إبراهيم هنانو والثورة الهنانية الدكتور عبد الكريم رافق

Posted on 22 أكتوبر 2010 بواسطة



البحث الثاني: الجلسة الأولى:

إبراهيم هنانو والثورة الهنانية

الدكتور عبد الكريم رافق

1 – مقدمة.

2 – الوضع السياسي في سورية قبيل الثورة.

3 – هنانو والثورة الهنانية.

4 – تحليل الثورة الهنانية ودلالاتها.

5 – خاتمة.

1 ـ مقدمة:

منذ أن بدأ الاحتلال الأوروبي للأقطار العربية في مغربها ومشرقها، على مدى ما يقرب من القرن، بدءاً باحتلال فرنسا للجزائر في عام 1830، وانتهاءاً باحتلال بلاد الشام والعراق، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت الثورات في الأرياف في طليعة من تصدى لهذا الاحتلال، وأمثلة ذلك كثيرة منها ثورة الأمير عبد القادر في ريف الجزائر في عام 1830، وثورة القبائل على الحكم الفرنسي في تونس عام 1881، ثم ثورة القبائل على الحكم الفرنسي في مراكش في عام 1912، وما تلاها من ثورة الأمير عبد القادر الخطابي في ريف المغرب ضد إسبانيا في عام 1920، وضد فرنسا في عام 1925، وثورة الحركة السنوسية وزعيمها عمر المختار في ليبيا بدءاً من عام 1912، ثم ثورات بلاد الشام التي قام بها إبراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان الأطرش ضد الفرنسيين في الفترة بين 1918 و1925، وثورات العراق التي قامت بها قبائل خزعل في المحمرة مدعومة بثورة طالب النقيب في البصرة ضد الإنكليز بين عام 1914، و1921.

وهكذا ألقيت مسؤولية مقاومة الاحتلال الأوروبي في بدايته على القوى التقليدية المتواجدة في الأرياف نظراً لضعف المنظمات الوطنية في المدن ومقاومة الحكم العثماني السابق لها منذ ظهورها، واضطرارها للعمل بسرية وبأعداد قليلة في حين تمتعت القوى التقليدية في الأرياف بسعة الفضاء الجغرافي، وبخاصة وجود المناطق الجبلية فيه وملاءمتها لحرب العصابات التي شنتها هذه القوى ضد الاحتلال الأجنبي، كما أن الولاء القبلي لشيوخ القبائل، وتقاطعه مع الولاء الديني – الصوفي الذي تمتع به معظم قادة الثورات، بالإضافة إلى السلطة الإقطاعية للعديد منهم والتفاف الفلاحين من حولهم لكون هؤلاء الزعماء الإقطاعيين ليسوا من الأغراب بل من بين صفوفهم – أعطى للثورات في الريف زخمها ومصداقيتها للشعارات التي طرحتها، وهي الدفاع عن الوطن والدين والعائلة والشرف، ومن هنا الحاجة الماسة لدراسة هذه الثورات ككل بزعاماتها وولاءاتها وأطر تنظيمها، وبنجاحاتها وخساراتها، والقوى التي جابهتها، والأساليب التي اعتمدها المحتلون والثائرون، والدروس التي تعلمها كل فريق منهم، على امتداد الفترة الزمنية بين عامي 1830 و1925. ولهذه الدراسة أهميتها لأنها تعدّ المرحلة الأولى في النضال الوطني الذي انتقل بعد ذلك من الأرياف إلى المدن واطلعت به أولاً قيادات أرستقراطية بورجوازية من خلال أحزاب تخدم في الغالب مصالحها، ومع ذلك أمكنها الحصول على المعاهدات من قبل الدول المستعمرة التي أنهكتها الحرب العالمية الثانية، وكذلك تنامي الحركة الوطنية. وأتيح المجال عند ذاك للأحزاب العقائدية ذات التوجه الاجتماعي والاقتصادي لأن تستولي على الساحة السياسية وتستقطب سكان المدن والأرياف على حد سواء.

ولا تستقيم معرفة هذه التطورات في قوى المقاومة للاحتلال الأجنبي التي شملت أقطار الوطن العربي، مشرقه ومغربه، بدون البدء بدراسة المقاومة الوطنية في كل قطر على حدة، ثم مقارنة المقاومة في الأقطار العربية مع بعضها، ومن هنا أهمية هذه الندوة التي تركز على ثورة إبراهيم هنانو كنموذج لثورات الريف في سورية، كما في الأقطار الأخرى، من حيث زعاماتها وتنظيمها وشعاراتها وتمويلها والأساليب القتالية التي اتبعتها.

2 ـ الوضع السياسي في سورية قبيل الثورة:

لا يمكن دراسة ثورة هنانو بدون التعرف على الوضع السياسي في سورية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وخسارة الدولة العثمانية الحرب، وإنشاء الحكومة العربية في دمشق، وما أفرزته هذه الأحداث من تطورات محلية وإقليمية وعالمية.

