انا والظل والنور _____رسالة الأسبوع ( احلام مستغانمي )

Posted on 4 نوفمبر 2010 بواسطة



كيف أحافظ على ظلى؟ وهل من الضروري أن أحافظ عليه؟ وكيف أتخلص منه؟

فجأة أجد نفسى وجها لوجه مع ظلى، لأسائله من جديد يا هذا ماذا تريد مني؟

فيجيبنى الظل يا أنت ماذا تريد ليس مني ولكن من الحياة؟

– فعلا ما الذي نريده من هذه الحياة هو سؤال وجيه لم أطرحه على نفسي ولا مرة، أجابت بمكر لا أريد أن أعيش مثلك أيها الظل، ظلا..

– و ما العيب في أن تكون ظلا؟

– للظل وجهان فهو لا يظهر إلا في النور ويختفي في الظلام وكأنه وجه آخر للنور رغم كونه قمة السواد والعتمة، إنه يحاول أن يوهمنا بكونه وليد الظروف وأنه يرتبط بالخير والضياء والوضوح والصفاء.. إنه لا ملامح له فهو مجهول بإمكانه أن يخفي مشاعره أن يسوق نفسه، أن ينافق بحيث لا يمكننا أن نعرف عنه إلا ما يريد أن يبدي، وماذا يبدي غير السواد والشحوب؟ إن الظل إنسان هلامي وخام، داكن وبارد، ممثل وكاذب، كائن يشبه الفطريات.. يمتد ويأتلق لما يكون صاحبه في وضعية صعبة: تحت شمس حارة، أو لهيب جهنمي..

الوجه الثاني للظل أنه أحادي السمك لا تدرك هل ما يبدو منه هو شكله أو ماهيته؟ إنه دائم النط، فلما تطلبه تجده ممتدا طويلا أضعاف القامة، ولما تستغني عنه تراه صغيرا قصيرا ذليلا.. ولما تحاول مصالحته يتمنع.. كلما حاولت أن تطابق بينك وبينه، تجده يشاكس ويماكس لينسل منك بكل ليونة، ولما تتركه لحال سبيله  ليكاد يتشبت بأبسط أشيائكَ ولا ينصرف عنك إلا مكرها..

لكنني حتى اللحظة لا أقدر أن أستغني عنه تماما..؟

لا توجد قوة في العالم توقف مسيرتى لأقطع هذا الدرب الذي قَبِل منذ البدء رهان اجتيازه..

لكن أول ما عليا أن أتخلص منه هو الظل إنه ينهك قواى، بل إن الظل صار يحاول المسير عكس صاحبه، ويثبطه عن مراميه..

– يا هذا الظل لا تكن أحمقا وعنيدا، فأنا في سباق مع الزمن للخروج من هذا النفق المظلم، أفلا تفهم أن هذا في صالحك؟ ألا تفهم أنه بخروجي من هذه العتمة أريد الخروج بك إلى النور، حيث النور يمنحكَ الظهور والجلاء؟ ولكن لماذا أصلا أكون معنيا بأمركَ؟ فعلى الأقل لستَ وحدك الظلُ في هذا الوجود، كثيرة الظلال التي تحيط بنا وتحيطنا؟ لماذا أكون معنيا بأمرك في وقت تكون فيه أنت غير معني بأمر نفسكَ، وإلا لما كلما حاولت الاسراع في المسير أثقلتَني، وتمنعتَ عن اتباعي؟؟

استمر على الخط.. أحاور ظلَى ناسيا أن في هذه المحاورات قبول انهزاميٌ بالظل، فانا ما زالت أحمله معى وأكون في موعد معه بعد ما تنقشع أَخْفَتُ خيوط النور.

