يوميات أخصائية نفسية : إدمان الفيس بوك (1) العوامل النفسية والإجتماعية . داليا الشيمي

Posted on 6 نوفمبر 2010 بواسطة



جرت العادة على إطلاق لفظ الإدمان على بعض المواد التي يتعاطاها الشخص لإحداث حالة معينة تعتريه بكافة وظائفه وتشمل الكحوليات وبعض النباتات المخدرة التي يتم تناولها وكذلك بعض العقاقير التي قد تكون صُنعت لعلاج أمراض أخرى ولكن مع تناولها بطريقة وجرعات معينة تعطي هذا الأثر التخديري .

والإدمان من الأمور التي إهتمت بها العلوم كافة للتعرف على ماهيته وعوامل إقبال الأشخاص عليه خاصة تلك المخدرات التي ذكرناها، وأتذكر أن موضوع الإدمان من الموضوعات التي شغلت جزء كبير من دراستنا في مجال علم النفس أثناء سنوات الدراسة ،وأدين أنا بالفضل لهؤلاء المدمنيين الذين تعاملت معهم أثناء تقديمي للإرشاد النفسي والتقييم لهم ولذويهم على مدار ثلاث سنوات، فقد تعلمت منهم الكثير من خبايا النفس البشرية وضافوا لى أبعاداً كثيرة في معارفي بمدى تعقيد هذه النفس .

واليوم أتحدث عن نوع ربما يكون جديداً من الإدمان إعتدنا أن نقوله بشكل مجازي، ولكننا اليوم نقوله كواقع فعلي ، وهو (إدمان الفيس بوك) لقد أصبح هناك أشخاص بالفعل مدمنين للتعامل معه والتواجد عليه بحيث أصبح يشغل قدر كبير من حياتهم ولا يملكون منه فكاكاً، أى أنهم مقبلين عليه بشكل قهري ، وهذا ما يجعلنا نضمه ضمن فئة أو إصطلاح (الإدمان)، أو ما تم تسميته(بالإعتماد النفسي) ويظل ما يميزه فقط عن إدمان المخدرات هو (الإعتماد الفسيولوجي) الذي يتوفر في إدمان المخدرات ولا يتوفر في غيره من الأمور التي ندخلها الأن في فئة الإدمان .

ولكي نقترب من الصورة بدرجة أكبر، ونوضح لماذا تقع هذه الحالات في هذا النوع من الإدمان الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم دعونا نتعرف على أمرين هما طبيعة الفيس بوك ، وطبيعة الشخصية التي تدمنه لنرى العوامل التي تجعل بعض الشخصيات بالفعل تُقبل على أدمانه وذلك على النحو التالي:

أولاً طبيعة الفيس بوك :

يتميز الفيس بوك بعدة خصائص تشمل :

1- مجتمع يقوم على العلاقات غير المرئية أو غير المباشرة .

2- مجتمع يتيح للفرد التعامل مع أكبر عدد ممكن .

3- مجتمع لا يتطلب مهارات إجتماعية لإدارة العلاقات.

4- مجتمع يقوم على الخيال فيما نعرض وما يعرض علينا، فلا أحد يستطيع أن يُجزم أن ما يعرضه الفرد عن نفسه حقيقي، خاصة لو كنت لا تعرفه على الأرض، وهو ما يخلق للفرد الشخصية التي يتمناها ولو لبعض الوقت .

5- مجتمع يمكنك من تحقيق درجة تواصل بالحياة وما يحدث فيها بدرجة كبيرة وربما يجعل منك بأقل الإمكانيات بطلاً إذا ما إنتميت لبعض الجروبات أو بعض الإتجاهات .

أعتقد أننا متفقين على هذه الأمور ، وربما هناك غيرها من الصائص في هذا النوع من التواصل المبتور الذي يحقق الهدف لدى البعض .

ثانياً : خصائص الشخصية التي يمكن أن تصبح مدمنة للفيس بوك:

1- شخصية لديها وقت فراغ غير مُستغل .

