نظرة جديدة إلى ثورة الشمال من خلال مذكّرات يوسف السعدون قائد ثورة القصير

Posted on 22 أكتوبر 2010 بواسطة



نظرة جديدة إلى ثورة الشمال من خلال مذكّرات يوسف السعدون

 

د. نادين المعوشي

 

المقدّمة

إنَّ كتابة تاريخ ثورة الشمال لم تَكتمل بعد، وفي الحقيقة، توجد مناطق منسيّة في جغرافية الثورة ويوجد ايضاً عدد من الوطنييين، ان كانوا من الريف او من المدينة، الذين رافقوا الزعيم الوطني لشمال سورية ابراهيم هنانو والذين يبقى تاريخهم غير مُكْتَمِل بعد. ومن المهم طبعاً ان يكتسب كل مَن شارك في كفاح تحرير الأرض اعترافاً يَليقُ به.

و بالنسبة لِثورة الشمال يُوجد لدينا نَوعين من الوثائق اللّذان يَحملان نَظرةً

مُتناقِضةً مُكَمِّلةً لهذه الثورة:

– الوثائق العَسكريّة الفرنسيّة مِن جهة

– ومذكرات السوريين المشاركين في الثورة من جِهة أخرى

و في قدر الامكان ينْبغي المقارنة ما بينَ هذه الوثائق والوثائق التركية المرتبطة بالحركة الكَمالية في جنوب الاناضُول وكليكية.

في هذه المقالة سأركّز على مصدر من مصادري وهو مذكّرات يوسف السعدون قائد المنطقة الأولى في ثورة الشمال. إنّ هذه المخطوطة محفوظةً في دار الوثائق التاريخيّة في دمشق١. وتُهِمُنا مذكّرات السعدون، بِشكل خاص، ليس لانها تعطينا معلومات عن العمليات القتاليّة وعن المجتمع الريفي آنذاك فحسب بل ايضاً لانها تُظْهِر على ساحة القتال قائداً – اي السعدون – وجَبَلاً – اي جبل القُصيَر – اللذانِ لم تركِّز عليهما الرواية التاريخية الوطنية.

عاش يوسف السعدون في قرية (التليل) في جبل القصير في قضاء أنطاكية. وضُمَّت هذه المنطقة في ١٩٢١ إلى لِواء إسكندرون وفي عام ١٩٣٩ سُلِخَت مع لواء اسكندرون وضُمَت الى تركيا.

لقد كان السعدون يَبْلغُ ٢٢ سنة من العمر عندما تَجَنَّد مُتطوِعاً في الجيش العثماني على أساس فارس جيّد ورامي ماهر. و بعد أنْ اشترك في ثورة الشمال بين ١٩١٩ و١٩٢١ لَجَأَ إلى تركيا مثْلَ غيْره من قادة ثورة الشمال. إنَّ شهادة السعدون على ثورة الشمال تُقَوِّي وتُعَزِّزُ عموماً الإعتبارات الّتي تُكوِّن الأجزاء الأربعة لهذه المقالة.

١ – الخلفية التاريخية للثورة وإنتشار حركة العصابات

أ ــ توضيح استعمال مصطلح «عصابات» في هذه الدراسة وما هي العصابة؟

لِاسباب متعلقة بتاريخ الوصاية الإستعمارية في بلاد الشام وبتاريخ العقود الأخيرة من القرن العشرين في المنطقة، صار استعمال بعض المصطلحات غير مفهوم او غير مقبول لدى مجتمع المشرق بشكل عام والمجتمع السوري بشكل خاص. من بينَ هذه المصطلحات، مصطلح «العصاب» الذي سُحِبَ منه معناه التاريخي الايجابي واستُبدلَ بمعنى سلبي ومحدود، مثلاً كما هو معرّف في قاموس المنجد بأنّه «جماعة منظّمة من المجرمين» (ص. ٩٨١، ٢٠٠٠).