كانت الثورة العربية التي أعلنها الشريف حسين في الحجاز في 10 حزيران 1916 على الدولة العثمانية، بتأييد من الحركة العربية في دمشق التي ساق الحكام العثمانيون من جماعة الاتحاد والترقي كبار زعمائها إلى المشانق في دمشق وبيروت في 6 أيار 1916، نقطة مفصلية في إضعاف الدولة العثمانية – دولة السلطنة والخلافة – وبخاصة في تدمير الثوار للخط الحديدي الحجازي الذي كان يربط دمشق بالمدينة المنورة وينقل الجنود العثمانيين وحلفائهم الألمان وعتادهم إلى الجزيرة العربية حيث يهددون المصالح البريطانية. وفي الوقت الذي كان فيه الإنكليز يفاوضون الشريف حسين لإعلان الثورة وإعطائه الوعود بالاستقلال وبالخلافة كانوا يخططون مع الفرنسيين على اقتسام بلاد الشام والعراق فيما بينهم، كما تبلور ذلك في اتفاقية سايكس – بيكو في 16 أيار 1916. وجاءت أحداث عام 1917 لتزيد في توتير الأجواء العالمية، من ذلك إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ألمانيا في نيسان 1917، وحدوث الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر (تشرين الأول) 1917، التي أدت إلى خروج روسيا من الحرب وإعلانها اتفاقية سايكس – بيكو السرية للعرب، ثم إعلان وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وبانتهاء الحرب العالمية الأولى، وتوقيع تركيا هدنة مودرس مع الحلفاء في 30 تشرين الأول 1920 وجلاء القوات العثمانية عن آخر معاقلها في سورية في دير الزور في 12 تشرين الثاني 1918، بعد أن انسحبت من دمشق في 27 أيلول، ومن حلب في 25 تشرين الأول، بدأت بريطانيا وفرنسا بتطبيق اتفاقية سايكس – بيكو، وتشكلت في هذه الأثناء حكومة عربية في دمشق برئاسة فيصل ودعم الإنكليز له.

وقد وضعت الحكومة العربية أسس الدولة العربية الحديثة بإقامتها المؤسسات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية([1]). واعتمدت سجلات محكمة البداية في دمشق تاريخ ابتداء الدولة العربية في غرة محرم 1337/7 تشرين الثاني 1918، وبدأ ترقيم القضايا برقم واحد إثر ذلك، كما استخدمت اللغة العربية محل اللغة التركية في السجلات([2]).

وتطبيقاً لاتفاقية سايكس – بيكو أخذت فرنسا بالتوسع العسكري على الساحل السوري باتجاه الشمال ثم حلب وكيليكيا. وحدث تقارب في هذه الأثناء بين حكومة فيصل وحكومة مصطفى كمال المنشق عن حكومة السلطان – الخليفة المهزومة تجاه العدو المشترك فرنسا التي أعطيت كيليكيا بموجب معاهدة سيفر في 10 آب 1920، كما تقاسمت فيها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان معظم الأراضي التركية. وتحدثت الأنباء عن عقد اتفاقية تحالف بين فيصل ومصطفى كمال في 16 حزيران 1919، وأشارت المصادر البريطانية التي أوردت نص هذه الاتفاقية باللغة الفرنسية إلى أنها سرية ومزعومة، وأنها حصلت عليها بواسطة عميل من موظف في وزارة الداخلية في استانبول. وليس هناك من مصادر تثبت صحة هذه الاتفاقية، إلا أن الأجواء آنذاك ترجح عقدها، ومن ذلك حاجة كل من الحكومة العربية وتركيا إلى التعاون ضد العدو المشترك فرنسا. كما أن الاتصال وإرسال الوفود بين الطرفين كان مستمراً، وذكر أن الأمير فيصل سافر من دمشق إلى حلب في 9 حزيران حيث ألقى خطاباً في النادي العربي([3]). ومما يجدر ذكره أن البند التاسع والأخير من الاتفاقية يذكر أنها كتبت على نسختين وقعتا وتبودلتا في حلب في 16 حزيران 1919 بوساطة أسعد بك متصرف الكرك، ويلي ذلك اسم مصطفى كمال واسم الشريف فيصل.

وجاء في البند الأول من هذه الاتفاقية أن الفريقين المتعاقدين، الأمة التركية والأمة العربية يشهدان بكل أسف انقسام العالم الإسلامي، وأن واجبهما رأب الصدع وتأكيد التعاون بين الأمتين اللتين تربطهما المصالح المادية والروحية والدينية، وأن على الأمتين التعاضد والدفاع بقواتهما الموحدة عن الدين والوطن وجاء في المادة الثانية أنه في هذه اللحظة التي يتهدد فيها استقلال العرب ووحدة وحرية الأتراك فقد عزمنا على إعلان الجهاد المقدس للدفاع عن الدين والوطن، وذلك برفض تقسيم الإمبراطورية التركية والبلاد العربية أو احتلالها من قبل القوى الأجنبية، وتعترف الحكومة العثمانية رسمياً بتشكيل حكومة عربية ينضم إليها الحجاز والعراق وفلسطين وبيروت وحلب شريطة أن ترتبط البلاد العربية بالإمبراطورية العثمانية، وتصادق الحكومة العثمانية على سلطة الشريف حسين على هذه البلاد. ولكي يبدأ الجهاد المقدس يوجِّه الشريف حسين بياناً بذلك إلى كل البلاد العربية، وينظم جيوشاً وطنية، ويتعهد الشريف بمساعدة القوى الوطنية في الأناضول، ويتعهد الطرفان المتعاقدان بالتعاون المتبادل مادياً ومعنوياً في الهجوم، كما في الدفاع، حتى تحقيق هدفهما، ويعلم الشريف كافة العرب والمسلمين ببنود الاتفاقية ويحثهم على الانتفاضة العامة([4]).

ومما تجدر ملاحظته أن مصطفى كمال قام بإرسال الذخائر إلى ثوار إبراهيم هنانو وصالح العلي وأرفق ذلك بسرية عسكرية رمزية في هذه الأثناء ربما تطبيقاً لهذه الاتفاقية، كما أنه وجَّه بياناً في 9 تشرين الأول 1919 إلى السوريين نشره مؤيدوه في حلب يهيب بهم، كأخ في الدين، ألاَّ يأخذوا بالصراع الذي فرَّق بيننا، ويدعوهم لإنقاذ البلاد والإسلام من أيدي الأعداء([5]).

