سيِّد التفاصيل أحلام مستغانمي

Posted on 4 نوفمبر 2010 بواسطة



قلت للراحل الكبير مصطفى العقاد ذات مرة إنني أحسده على غليونه، لاعتقادي أنه مدين له بكثير من أفكاره، وبذلك الهدوء الظاهري الكاذب الذي يُخفي عن الآخرين غليانه الداخلي كمبدع.سقط غليونه في بركة دمه. لن نعرف أيّة فكرة كانت تراوده وهو يسحب منه نَفَساً، ما ظنّه سيكون الأخير.هو سيِّد التفاصيل، والأشياء التي تتكلم سينمائياً أكثر من أصحابها. أذكر تلك اللقطة التي تقع فيها النظارة الطبية لعمر المختار على الأرض، معلنة نهاية «أسد الصحراء»، وسقوطه على أيدي من قضى عمره في التصدي لهم.تُراه أدرك وغليونه يتطاير من فمه، مع أشلاء ثمانية وخمسين شخصاً، أحدهم أميرة قلبه ريما، ابنته الشابة الجميلة التي كان ينتظرها في بهو الفندق عروساً جديدة، جاءت تحضر عرساً. تُراه أدرك أن الموت كان بجواره، يدخن أيضاً غليونه الأزلي، في انتظار خطفها من حضنه، لحظة الضَّمة الأولى؟سيد التفاصيل، ما توقع أن حزاماً من المتفجرات تحت عباءة الإسلام، الذي زرع لواءه في كل أرض حلّ بها، سينسف في لحظة حقول الياسمين والزنبق التي قضى عمره في ريِّها بموهبته وصبره، كي يبدو العرب جميلين، والإسلام مُزهراً ومُورقاً بحضارته وإنسانيته ورسالته.هو الذي حارب أعداء الإسلام حتى في عقر دارهم في هوليوود، كان قدره أن يموت ميتة «حلال» على يد زوجين متطرفين قررا أن يذهبا في نزهة قتل، مستقلين نقليات الزرقاوي الموصلة إلى.. الجنة. ذلك أن الإسلام، حسب عقيدتهما «شجرة لا تُروى إلاّ بالدم».كان يظن، قبل أن تهديه العروبة كابوساً لن يستيقظ منه، أنه صانع الأحلام العربية الكبيرة، وزعيم أنشأ بملحمتي «الرسالة» و»عمر المختار» حزباً من المشاهدين. فقد سعى دوماً، وهو الناصري حتى العظم، إلى توحيد أمته قومياً وتراثياً ودينياً.. الأمة التي في إحدى غارات المسلمين على الإسلام، استكثرت عليه فرحته بلمِّ شمله مع ابنته.. وأهدته «وحدة الموت».أما كان نزار على حق عندما صاح من قهره:أنا يا صديقتي متعَب بعروبتيفهل العروبة لعنة وعقاب؟مثل ابن بلده مصطفى العقاد، نزار السوري القومي الناصري دفع ضريبة عروبته عندما، أيام الحرب اللبنانية، خطف منه الموت العربي الهمجي حبيبته وأم أولاده، في إحدى غارات العرب على إخوانهم العرب، فسقطت بلقيس قتيلة تحت أنقاض السفارة العراقية، وكتب نزار يومها وهو ينزف ما جال حتماً في قلب العقاد، خلال يومين وهو في العناية الفائقة، قبل أن يعود للحياة ليسأل عن ابنته.وما كاد يعرف بمصيرها حتى لحق بها، متأثراً بجراحه وصدمته النفسية: «ها نحن يا بلقيس/ ندخل مرة أُخرى لعصر الجاهلية/ ها نحن ندخل في التوحش/ والتخلف.. والبشاعة.. والوضاعة/ ندخل مرة أُخرى عصور البربرية/ حيث الكتابة رحلة بين الشظيّة والشظيّة/ حيث اغتيال فراشة في حقلها صار القضية/ ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا/ عن نجمة سقطت/ وعن جسدٍ تناثر كالمرايا/ ها نحن نسأل يا حبيبة/ إن كان هذا القبر قبرك أنت/ أم قبر العروبة.بلقيس: إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب/ ويأكل لحمنا عرب/ ويبقر بطننا عرب/ ويفتح قبرنا عربٌ/ فكيف نفرُّ من هذا القضاء؟لن أقرأ التاريخ بعد اليوم/ إن أصابعي اشتعلت/ وأثوابي تغطيها الدماء/ ها نحن ندخل عصرنا الحجري/ نرجع كل يوم، ألف عامٍ للوراء!».كُتبت هذه القصيدة سنة 1982. ماذا كان في إمكان نزار أن يضيف، لو أنه مازال بيننا اليوم؟