كانت كلمة «عصابات» مستعملة في فترة الثورات السورية بمعنى المجموعة الثورية ولم تكن تحمل أي معن سلبي مثل اليوم. تمّ إستعمالها لغاية الستّينات (راجعوا كتابات إحسان هندي ويوسف الحكيم مثلاً). إستخدم بعض المشاركين السوريين في الثورات هذا المصطلح في كتاباتهم وعلى سبيل المثال: منير الريّس وابراهيم الشغوري وطبعاًٍ يوسف السعدون. وبعد الستينات، إختفى هذا المصطلح لصالح المصطلح الثاني الذي هو «ثورة» مع إنَّ مضمون المفهومَين يختلف. وكانت آنذاك الثورة في الأرياف مكوَّنة من عدّة عصابات.

فَكانت الحركة المسلّحة المضدّة للفرنسيين مكوَّنة من عدد كبير من جماعات المحاربين وسُمِّيَت آنذاك حركة العصابات. آلعصابة تعبّر عن شكل من الأشكال الإجتماعية والحربية وحتى القتالية.

فَالعصابة هي عبارة عن وِحْدة صغيرة من المقاتلين وعددهم مابين ٣٠ و١٠٠ رجل وأحياناً ٥٠٠ وأكثر. إنّ المقاتلين، إن كانوا فرسان أو مشاة، عُموماً هم قرويين أصحاب ملك ويَتْبَعُون رئيس عصابتهم. وفي منطقة الشمال، العلاقة ما بين المحاربين ورَئيس عصابتهم مؤسسة إجْمالاً على العصبية المحليّة٢.

إنّ طَريقِة الكفاح لدى العصابات كانت تعتمد على الإغارة وأخْذ الغنائم (أسلحة، عَتاد، ماشية) وأخْذ الضرائب. وكانت هذه المصادر تسمح بدفع رواتب المجاهدين وتكاليف المؤَن والعتاد.

وكان بإمكان العصابات أنْ تتحالَف مع بعضها البعض لتقوم بعملية مسلّحة. وبإمكانها أيضاٍ إقامة حلف مؤ قت مع عشائر البدو، وفي شمال سورية كانت مثلاً عشيرة الموالي نصف المستقرة تدعم الثوار. على ساحة القتال كانت تسهّل هذا الحلف الحركيّة الكبيرة والتشابُه في طريقة القتال لدى الطرفيَن. ولكن البدو والقرويون لم يختلطوا أثناء العمليات المشتركة مع بعضهم البعض كما هو مبيّن في قول السعدون «العصابات وفرسان البدو»٣.

كذلك أستعملُ هنا مصطلح «العصابة» كأداة تصوريّة لانه ليسَ فقط مفهوم ذات واقعيّة تاريخية فحسب بل له ايضاً بعْد في علم الإنسان (كما يبين خصوصاً في تعريف أصل الكلمة «عصب»

في القاموس لسان العرب).

ب. الخلفية التاريخية لثورة الشمال

في آواخر الحرب العالمية الأولى وإبتداءً من تشرين الثاني عام ١٩١٨، احتلّ الجيش الفرنسي السّاحل اللبناني السوري، واحتلّ بعد ١٩٢٠ كل سورية ضمن تطبيق إتفاقية «سايكس- بيكو» بين فرنسا وإنكلترا.

و في جبال سورية الغربية، من الشمال إلى الجنوب، قامت تدرجياً، بين ١٩١٩ و١٩٢١، حركةٌ مُقاوِمةٌ ضد الإحتلال الفرنسي وأخذت هذه المقاومة آهمية كبيرة في شمال سورية. فكان إنطلاق الحركات المسلّحة في سورية بتزامُن مع زحف القوات العسكرية الفرنسية على الساحل وفي منطقة إسكندرون. فسقطت مدينة إسكندرون في ١٣ تشرين الثاني ومدينة انطاكية في ٧ كنون الأول ١٩١٨. وحسب إتّفاقية ٢٣ تشرين الأول عام ١٩١٨، بينَ فرنسا وإنكلترا، كانت المنطقة الشرقية في بلاد الشام تحت إدارة عربية. ولغاية معركة ميسلون وإكتمال الإحتلال الفرنسي لِسورية، هذه المنطقة الشرقية كوَّنت القاعدة الخلفية للعصابات التي حصلت من خلالِها على العتاد والمساعدة العسكرية. زيادةً على ذلك، كان للفيَصليين الشريفيين عدة حاميات في المنطقة٤، وكانوا يهيمنون على المدن الأربعة في داخل سورية: حلب، حما، حمص ودمشق. لكن، في الخريف ١٩١٩، ضغط إنسحاب الإنكليز من سورية على العصابات بشكل كبير في حين كانت حكومة فيصل تحاول أن تأمّن مجالاً للمفوضات مع فرنسا لتمتنع القوات الفرنسية عن دخول المنطقة الشرقية.