وفي محاولة من حكومة الملك فيصل في دمشق في الأسابيع الأخيرة من وجودها لتجنيد كافة القوى لمجابهة الخطر الفرنسي وصل يوسف العظمة وزير الحربية في حكومة هاشم الأتاسي التي شكلت في 8 أيار 1920 إلى حلب بتاريخ 8 حزيران 1920 واجتمع بقائد القوات الوطنية التركية العاملة في كيليكيا، في قرية ترجمان، قرب كلِّس لتنسيق الجهود العسكرية، ولم ينجح في ذلك بسبب تحسن العلاقات آنذاك بين الأتراك والفرنسيين، كما أن الملك فيصل نفسه وصل إلى حلب في 15 حزيران 1920، وحاول الاتصال بالأتراك للحيلولة دون الاتفاق بينهم وبين الفرنسيين، ولم ينجح.

ومما يذكر أن الحكومة العربية في دمشق التزاماً منها بتأييد تركيا ضد الفرنسيين رفضت إنذار الجنرال غورو لها بتاريخ 14 تموز 1920، أي قبل أحد عشر يوماً من احتلاله دمشق، والذي طلب في بنده الأول الموافقة على استخدام الفرنسيين سكة حديد رياق – حلب لنقل الجنود والعتاد إلى الشمال باتجاه أورفه وكلِّس وعنتاب. ويذكر ساطع الحصري، وزير المعارف آنذاك في الحكومة العربية أن موقف حكومة فيصل هذا ساعد الأتراك مساعدة ثمينة وأزعج الجنرال غورو بدرجة كبيرة، واستغل ذلك مع ادعاءات أخرى لاحتلال دمشق في 25 تموز 1920([6]).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤتمر السوري الذي انعقد في دمشق ونصَّب الأمير فيصل ملكاً على سورية في 8 آذار 1920 لم يعلنه سلطاناً أو خليفة لأن السلطان الخليفة كان لا يزال موجوداً في استانبول، كما أن الشريف حسين والد الملك فيصل كان يطمح بالحصول على لقب الخليفة، بل أعلنه ملكاً، مما يدل أيضاً على قوة الرأي العام العربي المتحرر آنذاك في دمشق([7]).

3 ـ وقائع الثورة الهنانية:

تتزامن، بل تترابط، ثورتا إبراهيم هنانو وصالح العلي، في الفترة بين عامي 1918 و1921، من حيث زعامتهما، والتفاف السكان من حولهما، وأساليب قتالهما، وشعاراتهما، وتمويلهما، ووعورة المنطقة التي عملتا فيها، وكذلك في الطرق والأساليب التي اعتمدها الفرنسيون في مجابهتهما، ولهذا كثيراً ما تدرسان معاً، ومن الدراسات ما ركز على العمليات العسكرية بتحليلها ورسم المصورات لها([8])، ومنها ما درس الثورتين، وكذلك ثورة سلطان الأطرش في جبل العرب وامتدادها إلى غوطة دمشق في عام 1925([9])، ونظراً لاقتصار هذه الندوة على ثورة هنانو فإننا نركز عليها مع إشارات إلى ثورة صالح العلي التي واكبتها.

كانت أسرة هنانو من الأعيان في منطقة كفر تخاريم التابعة لقضاء حارم غربي حلب، وقد ولد في كفر تخاريم في عام 1869، ويتميز عن زعيمي الثورة الآخرين صالح العلي وسلطان الأطرش، في أنه درس في استانبول على غرار الكثرة من السوريين، وذلك بعد أن أنهى دراسته الابتدائية في كفر تخاريم والثانوية في حلب، ثم التحق بالخدمة الإجبارية في الجيش العثماني، وبعد انتهائها سافر إلى استانبول حيث أمضى سبع سنوات حصل فيها على شهادة في الإدارة العامة في المدرسة الملكية المشهورة، كما حصل على شهادة أخرى في الحقوق وعمل في الإدارة العثمانية قائمقاماً في نواحي أرضروم، ثم عين مستنطقاً في كفر تخاريم، وانتخب بعدها عضواً في مجلس إدارة حلب، ثم عين رئيساً لديوان الولاية فيها. وبعد أن أعلن الشريف حسين الثورة العربية في 10 حزيران 1916، التحق هنانو بجيش الأمير فيصل برتبة ضابط، ودخل حلب مع القوات العربية والبريطانية، بعد انسحاب الأتراك منها في 25 تشرين الأول 1918. وكان هنانو عضواً في الجمعية العربية الفتاة السرية، وعهد الأمير ناصر شقيق الأمير فيصل، قائد القوات العربية في الشمال، إلى هنانو بإقامة حكومة عربية في منطقتي حارم وكفر تخاريم حيث تقوم زعامة أسرة هنانو، وذلك بعد انسحاب الجيش التركي منها، فأقام هنانو هذه الحكومة في تشرين الثاني 1918، ولكن الجنرال البريطاني اللنبي أعلم ممثل الحكومة العربية في حلب أن هاتين المنطقتين تقعان ضمن النفوذ الفرنسي فاستدعي هنانو إلى حلب. ثم اختير ممثلاً عن قضاء حارم في المؤتمر السوري الذي انعقد في دمشق في 2 حزيران 1919. وكان الجيش الفرنسي آنذاك يقوم باحتلال الساحل السوري باتجاه الشمال فعهد المؤتمر إلى هنانو في تشرين الأول 1919 بقيادة الثورة في المنطقة الشمالية([10]).

وجنَّد هنانو في حلب 680 شاباً في عصبة الدفاع الوطني، كما قام بجمع المال والسلاح لهم، وتعاون في ذلك مع رجال النادي العربي في حلب، وضمَّ هؤلاء نخبة من التجار والمثقفين مثل التاجر نجيب باقي، والطبيب عبد الرحمن الكيالي، والشيخ مسعود الكواكبي رئيس النادي([11]).

وكانت ثورة هنانو في الشمال، على غرار ثورة صالح العلي في المنطقة الغربية – الساحلية، وثورة صبحي بركات في منطقة الإسكندرونة – أنطاكية على اتصال وثيق بالحكومة العربية في دمشق، ويمثلها رشيد طليع والي حلب.

