«نجيب محفوظ» في الذاكرة أحلام مستغانمي

Posted on 4 نوفمبر 2010 بواسطة



كان يومها تاريخ ميلاده، والتاريخ الذي نلت فيه جائزة تحمل اسمه، وهي جائزة، ما كنت سمعت بها من قبل، حتى انني ما كنت أعرف أن كاتبين سبقاني إلى نيلها.لم أكن يومها قد بلغت عمر الجوائز لأتوقع جائزة أو أسعى إليها. ولكنني بحصولي عليها عن روايتي «ذاكرة الجسد» بلغت عمر الفاجعة، ودخلت «ذاكرة الحسد». فلقد اكتشفت كم أن الطريق الى النجاح محفوف بالعداوات، وكم أنا عزلاء، أمام ذلك الكم من الأحقاد والدسائس التي لم أفهم لها سببا، لكوني اعتقدت دوما، أن الجوائز لم تصنع يوما مجد كاتب، بل كثيرا ما صنعت نكبته من دون أن تصنع بالضرورة شهرته.. أو ثروته.غير أن الآخرين يحسدونك دوما على الشيء الذي يعتبرونه الأهم بالنسبة إليهم، لا على الذي هو الأهم بالنسبة اليك، والذي من نعم الله عليك أنهم لا يدركونه، لأنهم يملكون أحلاما غير أحلامك. وأنا كانت مصيبتي دائما أنني أحقق أحلام الآخرين.مرت سنوات على نيلي جائزة نجيب محفوظ، ولم يبق منها في قلبي من بريق مراسيمها الرسمية، سوى تلك السعادات السرية التي عرفتها بمحاذاتها، وذلك التكريم الذي منحتني إياه الحياة في الخفاء.. بعيدا عن الأضواء، والتي إحداها حضور العزيز نور الشريف حفل تكريمي، لإعجابه منذ سنوات بـ «ذاكرة الجسد»، ورغبته في نقلها الى السينما.أما فرحتي الأخرى فكانت لقائي نجيب محفوظ وعبوري من الكتاب إلى الكاتب.. بذريعة جائزة.لا أنسى زيارتي الى بيته في شارع النيل. فقد فاجأني ذلك المبنى العادي بمدخله المتواضع، الذي تتجاور فيه سلال الورد التي فاض بها بيته بمناسبة عيد ميلاده، بمنظر قطة تأكل طعاما على الارض.قصدناه ذلك الصباح، أنا ومترجمة أعمالي إلى اللغة الانجليزية، و«نبيلة عقل» ممثلة الجامعة الأمريكية في القاهرة، وهي الجامعة التي تتولى ترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى اللغات الاجنبية، وكذلك أعمالي، بحكم الجائزة.فتحت لنا زوجته الباب بثياب البيت وبحفاوة تنسيك تواضع المكان، سارعت بإحضار المشروبات والحلوى لضيافتنا، ثم جاء نجيب محفوظ بقامته الهزيلة، التي لسبب غامض توقعتها أطول.. وأضخم قليلا، ربما لتتناسب في ذهني مع قامته الأدبية. كان مرتديا بيجاما مخططة يغطيها رداء من الحرير داكن اللون. كان بشوشا، مضيافا، سعيدا بلقائنا، وسعيدا لأن امرأة جزائرية حصلت على جائزته، وكان ممازحا، مما خفف من هيبتي في حضوره.. فقد بادرني بعتاب لطيف، لأنه انتظرني قبل ذلك بيوم مع مجموعة من الكتاب في موعده الاسبوعي، ولكنني لم آت. ولم أدر كيف أشرح له أنني كنت أريد أن يكون لقائي معه بعيدا عن عيون الصحافيين، وأنني آثرت أن ألتقيه في حضرة زوجته.. وقطته.. وما لم يذبل من ورد عيد ميلاده.عندما سألني عن الكلمة التي ألقيتها، والتي بلغه أنها كانت مؤثرة، استغربت أنه لم يطلع عليها، قبل أن يعترف لي متحسرا، بأن بصره لم يعد يتيح له القراءة، وأن ثمة رجلا يتطوع كل يوم ليقرأ له ربع ساعة.. الصحافة. وعندما عرضت عليه أن أقرأها عليه، اكتشفت أن سمعه أيضا أصبح خفيفا، بحيث لابد من الحديث إليه في أذنه بصوت مرتفع.. فرحت أقرأ عليه نصا.. لكأنني كتبته من اجله:«جميل كل ما يمكن أن يحدث لكاتب بسبب كتاب.. فبسبب كتاب يمكن أن تحب.. ويمكن أن تكره.. ويمكن أن تكرم.. ويمكن أن تُغتال.. ويمكن أن تُنفى.. ويمكن أيضا أن تحصل على جائزة لم تتوقعها يوما.. أن تكون كاتبا.. هو أن تكون على استعداد لأن يحدث لك أي أمر من كل هذا، مقابل.. حفنة من الكلمات».كان نصا كأنني كتبته من أجله. أستمع إليه وهو ممسك يده اليمنى التي شلها إرهابي.. بطعنة سكين.. بعد نيله جائزة نوبل.