و بعد معركة ميسلون، والتغيّر التامّ في ميزان القوى، لم تَبْقَ للعصابات الشمالية نافذة تنفُّس إلّا في جنوب الأناضول. وبعد إتفاقية أنقرة، في تشرين الأول ١٩٢١، بين فرنسا وتركية، تمّ إخماد ثورة الشمال مع إختفاء الدعم العسكري التركي والفقدان التام لإمكانيات التحرّك. وفي الواقع، لغاية ١٩٢١، في الشمال السوري، كانت جماعت المقاتلين تَعمل بالتعاون مع الجماعات (او العصابات) التركية التي تسمّى ” شاتا” ومع المراكز الكَمالية في جنوب الأناضول، وعلى سبيل المثال المدن التالية: مرعش، كيليس وعنتاب.

وبعد الحرب العالمية الأولى، بدأ عنصر جديد يلعب دوراً في العصابات السورية، من الشمال إلى الجنوب. وهو دور العسكريين ودور التجربة العسكرية في العصابات. في الحقيقة كان يوجد في العصابات إرث عسكري مزدوج.

٢– الإرث العسكري المزدوج في العصابات

ما هو هذا الإرث المزدوج؟

–       ١) هو من جِهة إرث التنظيمات العثمانية وخصوصاً الحداثة العسكرية المنقولة من قبل مجموعات أو هيئة الضباط المتخرّجين من الكلية الحربية في الآستانِةِ وحاملي ثقافة عسكرية مُوَجَّهه نحو الوطنية والتاريخ٥ ⁏

–        ٢) ومن جِهة ثانية يوجد إرث الحرب العالمية الأولى في مجال تعبئة الرجال ونشر الثقافة العسكرية الحديثة وتجربة القتال على نطاق واسع وكما سَهّلت الحرب العالمية أيضاً في تَوفير الأسلحة والعَتاد بكميات كبيرة.

وهكذا إنّ الخبرة والتجربة العسكرية أدتا إلى تحسين نوعي وكمي في قدرة العصابات بين ١٩١٩ و١٩٢١.

أ – العسكريون في الثورة

في الحقيقة ظهر نوعان جديدان من المحاربين في آخر الحرب العالمية الأولى:

– ١) أولاً، عدد من الجنود الُمسَرَّحين من الجيوش العثمانية والشريفية الفيصليّة إلتحقوا بالعصابات عند آخِر الحرب العالمية الاولى. إضافةً إلى أعداد من الجنود الفارّين من الجيوش الفرنسيّة والتركيّة.

–          ٢) ثانياً، الضباط من الجيوش العثمانية والعربية الفيصلية. فَبعد إنتهاء الحرب العالمية الاولى، كانوا يعملون كضباط إتصال بين الحكومة العربية ورؤساء العصابات قبل ميسلون، وكمستشارين عسكريين لدى العصابات طيلة فترة الثورة. وكان البعض منهم يترأس مباشرة جماعة مجاهدين (او عصابةً) وعلى سبيل المثال في شمال سورية: عاصم بك الذي كان ضابط في الأركآن العثمانية وحارب في البلقان وفي عام ١٩١٩ ألف مجموعة ثورية. وإبراهيم الشغوري من كفر تخاريم الذي كان ملازم وضابط إتصال مع العصابات في منطقة كفر تخاريم – سلقين وبالفعل تصرف على ساحة القتال كرئيس عصابة بمعنى أنه قادَ المحاربين في العمليات المسلّحة. وثريا بك، ضابط الأركان العربية في مدينة حلب، أصبح مستشار لرئيس عصابة أحمد بك في منطقة الحمام وإنطاكية.