وكانت ثورة صحبي بركات أضعف هذه الثورات وقد غلب فيها العنصر التركي، وعرف عن صبحي بركات أنه لا يتقن العربية، وتعاون مع ابن خالته عاصم الضابط في الجيش التركي وأصله من أنطاكية، وقد نفته الدولة العثمانية لخلاف بينهما إلى أنطاكية، وأغرى الفرنسيون صبحي بركات وعاصم بالاستسلام ففعلا، وجاء صبحي بركات إلى حلب بعد أن احتلها الفرنسيون في 21 تموز 1920، في حين غادر عاصم إلى منطقة مرعش ودعم فيها الثوار الأتراك ضد الفرنسيين، وكافأ الفرنسيون صبحي بركات بتعيينه رئيساً للاتحاد السوري، الذي ضمَّ دولتي دمشق وحلب وبلاد العلويين، في 28 حزيران 1922، واستمر في هذا المنصب حتى استقالته في 21 كانون الأول 1925، وهناك من يقول أن تعيينه لهذا المنصب كان بإلحاح تركيا وإرضاء لها من قبل الفرنسيين([12]).

وهكذا ألقيت على كاهل هنانو، بعد استسلام صبحي بركات، قيادة أربع ثورات في المنطقة الشمالية، الأولى في منطقة أنطاكية المعروفة بالقصير حيث تزعم الثائرين يوسف السعدون الذي ترك مذكرات هامة غير منشورة([13])، والثانية في منطقة صهيون، ومركزها الحفة، حيث تزعم الثائرين الصهاونة عمر البيطار، والثالثة في جبل الزاوية بزعامة مصطفى الحاج حسين، والرابعة في منطقة كفر تخاريم برئاسة نجيب عويد، وكان هنانو القائد الأعلى لهذه الثورات التي عرفت بمجموعها بالثورة الهنانية.

وكان هنانو، على غرار صالح العلي والثوار الآخرين، يتلقى الدعم من الحكومة العربية في دمشق التي أمدته بالسلاح والعتاد والمال وبالضباط لتدريب الثوار، ومن هؤلاء إبراهيم الشغوري الذي أصبح أمين سر ثورة هنانو ومرافقة العسكري وترك مذكرات هامة غير منشورة عن ثورة هنانو([14])، وقد ضغط الإنكليز على حليفهم الشريف حسين الذي كانوا يقدمون مساعدة مالية له لعدم إرسال أية مبالغ للثائرين على حلفائهم الفرنسيين.

وحين احتلت القوات الفرنسية دمشق في 25تموز 1920، وقبلها حلب في 23 تموز غادر الملك فيصل وبعض وزرائه دمشق إلى شرق الأردن، ومثله فعل والي حلب رشيد طليع ومدير شرطتها نبيه الغزي، وانقطعت بذلك معونة الحكومة العربية عن الثائرين، فقرر هنانو ورفاقه، كما فعل صالح العلي، الاتصال بتركيا التي تحارب الفرنسيين في كيليكيا للحصول على الدعم، وسافر هنانو على رأس وفد من الثوار إلى تركيا في 17 آب 1920، وقابل في مرعش صلاح الدين عادل بك قائد الفيلق الثاني التركي، ووقعت اتفاقية بين الطرفين في 7 أيلول 1920، واتفق كما يروي الشغوري عضو الوفد ومرافق هنانو، أن ما يقوم به هنانو من أعمال حربية هو باسم الحكومة العربية السورية، أي أن تركيا اعتبرت هنانو استمراراً للحكومة العربية وأن ما يعطي للجانب السوري من عتاد وسلاح يكون هدية لا قيمة له في الحال والمستقبل، وتقرر أن تبقى الحدود مفتوحة لتبادل التعاون العسكري عند الاقتضاء([15]).

ويذكر يوسف السعدون، زعيم الثورة في منطقة القصير، أن من جملة بنود الاتفاقية أن تقدم تركيا الخرطوش ومدفع واحد أو أكثر حسب اللزوم، وأن لا تحدد الحدود بين سورية وتركيا إلا بعد جلاء العدو عن أراضيهما وحصولهما على الاستقلال التام فعندئذ تعين لجنة مشتركة لوضع الحدود، كما تقدم الحكومة التركية بعض الجنود المدربين على المدفعية لتدريب الثوار، وحين يتوافر بين الثوار متدربون على المدافع بأنواعها يعود هؤلاء الجنود الأتراك إلى بلادهم([16]).

وكان تزويد تركيا الثوار بالخرطوش والعتاد من أهم العوامل التي مكنت الثائرين من متابعة القتال، وبخاصة بعد انقطاع دعم الحكومة العربية للثوار، كما أن الدعم التركي للثوار كان يصب في مصلحة تركيا، كما الثوار، ذلك أن الثوار السوريين كانوا يشغلون قوات فرنسية كبيرة كان من الممكن أن تدعم القوات الفرنسية العاملة ضد الأتراك في جبهة كيليكيا، والعكس صحيح أيضاً، أي أن اتفاق الفرنسيين مع الأتراك فيما بعد وجَّه آلاف الجنود الفرنسيين من جبهة كيليكيا ضد الثوار في سورية ما اضطر هؤلاء على الاستسلام، كما سنرى لاحقاً.