2- شخصية ليس لديها قدرة أو فرصة لإقامة علاقات على الأرض، وبالتالي تستعيض عنها بهذا النوع من العلاقات.

3- شخصية ربما تعاني من قصور في مهارات التواصل إما نتيجة لتكوين الشخصية أو النشئة أو نتيجة لصدمة تعرضت لها مراراً من الأخرين على الأرض في علاقتها بهم فأصبحت تميل للتفاعل عن بُعد .

4- ربما تكون شخصية غير راضية عن وضعها أو ما تعيشه ، فترغب في خلق حالة أخرى تعيش فيها كما تتمنى دون أن يطالبها أحد بأن تكون هي بحقيقتها وتكوينها(وهذا تحديداً في الحالات التي تعيش بإسم مستعار ودون أن يعرفها أحد ، فالجميع يتعامل معها بما تقدمه لهم سواء إقترب أو بعد من شخصيتها الحقيقية).

5- شخصية تتميز بعدم قدرتها (بعض الشئ) على تحقيق أهدافها- وربما لم تستطع وضع أهداف أصلاً- في الحياة فتلوذ بالفرار إلى هذا العالم الذي كما ذكرت تحقق فيه ما تتمنى على مستوى متخيل وهو ما يحقق لها حالة السعادة الزائفة تماماً كما تحدثه قطعة الحشيش أو غيرها من المخدرات التي تصنع حالة مؤقتة وزائفة من السعادة تجعله أسيراً لها وعلى استعداد أن يدفع الكثير من أجلها .

وبعد أن تعرفنا على طبيعة الفيس بوك كمجتمع ، وكذلك طبيعة الشخصية التي يمكن أن تصبح مناسبة للإدمان عليه.

نتحدث الأن عن أهم الفئات التي يمكن أن تكون عرضه لهذا النوع من الإدمان :

1- النساء أكثر تورطاً في هذا النوع من الإدمان نظراً لمشكلات التواصل وبعض العوامل الخاصة ببعض الثقافات والتي قد لا تتيح للمرأة قدر من التواصل، إضافة إلى أن المرأة أكثر قدرة على الخيال وأكثر قدرة على مواصلة نفس العمل لفترات طويلة إضافة إلى خاصية الحكي أو قدرتها الأعلى على الحكايات وأيضاً الإستماع لها .

2- العاطلين عن العمل ، حيث يواجهون خطر شديد التأثير وهو الفراغ ، إضافة إلى بعض الإحباط الذي يحتاج معه لوسيلة لتخفيف عبئه عليه وعلى نفسه فيكون التواصل عبر وسيلة مثل الفيس بوك أكثر مناسبة .

3- الشخصيات الإنطوائية ، فهي لا تملك القدرة على التواصل مع الأخرين تواصلاً مباشرةً مما يجعلها أكثر قدرة ورغبة في هذا النوع من التواصل الذي لا يحتاج مهارات تواصلية كثيرة .

4- الأشخاص الذين لا يوجد لديهم فرصة للتواصل مع الأخرين مثل الفتيات في بعض القافات التي لا تتمكن من إقامة علاقات مع الأخرين لا لنقص في مهاراتها ولكن لطبيعة الثقافة .

5- الأشخاص بعد خروجهم من أزمة أياً كان نوعها أزمة في العمل أزمة عاطفية أزمة ناتجة عن فقدان صديق ….. فيكون التواصل من خلال الفيس بوك أفضل ذلك أن هذه الأزمات ربما تضرب بثقة الفرد بنفسه وبالتالي لا يكون مستعداً لإقامة هذه العلاقات مرة أخرى على أرض الواقع ، فتكون العلاقات من خلال الفيس بوك وكأنها مرحلة يعيد فيها تأهيل نفسه .

إلى هنا نكون قد تناولنا رصد الظاهرة ، والأشخاص الأكثر عرضه لها ، ووصفناها لتكون واضحة للجميع ، في الجزء الثاني إن شاء الله نتحدث عن المخاطر النفسية الإجتماعية لهذا النوع من الإدمان