و في مذكّراته ابراهيم الشغوري يفسّر دور ضباط إتّصال قبل ميسلون: « لكي تكون حكومة حلب على إتّصال دائم بالثورة وبما يجري في منطقتها وتمدها بالسلاح والعتاد عند الحاجة اليهما، أوفدت الفرقة الثانية الملازم ابراهيم الشغوري وهو من ابناء كفر تخاريم، الى منطقة العمليات ليكون همزة الوصل بينهما وبين القوى العاملة في المنطقة الغربية المحتلة من قبل الفرنسيين وليدرّب المجاهدون على استعمال القنابل اليدوية ويرشدهم الى ما فيه ازعاج الخصم والى ما تريده حلب (.. . )»٦.

إنّ هؤلاء الضباط كانوا قد تعلموا، من تجربة الجهاد في العراق عام ١٩١٤، ضرورة التدريبات العسكرية للمجاهدين في مواجهة جيوش نظامية حديثة. وتُظْهِر مذكّرات يوسف السعدون أهمية التدريبات لدى المجاهدين عندما مثلاً فرَّقَ بين ” جنود الثورة ” و”أهل القرى” مع إنّّ جنود الثورة هم نفسهم من القرويين. مثلما إنْدَهشت المخابرات الفرنسية في تقارير تقول فيها مثلاً إنَّ «التسلح والسلوك التنظيمي والطريقة الأوروبية للقتال واستعمال الخنادق، كل هذا يُظهر أنّ الجماعات التي هاجمتنا ليسوا قطاع طرق عاديين وإنما فرق مدرّبة»٧.

و في إطار إنتشار فاعلين ووسائل الحداثة العسكرية كبِر في الأرياف الشعور بالإفتخار بالثقافة وبالتجربة العسكرية.

ب ـ الإفتخار بالثقافة والتجربة العسكرية

لدينا في الأرياف ضباط مُكللين بهالة من الفخر بناءً على خبرتهم وإلتزامهم بجانب المجاهدين. وبوجود هؤلاء الضباط تَفَتَحَتْ العصابات على أنماط حديثة في التنظيم، إن كان عسكرياً أو غيره، وأيضاً في الثقافة العسكرية الحديثة المتوفرة في الكليّات العسكرية العثمانية. إضافة لذلك إن بعض رؤساء العصابات غير العسكريين مِهَنِيّاً اكتسبوا تجربة مهمة خلال الحرب العالمية الأولى. ومنذ تلك الفترة أصبحت الخبرة في القتال أهم من الأصول الإجتماعيّة للقائد وبدأ بعض الرجال يصلون إلى موقع رئيس عصابة إستناداً لخبرتهم العسكرية٨.

وعلى ضوء رواية السعدون نَوَّدُ أنْ نُشيرَ بأنّ العصابات جُمِعَت في إطار مناطق عسكرية. فكانت ثورة الشمال مكوّنة من أربع مناطق عسكرية وكان لِكل منطقة قائدٌ. وكان السعدون قائداً لمنطقة جبل القصير، كما كان نجيب عويد قائداً لقضاء حارم ومُصطفى حاج حسين قائداً لجبل الزاوية وعمر بيطار قائداً لجبل صهيون.

وفيما يتعلق بالرأي حول المحارب في ميدان العصابات فالمجاهد كان يُعتبر جندي نظامي (راجِعوا العِبارة ” جنود الثورة “) وكان يَقْبض عموماً راتباً بالمجيديّة، أي الليرة العثمانية الذهبية، على الأقل منذ خريف عام ١٩٢٠. وعلى ضوء مذكّرات السعدون ووثائق المخابرات الفرنسية إنّ بعض القادة مثل عقيل إسقاطي، فرضوا على رجالهم البِِزّة العسكرية. وصار بإمكان قادة المجاهيدين معرفة الفرق بين أنواع العمليات العسكرية وأنماط الوحدات العسكرية المختلفة عند العدو. على سبيل المثال، هذا المقطع من مذكّرات السعدون الذي يناقش فيه تقدير نجيب عويد لقوى العدو: «.. . ويقول أن خيام العدو كانت متصلة من وراد كفر تخاريم حتى أرمناز ويقول أن العدو كان فرقتين فرقة غوبو [Goubeau] وده بويفر[Debieuvre] فإذا كانت فرقة ده بويفر موجودة فيكون العدو ثلاث فرق حيث نحن تحاربنا مع فرقة الكولونيل أندريه