وقد وجّه هنانو، في أعقاب عودته من تركيا في 12 أيلول 1920، بياناً إلى الشعب بدأه بعبارة: «من العرب إلى العرب»، وجاء فيه ما بالكم ترضخون وأنتم خير أمة أخرجت للناس إن جريمتكم أنكم من أبناء الشرق المسلمين، ونبّه إلى اتخاذ الفرنسيين الأديان ستاراً للمطامع، وأهاب بابن سورية أن ينهض للمحافظة على حريته ودينه، وأشار إلى الخونة وعقابهم ووجّه نداء إلى قناصل الدول يناشدهم فيه التوسط لوضع حد لسفك الدماء، واختتم البيان بالقول: نحن السوريون نموت ونتبلشف، أي نصير شيوعيين، ونجعل البلاد رماداً ولا نخضع لحكم الظالمين. وعزّز هنانو بيانه بفتوى مفتي الاتحاد الإسلامي الحاج محمد أفندي أبي زاده (لا معلومات عنه) بضرورة الحكم بقتل من ينحاز إلى الأعداء ومن يتورط في خدمتهم العسكرية ويقدم لهم المؤن والذخائر([17]).

ويتجلى في بيان هنانو، وفي بنود الاتفاقية التي عقدها مع تركيا، التوجه العربي والإسلامي في آن واحد، كما يلاحظ في قول هنانو، المنحدر من أسرة إقطاعية، إلى الشعب بأننا نحن السوريون نموت ونتبلشف ونجعل البلاد رماداً ولا نخضع لحكم الظالمين ما له دلالته آنذاك وهو انتشار الدعاية البلشفية في سورية، وبخاصة في حلب، عن طريق تركيا وأتباع مصطفى كمال الذي كان يتلقى الدعم والسلاح من روسيا لمقاومة الاحتلال الأوروبي لبلاده، وتطور هذا الدعم الروسي إلى عقد اتفاقية هدنة بين البلدين في 16 آذار 1921، مما أزعج فرنسا وبريطانيا.

ويذكر أن الملك فيصل، أثناء حكمه في سورية، قد أرسل عدة رسائل في ربيع عام 1920 إلى اللنبي المفوض السامي في مصر آنذاك يبيّن له فيها مدى تفشي النفوذ البلشفي في المنطقة، وضمَّت إحدى رسائل فيصل بياناً بلشفياً بالعربية مؤرخاً في 13 أيار 1920 يهاجم الإنكليز ويشير إلى هزائمهم على أيدي الروس وإلى انتفاض الهنود ضدهم ويذكر مساعدة روسيا للشعوب الإسلامية، ويعرض على هذه الشعوب، تركية كانت أم عربية أم هندية أم فارسية، مساعدتها في الثورة لتستخلص حقوقها، وأن روسيا حشدت ثلاث فرق من البلاشفة المسلمين على حدودها لهذه الغاية. وفي رسالة أخرى من فيصل إلى اللنبي بتاريخ 10 حزيران 1920 يشير إلى أن الهدنة بين فرنسا وتركيا وجهت أنظار شعبنا إلى مصطفى كمال، ولكن التدخل البلشفي، بواسطة الأتراك، الذي يصفه فيصل بالخطر الذي اجتاز الحدود التركية إلى سورية، جعله يعطَّل بعض الصحف اليومية في سورية التي كانت تروِّج له وأن يبعد بعض الأفراد الذين كانوا على استعداد للسير تحت راية الأتراك والبلاشفة([18]).

وهكذا شهدت سورية، وبخاصة حلب، نشاطاً بلشفياً قوياً من خلال الأتراك، كما أخذت بالظهور بوادر مطامع تركية في منطقة حلب وشمالي سورية بعامة من خلال هذا التفاهم مع روسيا البلشفية. وذكر أنه وصل إلى حلب في أول تموز 1920 ضابطان تركيان متخفيان وأشاعا أن مصطفى كمال يعدّ لحملة على حلب، وأن تفاهماً يسود العلاقات بين السوفيات ومصطفى كمال، وأنه تلقى منهم السلاح والدعم([19]). وسبق أن ذكرنا أن يوسف العظمة وزير الحربية وصل إلى حلب في 8 حزيران 1920 واجتمع بقائد القوات الوطنية التركية العاملة في كيليكيا لتنسيق الجهود ضد الفرنسيين، ولم تقترن هذه الزيارة بالنجاح بسبب التحسن الذي طرأ آنذاك على العلاقات التركية الفرنسية، وذكر في 13 كانون الأول 1920، أن منشورات بلشفية تحمل توقيع لينين، موجهة إلى سكان حلب، قد وزعت في حلب على مقربة من المكتب السياسي الفرنسي، تحذرهم من الاستعمار الفرنسي وتنصحهم بتبني البلشفية كوسيلة لمقاومة الفرنسيين([20]). وعلقت في حلب في 18 كانون الأول 1920 ملصقات مكتوبة بالعربية والتركية تتضمن تحذيراً للسكان من الفرنسيين، وتحضهم على الثورة ضدهم وإذا لم يستطيعوا ذلك فليبقوا على الحياد ويتركوا الأمر للأتراك، وقيل أن هذه الملصقات صادرة عن مقر مصطفى كمال وروجها عملاؤه في حلب([21]).

ونظراً للأخطاء المحدقة بالثوار وبسورية والمخاوف التي ألمت بالشعب السوري، في أعقاب احتلال الفرنسيين لدمشق وحلب ومجابهتهم للثوار، ذهب هنانو إلى أبعد من قبول الخرطوش والعتاد من تركيا فقبل العرض التركي بإرسال سرية من الجيش التركي مجهزة بالرشاشات وبمدفع واحد لا لزجها في الحروب بل كقوة رمزية لتهدئة النفوس المضطربة التي تشكك بوجود حكومة تشدّ أزر الثائرين. وقد وصلت هذه السرية المؤلفة من مائتي جندي نظامي بقيادة الرئيس بدري بك الشركسي، وكانت تحمل علماً يشير إلى الأخوة بين العرب والأتراك إذ حمل أحد وجهيه العلم العربي والوجه الآخر العلم التركي، وزنِّر كل منهما بوشاح أبيض نقش على الوجه الأول منه بالقصب الآية الكريمة: (إنما المؤمنون أخوة)، وعلى الوجه الثاني: (فأصلحوا بين أخويكم) ([22]).