– ما الحيلة التي تنفعني لتجاوز الظل والانفلات من قبضته المحكمة علي؟ ليس لدي حل غير الاستمرار في الظلام، فأغيبه من الوجود معي، لكن هذا لا يعني نهائيا أنني طرحتُه عني، فهو سيكون غائبا ولكن سيظل موجودا، فهل أخرجه من الظلمات إلى النور، لعله بتحققه يُلْغىَ؟ لكن هل ما يزال يستحق أن أضحي بنفسي من أجله؟ وهو الظل الذي لا يكف عن التزيِ والتخفي والظهور بمظهر القديسين بتلك العمامة الداكنة، التي لا تبوح بشيء رغم أنها توحي بأشياء، من قبيل المحاولات الدائمة بإقناعنا بتلاشي الفروق والاختلافات والتمييز والعنصرية.. وكأنها تقول أنا الطهارة، أنا الخير، أنا المطلق، ولكنها لا تبدي لنا إلا وجهها كما الظل، أما عمقَها فيخفيه ويحجبُه طُهرُ سطحها، إنها تقول عن نفسها، وتعتقد في نفسها، ما ليس فيها.. وإلا على الأقل ما كانت مضطرة لأن تقول كل ذلك فالشكل ظاهري، لا يحتاج إلى التسويق؟ أما الباطن فهو نقيض الظاهر قد يطابق الشكل أو لا يطابقه، فهو يحتاج لغيره لتسويق ذاته.. وهو ما يجعل من الشكل والظاهر والأنا مركز اهتمامات الباطن..؟

ما زالت داخل نسق حواراتى أسير في ذلك الخط المستقيم نحو نور تلك الشمس التي تبدو بعيدة، أرمي بخطوات ثقال نحو مركز النور، لم أصل بعد إلى درجة التفكير في التخلي عن ظلى، إننى رغم إكراهات الظل، ما زالت أسعى إلى النور ليتحقق الظل، وبتحقق الظل سيفهم الظل أن صاحبه ما كان يسعى إلا لمصلحته، وفي مصلحته، مصلحةُ صاحبه..

أمشي وانا أحاور ظلى، وأتقبل منه كل مضايقاته، لأن الغاية هي التأكيد على كونى كائناً يعرف مصلحة ظله أكثر من غيره، فانا مُلزم بتحمله إلى أن اوصله إلى النور والتحقق.. لأنى وحدى القادر على رؤية جمال الظل وفهمه والانصياع لقراراته، ما دام الظل وجودا في النور، ما دام سيوجد في النور والضياء، فتتلاشى حدود الظل والنور ليحل الظل في النور ويغدو مرآة لى، فيغدو الظل هو الكائن الحقيقي بينما يغدو صاحب الظل ظلا لظله، وتابعا وديعا له..

في لحظة ما أدركت أن نورا يقترب منى.. بل يتوالى عليّ عدة مصابيح، يحملها نساء من شكل ما، يبدو أنى رائيتهن في مكان ما.. ولكنى أرفض الاستنارة بنورهن وإن كان فيه الخلاص، ترتدي كل واحدة منهن لونا ما، مختلف عن كل الأخريات، إنهن نساء ظاهريا يبدو أنهن أحاديات الأبعاد وانا يرفض كل شيء لا يساوي إلا ذاته، أي ذا بعد واحد، وإن كانت عيناى من تضفي الأبعاد، فنظرتُى قد أضفت كل المعاني على أخرى، إن عيناى أكثر ارتباطا وإخلاصا وصدقا منى.. تمر بمحاذاتى امرأة ترتدي اللون الأحمر، لكنها لا تحمل مصباحا، النور يشع من جهتها، إنها تحمل في يمينها نقطة وتحمل في يسارها خطا، خيرتنى بين الطريق، حيث أن أستمر في المسير تجاه النور المطلوب، وبين النقطة، فأتوقف هناك متعزيا بكونى فعلت كل ما أملك دون جدوى.. وعليّ أن أنظر إلى الخلف باعتباره أماما جديدا ومغايرا، فأختار أول حاملة لمصدر نور ولو كان فتيلا أو شمعة، يساعدنى على تحقيق ظلى والتطابق معه.. نظرت إليها مليا، بعدما فكرت في كونى ما زلت مشدودا إلى الأمام، إلى مصدر النور الأصلي، لكنى إذا اضطريت إلى الرجوع إلى الخلف سألقي عرضة الحائط بمطلبى وأنسى كليا ما سيصير “الخلف” والماضي، وأستنير بأول من تقدم لى النورَ كيفما كان حجم هذا النور، فمن الحماقة ان تعف عما يُعطى لتطلب ما لن يُعطى.. أعدت النقطة والطريق إلى يديها الرقيقتين كأجنحة الفراش،

 

الأهم هو أن يتحقق الظل لكي يُلغى، أنا رجل اختار الطريق رغم تكاليف الوفاء ولكِ أن تختاري الطريق أو أن تضعي النقطة

 

 

مسجل خطر

مصر