية وبعناية فائقة.
2.

التردد والشك والتشدد.
3.

السلوك الصلب الجامد الخالى من المشاعر.
4.

العيش في يقظة دائمة قاسية ومعذبة.
5.

الانتباه الشديد لاحتمال ارتكاب أى ذنب أو خطيئة أو عمل لا أخلاقى أو كفرى.
6.

الاعتقاد الدائم بأن ذنوبهم لم ولن تغتفر.
7.

الغلو وتعدى الحدود والإسراف.
8.

ترك الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة.
9.

التشدد في الدين والزيادة على المشروع.
10.

استهلاك الكثير من الوقت والجهد لمحاولة دفع الأفكار والتصورات التى تسبب الضيق والقلق والقرف والخجل.
11.

بذل الكثير من الجهد والوقت في محاولة دفع السلوك القهرى.
12.

الإحساس الزائد بالمسئولية عن النفس أو الغير.
13.

العيش في خوف دائم وتوقع سوء المصير.
14.

فقدان لذة العبادة وحلاوة الإيمان أو الإحساس بمعية الله وذلك لاهتمام المريض برسم وشكل ومثإلية العبادة أكثر من اهتمامه بالتركيز والخشوع فيها، وبدلا من كونها وسيلة لزيادة الصلة بالله والقرب منه تصبح العبادة سبباً للهم والغم والكرب وتمنى الخلاص منها بسرعة.
15.

الانشغال بالمبالغة في الحروف ونطقها عن فهم التلاوة وتدبرها وحلاوتها.