وقد تجولت السرية التركية في مناطق الثوار، بما في ذلك منطقة صالح العلي الذي تسلّم هو الآخر الدعم العسكري من الأتراك، لتقوية الروح الثورية لديهم. وفي حين يذكر الضابط الشغوري، مرافق هنانو الذي خاض معه المعارك، أن السرية التركية لم تدع لأي عمل حربي واحتفظ بها كرمز للتآخي والدعم([23])، يذكر أدهم آل الجندي بعبارة مختصرة أن السرية «اشتركت في معارك عنيفة مع الفرنسيين»([24])، دون أن يبيّن مواقع هذه المعارك، كما أن الثائر السعدون لا يشير في مذكراته إلى أي نشاط عسكري للسرية التركية.

وقد حرص هنانو على انضباط السرية التركية الداعمة للثورة، حرصه على انضباط الثوار أنفسهم، واستبعاد المستغلين والمستهترين من صفوفهم، خشية أن تشوه مصداقية الثورة واحترام الشعب والأعداء لها. وحدث في شهر أيار من عام 1921، وثورة هنانو في أواخرها، أن هاجم أفراد من السرية التركية قرية الصقيلبية المسيحية، في منطقة حماة، وسلبوا أهلها مالهم ومواشيهم، فعقد هنانو ونجيب عويد مجلساً عسكرياً فوريا أقرَّ إعدام الضابط التركي عاصم المسؤول عن ذلك، وتمَّ الإعدام بموافقة السلطات التركية([25]).

وقدرّت أعداد الثوار التابعين للثورة الهنانية في تشرين الأول 1920، بخمسة آلاف مقاتل، معظمهم من رجال الريف، كما ضموا متطوعين من المدن وأفراداً من البدو. وقد أفادت هذه القوات من وعورة المناطق التي عملت فيها وأساليب حرب العصابات التي اتبعتها من كرٍّ وفرٍّ. ويذكر أدهم آل الجندي تفاصيل دقيقة عن تنقل الثوار من منطقة إلى أخرى، وكذلك تنقل هنانو من مركز قيادة إلى آخر([26]).

وكانت القوات الفرنسية تتمركز في المدن، مثل إدلب وجسر الشغور، انطلاقاً من مركز قيادتها في حلب وتتحرك من هذه المدن ضد الثائرين وكان مركز قيادة الجنرال الفرنسي دو لاموت (De Lamothe) في حلب ومنها يوجه القوات لقتال الثائرين. ويوجد في الأرشيف الفرنسي في مدينة نانت (Nantes) في فرنسا تقرير مفصل من أربع عشرة صفحة على الآلة الكاتبة صادر عن الكتيبة الثانية في جيش الشرق الفرنسي عن انطلاق الكابتن بوف (Boeuf) من حلب وزيارته لإدلب والقرى المحيطة بها، ولقائه فعالياتها السياسية والدينية، ووصفه لأوضاعها الاقتصادية، وتلقفه أخبار الثوار بجوارها، وذلك في الفترة بين 12 – 23 تشرين الأول 1920([27]).

وكان الثوار يقومون بمهاجمة الحملات الفرنسية، أو إعداد الكمائن لها في المناطق الوعرة، أو مباغتتها في أماكن تمركزها، مثل هجوم الثوار على الفرنسيين في جسر الشغور في كانون الأول 1920. وحدت تعاون آنذاك بين ثورتي هنانو وصالح العلي مما سهل انضمام جبل الزاوية بزعامة مصطفى الحاج حسين إلى ثورة هنانو في شباط 1921، وأتاح ذلك تبادل الإمدادات بين الثورتين.

وإلى جانب النضال العسكري ضد الفرنسيين عمد قادة الثورات إلى الاتصال بالقناصل الأجانب لينفوا اتهامات الفرنسيين لهم بأنهم يعملون للفوضى والنهب، ومن ذلك الرسائل التي وجهوها في 29 آذار 1921 إلى قناصل أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا في حلب وبيروت يؤكدون فيها رفضهم الاحتلال الأجنبي وأن تعاونهم مع تركيا هو جزء من الوحدة الإسلامية، ويطلبون إبلاغ عصبة الأمم بذلك، وقد وقّع الرسالة الموجهة إلى القنصل الأمريكي في حلب باسم المجلس الوطني المنعقد في مقر القيادة العسكرية الوطنية (لا تذكر الرسالة مكان هذا المقر)، كل من نائب رئيس الحركة الوطنية العامة في سورية وفلسطين سيف الدين هلال، ونائب رئيس قائد الحركات الوطنية العمومية في منطقة حلب صالح العلوي(لعله صالح العلي) والكاتب العام قائد حركات العمومية بمنطقة غربي حلب إبراهيم هنانو([28]).

ويدِّل توجيه الثوار هذه الرسائل الدبلوماسية على الضعف الذي لحق بهم بعد التبدل الهام في الموقف التركي حين توصل الأتراك إلى هدنة مع فرنسا وقعوها في لندن بتاريخ 11 آذار 1921، وقد وقعها عن الجانب التركي سامي بك باكير مندوب المجلس الوطني الكبير في أنقرة وعن الجانب الفرنسي رئيس وزراء فرنسا ووزير خارجيتها اريستيد بريان، ثم تلت هذه الهدنة اتفاقية شاملة في أنقرة بتاريخ 20 تشرين الأول 1921، عرفت باتفاقية فرانكلين – بويون، وهو اسم المفاوض الفرنسي (Franklin-Bouillon)، وتوقفت بموجب هاتين الاتفاقيتين العمليات العسكرية بين الطرفين الفرنسي والتركي، كما توقفت تركيا عن تقديم الدعم العسكري للثوار السوريين، وسحبت قواتها التي كانت قد أرسلتها لدعمهم.