[Andréa] فعلى هذا القول يكون العدو ثلاثة فرق لا فرقتين ويقول أيضاً أن جيش العدو كانت عدته ثلاثة عشر ألف جندي، فعلى هذا التقدير يكون ثلاث فرق أيضاً لأن طابور الإفرنسيين خمسمائة جندي والفرقة تسعة طوابير أو عشرة فيكون مجموع الفرقة أربعة آلف وخمسمائة جندي أو خمسة آلاف جندي فالمجموع يكون ثلاثة عشر ألف وخمسمائة جندي أو خمسة عشر ألف جندي ومما لا شك فيه أن العدو كثير حيث جاء من حلب ومن اسكندرون ومن طريق دركوش فيكون الجند الذي جاء من حلب هي فرقة ده بويفر والذي جاء من اسكندرون فرقة الجنرال غوبو والذي جاء من طريق دركوش هي فرقة الكولونيل أندريه.. . »٩.

و من الواضح أنّ قادة الثورة لم يعجبوا فقط بالخبرة بل أُعْجبوا أيضاًً بالشكل العسكري الذي عَرِفوه خلال الحرب العالمية الأولى. ومن الواضح أيضاً أنّ الرغبة كانت موجودة في تحويل هذه العصابات وهؤلاء المجاهدين إلى نوع من أنواع الجيش النظامي وسوف تَظْهَر الإرادة في ذلك بشكلٍ واضح أيام الثورة السورية الكبرى. وعلى سبيل المثال يظهر الإفتخار بالثقافة العسكرية وبفكرة الجيش في هذا المقطع من رواية السعدون: « ثم بعد ذلك جاؤوا عندنا على القصير وكنت يوممئذ في قرية من قرى القصير إسمها (بابترون) ولما جاء الخبر بقدوم إبراهيم هنانو ومن معه أخرجنا الثوار وأوقفناهم على الطريق لتأدية التحية العسكرية ولما وصل ورأى هذا الترتيب العسكري الممتاز سر غاية السرور وقال للوفد كيف رأيتها ليس هؤلاء جنود في غاية التنظيم فأيده الوفد إعجابه.. . »١٠.

٣– العلاقات مابين المدينة والريف الثائر:

إعادة تقدير دور الأرياف

رواية السعدون تجسّد شهادة بإلتزام الأرياف، ومنها جبل القُصير، بالجهاد، وإلى إلتزام المُجاهدين، والصعوبات التي واجهوها. وأخيراً إلى إلتزام السعدون نفسه.

صَحيح أنّ جذور العصابات كانت في بيئة ريفيّة لكن بواسطة رؤساء العِصابات والضُباط المُستشارين، أصْبَح لديهم عَلاقة مع مدينة حلب. تأسست هذه العلاقة على عمليات الدعم (العَتاد، الخرطوش). ولكن من المؤكد أنّ الثوار والمقاومات المُضادة للفرنسيين لم يكن لديهم قيادة عسكريّة وسياسية مُوَحَّدة. فكانت القيادة في شمال سورية بالمعنى المحدد محلية وتعتمد على مجموعة من القادة العسكريين او الحربيين المحليين. فَبعد دخول الفرنسيين مدينة حلب ولُجوء إبراهيم هنانو الى كفر تخاريم وجولاته في الجبال، كان التعاون بينه وبين القادة العسكريين مثل السعدون والعويِّد مرسَّخ اكثر على الميدان وشارك هنانو في المعارك آنذاك. حتى أنَّ في خريف عام ١٩٢٠ المخابرات الفرنسية حسِِبته مرّة «رئيس عصابة في القصير» ومرة ثانية «رئيس عصابات المنطقة». في الواقع السعدون يذْكُر التزام هنانو على الميدان في ثورة الشمال. ولكن عندما نقرأ مذكِّراته نَشعُر بِالمرارة لِعدَم إلإعتراف بإلتزام الريفيين وبالذات جبل القصير.