وقد ذكر الشغوري([29])، إن قوات فرنسية تزيد عن خمسين ألف جندي سحبت من كيليكيا وزُجَّ بها ضد الثوار في سورية، فارتفعت أعداد الجيش الفرنسي الذي يقاتل الثوار السوريين إلى خمسة وسبعين ألف جندي. ويؤكد تقرير للمخابرات البريطانية في 20 نيسان 1921 إن الاتفاقية الفرنسية – التركية، وتوقف العمليات في كيليكيا أتاح للفرنسيين استخدام أعداد كبيرة من الجنود ضد الثوار([30]).

وترتب على هذه التطورات نتائج هامة، فالقوات التركية المشتبكة مع الفرنسيين في كيليكيا قد أفادت من أشغال الثوار السوريين لقوات فرنسية كبيرة، سواء في الثورة الهنانية أو في ثورة صالح العلي، وكان من الممكن لهذه القوات الفرنسية أن توجه ضد الأتراك في غياب الثورات السورية، ولهذا أمد الأتراك الثورة السورية بالخرطوش والمعدات لإشغالها القوات الفرنسية عنهم. وذكرت تقارير فرنسية أن أكثر من سبع فرق عسكرية فرنسية كانت تقاتل ثوار الشيخ صالح العلي في عام 1921([31]). وتدل الإصابات التالية على شدة ما أوقعه الثوار السوريون عموماً من خسائر في جيش الشرق الفرنسي، وبلغت هذه الإصابات في الفترة بين 1 تشرين الثاني 1919 ونهاية حزيران 1922، الأرقام التالية: ضباط فرنسيون 137، جنود فرنسيون 1984، قوات من أصول إفريقية شمالية 2106، قوات من بقية المستعمرات 1421، متطوعة محليون 133، ويكون المجموع 5781 فرداً([32]). وفي إحصاء آخر قدمته الحكومة الفرنسية لمجلس النواب الفرنسي في جلسته بتاريخ 5 تشرين الثاني 1925 ذكر أن عدد الفرنسيين الذين قتلوا باستثناء ما قتل من أفراد من أصول إفريقية شمالية ومتطوعة بلغ 2893 شخصاً في عام 1920، و2032 في عام 1921، ثم تراجع العدد إلى 636 في عام 1922، وعاد ليرتفع إلى 5885 خلال ثلاثة أشهر (15 تموز إلى 15تشرين 1925) إبان الثورة السورية الكبرى([33]).

وبالإضافة إلى سحب القوات الفرنسية من الجبهة التركية وزجّها ضد الثوار السوريين، وكذلك توقف تركيا عن دعم الثوار بالعتاد فإن حصول الثوار على السلاح قد شح بدوره. وكانت مصادر سلاح الثوار هي ما يستولون عليه من سلاح الفرنسيين في المعارك، وقد أصبح هذا صعباً، ثم شراء السلاح من البدو، وبخاصة في منطقة حماة، وقد تضاءل هذا المصدر أيضاً بسبب تشديد الفرنسيين قبضتهم على القبائل البدوية([34])، كما صادر الفرنسيون السلاح الذي كان يشرى للثوار من لبنان وفلسطين.

وكان زعماء الثورة، مثل هنانو وصالح العلي، ينفقون في تمويل الثوار وتزويدهم بالسلاح من واردات أملاكهم وقراهم ومما يرد إلى الثورة من جباية العشر في المناطق التي تسيطر عليها، وكان المموِّل الأكبر لثورة هنانو الحاج فاتح المرعشي الذي هرب من حلب إلى مرعش بسبب ملاحقة الفرنسيين له، وكان يمد الثوار بالمال وهو في مرعش من واردات قراه في المنطقة الحدودية، كما كان صلة الوصل الرئيسية بين هنانو والأتراك([35]). وقد توقف هذا المصدر بعد اتفاقية فرنسا وتركيا، كما توقف الدعم المالي والعسكري للحكومة العربية بعد سقوطها، ولم يستطع الهاشميون سواء في الأردن أم في العراق أم في الحجاز من دعم الثوار بسبب معارضة بريطانيا حليفة فرنسا لذلك([36]).

ونظراً لصعوبة الوضع العسكري للثوار قبل هنانو التفاوض مع الفرنسيين في 17 نيسان 1921 في بلدة كورين، في منطقة إدلب، دون أن تقترن هذه المفاوضات بأية نتيجة([37])، ولذلك عدَّل زعماء الثورة الهنانية من استراتيجيتهم العسكرية وقرروا جعل تشكيلاتهم الثورية وحدات صغيرة تختص كل واحدة منها بمنطقة معينة وبالاكتفاء بأعمال التفجير والمداهمة والمباغتة، وبالانقضاض على وسائل التموين وعلى الدوريات والمخافر.

وعلى غرار هنانو حاول صالح العلي بعد أن ضعفت إمكاناته وتوقف دعم الأتراك والحكومة العربية له، التفاوض مع الفرنسيين، ولكنه فشل. واحتل الفرنسيون مركز قيادته في الشيخ بدر، وأصبحت كل فئة من ثواره تعمل مستقلة عن الأخرى، كما حدث بالنسبة لثوار هنانو. وقد احتجب صالح العلي فترة من الزمن ثم استسلم للفرنسيين في 2 حزيران 1922([38]).

وبالرغم من إجراء تعديل في خططهم فلم يتمكن هنانو وثواره من الثبات، وفي اجتماع لهم رأى البعض الالتحاق بالجانب التركي لقربة، وأملاً بشن الهجمات منه ضد الفرنسيين في سورية، ورأى البعض الآخر، وعلى رأسه هنانو، الالتحاق بشرقي الأردن، حيث ثوار الجنوب، أملاً بالمساعدة، من الهاشميين وبخاصة الملك فيصل، الذي كان هنانو يعتبر ثورته امتداداً للحكومة العربية إبان حكمه في دمشق وحتى بعد زوالها، ووجدت فئة ثالثة «أقعدتها كبر العائلة وكثرة الأولاد عن اللحاق بإحدى الفئتين» فاختارت البقاء ولكنها أقسمت أنها لن تخون القضية([39]).