في أوَّل الأمر، كان النقد موجَّهاً أساساً على إعطاء المدينة ألأوْلوية على الريف مع أنّ المدينة، إن كانت حلب او دمشق، لم تقاوِم العدو بسلاح. وكانت هذه الأولوية متعلِّقة بوجهة نظر الزُعماء اصحاب القرار السياسي وكتبة التاريخ المدينيين بعد الإستقلال.

ثانياً إَنْتَقَد السعدون طريقة أخِذْ القرار السياسي في الثورة: إن الزعماء المدينيين السياسيين إتخذوا، بعد إكتمال الإحتلال الفرنسي، قرارات مُتَعَلِقة بالثورة دونَ إسْتِشارة رؤساء العصابات الموجودين بالأصل على ساحة القتال. وتَضَمَّنت هذه القرارات مُستقبل الثورة ومواضيع عسكريّة مثلا: المُفاوَضات بين هنانو والضُباط الفرنسيين (الجنرال غوبو واليوتنون كولونيل فوان ١١) من جِهَة؛ ومن جهة ثانية إن قرار لُجُوء إبراهيم هنانو إلى الأردن جاء كإشارة لانتهاء الثورة رمزياً وسياسياً.

و بالنسبة لمسألة مبادرة وإستمرارية القتال في الثورة، إنَّ رواية السعدون تقدِّم شهادة تختلف جدّاً عن الأراء الموَحَّدة الموجودة على ساحة كتابة التاريخ؛ فالسعدون يقول في روَايتهِ بالمختصر: إنّ إنطلاق العمليات المُسلّحَة في كانون الثاني ١٩١٩ من قِبل رئيسين لعصابتين غير معروفين وهم -(محّو، وتك بيق حجي) تُبَيِّنْ بأن مدينة حلب والزعيم هنانو إلتحقوا بشكل طبيعي بِحركة المُقاومة التي كانوا يخططون لها. وكأنها سيناريو مُسْبَق لِما حَصَل في صيفية ١٩٢٥ بين جبل الدروز ومدينة دمشق. في الحقيقة، بعد إنتصار محّو وتك بيق حجي على الفرنسيين في معركة حمّام (في جنوب جبل ألأكرد) في مطلع عام ١٩١٩ ١٢ إجتمع رشيد الطليع، والي حلب، وإبراهيم هنانو، رئيس بلدية حلب، وصبحي بركات وقرّروا تشكيل ثورة في منطقة اسكندرون. وبعث صبحي بركات لَمحو الضابط عاصم بك والزعيم حقي بك من ملاك الأرض المعروفين في حين هنانو نادى شُجعان كفر تخاريم الى القتال. وبعد ميسلون وإكتمال الإحتلال الفرنسي، أعلن إبراحيم هنانو الثورة من موقع كفر تخاريم فسافر الى الأناضول وحصل على العتاد والأسلحة في إتفاقية تمّت بينه وبين الكولونيل الكمالي صلاح الدين باشا، في ٦ أيلول ١٩٢٠.

ووصفت رواية السعدون كيفية اعلان الثورة في جبل الزاوية ويُظهر هذا الوصف من اين جاءت مبادرة التعبئة: « فبعد هذا الحادث الذي تكرر اجتمعت وجوه قرى الجبل وتشاوروا بينهم وتم الاتفاق على إعلان الثورة والاتصال بإبراهيم هنانو والاتفاق معه على شريطة أن يؤمن لهم الخرطوش فلهذه الغاية أوفدوا من قبلهم أول وفد مشكل من أبو عدله من قرية مشون على ما أعتقد والثاني جميل الخبير من قرية سرمين فعرضوا على إبراهيم هنانو رغبتهم في إعلان الثورة فسر بهذا النبأ ودفع إلى أبو عدله صندوقين من الخرطوش وقلد به سيفاً وأعاده معززاً مكرماً»١٣.

كما يُوضّح السعدون في روايته أنّ ثورة الشمال بدأت قبل إعلان الثورة من قِبَلْ هنانو وبَقِيَتْ إلى ما بعد انسحابه إلى الأردن. كما إنَّ الوثائق العسكريّة الفرنسيّة ذَكَرَتْ في سِجِلاتها أسْمَاء آخِرَ قائديين على ساحة القتال في تشرين الأول والثاني سنة ١٩٢١ وَهُما عُمر البيطار والشيخ يوسف أيّ يوسف السعدون.

لكُلْ هذه الأسباب، علّقَ السعدون على تَسْمِيِة الثورة قائلاً: ” ثورة الشمال التي يُقال لها ثورة هنانو “. وإن التاريخ السوري يَذْكُر إجمالاً تَسْمِيَة ثورة هنانو كلَّما ذُكِرَتْ ثورة الشمال السوري. مع أن استعمال عبارة ” ثورة الشمال” استمر حتى بعد انتهاء الثورة وحتى إبراهيم الشغوري إستعمل تسمية « ثورة الشمال» في مذكراته. من هنا، الإفتراض التالي: إنتِقال تسمية الثورة، بعد بَحْث، من «ثورة الشمال» الى «ثورة هنانو» يعبّر عن إرادة إنتقال المبادرة في الثورة من الأرياف الى مدينة حلب ومن القرويين الى المدينيين ومن العمل الحربي على الميدان الى العمل السياسي.

٤ دوافع المُجاهدين في ثورة الشمال

تخْبِرُنا رواية السعدون عن دَوافع المجاهدين في هذه المقاومة الريفية المُسَلَحة، فَكانت الدوافع المُعلّنة في الرواية من نَوعين:

١– الدفاع عن البلاد او عن الوطن لا بمعنى الحيِّز الوطني أو القومي. في الحقيقة، مفهوم الوطن له معنيين – الوطن الصغير والوطن الكبير بالمعنى الحاضر – كما ذَكَرَ إحسان الهندي في مقالة عام ١٤١٩٨٠: « والوطن بالمفهوم الضيق هو الارض التي ولدنا فوقها وترعرعنا فيها وعاش فيها اباؤنا واجدادنا. وأما بالمفهوم الواسع فهو ارض الدولة بكاملها. » فالوطن هنا يعني الوطن الصغير أو الأرض المحلية. ونفهم ذلك بسهولة إذا تذَكَّرْنا عدم ترسيم حدود وطنية لسورية قبل ١٩٢١ أو ١٩٢٣ وحتى ١٩٣٣ بالنسبة للحدود السورية العراقيّة١٥.

٢– الدفاع عن الإسلام كدين وكثقافة اجتماعية. وهنا، مثلاً، يمكننا ان نعيد النظر في العبارة «جنود الثورة» التي تردِّد ايضاً عبارة «جنود الله».. . كما كانت مجموعة من مصطلحات المستعملة في الثورات مقتبسة من الثقافة الاسلامية: جهاد، مجاهدون والخ.

إذاً كُل التصوُّرات في الرواية تتقارب لتشير إلى القاعدتين الأساسيتين للهوية وهما: الأرض والإسلام وهما أساس تأكيد الذات الثقافي ضمن نظام إجتماعي تقليدي، وهو نفسه النظام العثماني الذي يَرْأس دار الإسلام آنذاك. إن الأرض تحمل هوية إسلامية لأنها ضُمن دار الأسلام فالدفاع عن الأرض هو إذاً الدفاع عن دار الإسلام لذلك فإن الجهاد في سبيل الوطن مُقدَّس.

وبالتالي مع تأسيس الجمهوريتين التركية والسورية إستمرت الأرض كقاعدة ورمز عن هويتها الوطنية لكنها أصبحت عربية في سورية وتركية في تركيا.

وفي الختام إن المجاهدين دافعوا عن الأرض التي غيّرت هويتها مابين أيام الثورة وعهد ما بعد الثورة وفي لواء اسكندرون انتقلت هوية الأرض من أرض إسلامية إلى أرض عربية سورية ومن ثم إلى أرض تركية خلال عشرين عاماً.

ً

ونفهم من ذلك بإنّ النخبة السياسية في حلب بعد الاستقلال لم تركّز على إدخال جبل القصير ورجال اللواء في الذاكرة المحلية والوطنيّة، وبعبارة أخرى، إنّ ذاكرة جبل ورجال اللواء حركت ذاكرة فقدان الأرض التي تحمل اليوم هوية مختلفة والتي خرجت من رهانات البناء القومي.

الخاتمة

ختاماً إنّ العصابات ضمن ثورة الشمال هي طبعاً ردة فعل للاحتلال الأجنبي وقد تكيّف هذا الرد مع آشكال البنية الإجتماعية والثقافية الخاصّة للمشرق العربي.

كما تَنْدَرِج العصابات ضمن تصورات ورؤى عن العالم سَبَقَت العهد الوطني القومي. لَكِنَّ هذه الفترة التاريخية حَمَلَت وأطلقت في الأرياف مبادىء الحداثة، من خلال الحداثة العسكرية ومتطلبات الهدف السياسي ضد الإحتلال.

إنَّ فترة ثورة الشمال، وعموماً فترة الثورات السورية، هي إذاً مرحلة إنتقال ما بين العصر القديم والعصر الجديد، وهي فترة مُوَجَّهة الى التجدُّد والتحوُّل الى سورية الحديثة. ولذلك إنَّ الإهتمام في كتابة تاريخ هذه الفترة الآساسية لا يَكْتَمِل إلا بأعادة قراءة المصادر المتوفرة لدينا.

المصادر والمراجع

١- في اللغات الأجنبية

رجعوا الملف word الملحق

٢- في اللغة العربية

–        في دار الوثأئق التاريخية في دمشق: مذكرات يوسف السعدون، ملف ١٢٧ ومذكرات إبراهيم الشغوريو ملف ١٢٨.

–        المنشورات:

–        يوسف الحكيم، سورية والعهد الفيصلي، دار النهار للنشر، بيروت ١٩٨٠.

–        خيريّة قاسمية، الحكومة العربية في دمشق ١٩١٨ـ ١٩٢٠، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، ١٩٨٢.

–        آصف شوكت، الثورات السورية ١٩١٨-١٩٢١ في المنطقتين الساحلية والشمالية الغربية، الأوس للنشر، دمشق، ٢٠٠٢.

–        منير الريّس، سورية بين عهدين، دمشق ١٩٢٨.


مركز الوثائق التاريخية في دمشق، ملف ١٢٧.

٢ تختلف القاعدة الإجتماعية للعصابة حسب المنطقة : قاعدة عشائرية أو عائلية و على سبيل المثال : آل جعفر في جبل هرمل و الأكروم و آغوات الدندشة في قضاء تلكلخ.

٣ يوسف السعدون، مذكّرات، ص ٣٨.

٤ كانت تضمّ حامية انطاكية حول ٤٠٠ جندي حسب الإستخبارات الفرنسية.

٥ على أوّلويّة و أهمية الإصلاح العسكري ضمن التنظيمات، راجعوا دراسة (اوديل موروOdile Moreau) المهمة و المبتكرة.

٦ مذكّرات ابراهيم الشغوري، مركز الوثائق التاريخية في دمشق، ملف ١٢٨، ص ٢.

٧ مقطع من تقرير المخابرات العسكرية الفرنسية للأسبوع بين ٢٦ ك.ث حتى ٢ شباط ١٩٢٠. دائرة الوثائق التاريخية للجيش البري في( ڤان سين) Service historique de l’Armée de terre, SHAT,Vincennes

٨ سوف يظهر هذا الأمر بوضوح في أيام الثورة السورية الكبرى عندما مثلاً عُين أحمد مريود على رأس جماعة كبيرة من الدروز بعد مقتل رئيسها شكيب وهّاب في وادي التيم في الخريف ١٩٢٥.

٩ يوسف السعدون، مذكّرات، ص ٢٧.

١ ٠يوسف السعدون، مذكّرات، ص ٢٩.

١ ١مقابلة  الليوتنون كولونيل فوان حصلت في ٩ نيسان ١٩٢١ و مقابلة الجنرال غوبو في ١٤ نيسان ١٩٢١. راجعوا الوثائق العسكرية الفرنسية و ومذكرات السعدون و Général du Hays المجلد الثاني، ص ٤٥٩ـ٤٦٠ و ٤٦٩.

١ ٢يوسف السعدون، ص ٥.

١ ٣ يوسف السعدون، مذكرات، ص ٢٢.

١ ٤ « القومية والوطنية والجنسية» مقالة  بقلم د. إحسان هندي، الشرق الأوسط، ١٥/٩/١٩٨٠.

0                   ٥ راجعوا مقالة الزميل عمار السمر في هذه المنشورة