ويعلقّ يوسف السعدون، شريك هنانو في الثورة، على لجوء هنانو إلى شرقي الأردن وليس إلى تركيا بقوله: «وكان رحمه الله لا يطمئن قلبه للأتراك ومساعدتهم الصورية»([40]) كما أن السعدون حذّر رفاق الثورة في بيان وجهه لهم من دسائس الكماليين الأتراك وخطرهم عليهم([41])، ولهذا الكلام مغزاه لأن السعدون كان قائد ثورة القصير ومن قادة الثورة الذين انسحبوا إلى تركيا في الفترة بين 5 آب وأوائل كانون 1921، بعد فشل الثورة، وضمّ هؤلاء نجيب عويد قائد ثورة كفر تخاريم، ومصطفى الحاج حسين قائد ثورة جبل الزاوية، وعمر البيطار قائد ثورة صهيون([42]). وقام هؤلاء بعد ذلك وعلى فترات، حسب الظروف بشن هجمات على الفرنسيين عبر الحدود، واتصف موقف الأتراك منهم بالتشجيع أو بالقمع حسب علاقتهم بفرنسا. ويروي السعدون في مذكراته كيف أنه ونجيب عويد المساعد الأيمن لهنانو رفضا تنفيذ طلب تركيا، بعد لجوئهما إليها، حين حاولت تجنيدهما لمساعدتها في ضم الإسكندورنة في عام 1936([43]). ويظهر كلام الثائر السعدون هذا، وهو المعروف بتدينه واستشهاده باستمرار في مذكراته بالآيات الكريمة ووصفه تركيا بالدولة الإسلامية التي تقاتل المشركين، حسّاً وطنياً عالياً تدعمه روح دينية تبعث فيه الإخلاص للجهاد في سبيل الوطن فقط.

وبعد أن قرّر هنانو اللجوء إلى شرقي الأردن حيث الكثير من الوطنيين السوريين الذين وعدوه بأن الأمير عبد الله بن الحسين سيدعمه في العودة إلى سورية بدأ سيره سراً في شهر تموز 1921، وبرفقته عدد من الثوار من بينهم إبراهيم الشغوري مرافقه وأمين سر الثورة. ووصل عمان في 29 تموز 1921، ولم يلق هنانو المساعدة المرجوة فيها، فذهب إلى القدس بإذن بريطاني رسمي حيث اعتقلته السلطات البريطانية في شهر آب 1921، وسلمته إلى السلطات الفرنسية بموجب اتفاقية تبادل المجرمين([44]).

أمضى هنانو قرابة ستة أشهر في السجن في سورية إلى أن تمَّت محاكمته أمام محكمة عرفية عسكرية فرنسية في حلب في 15 آذار 1922، وقد اختار فتح الله الصقال المحامي الحلبي ليكون محاميه. ودفع الصقال في أول جلسة بعدم صلاحية المحكمة العسكرية بمحاكمة هنانو لعدم توفر الشروط لذلك ولكن المحكمة أكدت صلاحيتها بسبب إعلان الأحكام العرفية في البلاد، كما أكدت قانونية تسليم الإنكليز هنانو للفرنسيين، ونفى الصقال تهمة تشكيل هنانو عصابة من الأشقياء، وأكد أنه مناضل في سبيل الاستقلال أشبه بمناضلي فرنسا ضد الاحتلال الألماني لبلادهم، واستشهد الصقال بأن فرنسا عقدت مفاوضات هدنة مع هنانو كمناضل وليس بصفته رئيس عصابة. وأقرّت المحكمة بأكثرية أعضائها الخمسة ببراءة هنانو من جميع التهم الموجهة إليه، وأطلق سراحه([45])، وتابع هنانو نضاله في السياسة وتحت قبة البرلمان عضواً في الكتلة الوطنية إلى أن أقعده داء السل، وتوفاه الله في 21 تشرين الثاني 1936.

4 ـ تحليل الثورة الهنانية ودلالاتها:

تبرز في الثورة الهنانية، كما في ثورة صالح العلي المواكبة لها وثورة سلطان الأطرش التي تلتها، دلالات هامة تتناول هذه الثورات كمؤسسات نضال وطني، وتنظيمات عسكرية واجتماعية واقتصادية، وكمقاومة شريفة وشرعية تحرص على مصداقيتها ودعم الشعب لها، كما تعمل على كسب احترام الأعداء لها، وهي الصفات التي أفاد منها هنانو أثناء محاكمته وأدَّت إلى تبرئته.

التعابير المستخدمة للثوار:

استخدم الثوار ومؤيدوهم، بما في ذلك الحكومة العربية في دمشق، كلمة «ثوار» للتدليل عن أنفسهم، واستخدموا كذلك كلمة «مجاهدون»، أي يقومون بالجهاد الأصغر للدفاع عن الدين (في حين أن الجهاد الأكبر هو ترويض النفس وتنقيتها من مساوئ الدنيا). وقد ذكر يوسف السعدون جماعات من غير الثوار، أشير إليهم «بالنهابة» أو «الجتى» الذين أساؤوا إلى مفهوم الجهاد بإطلاقه على أنفسهم. وميزت الوثائق الأجنبية، من فرنسية وبريطانية وأمريكية وغيرها، بين الثوار الذين أشارت إليهم بالكلمة (band) (bande) وتعني عصبة أو عصابة، وبين النهابين الذين أشارت إليهم الكلمة التركية «جتى» (Chete، Tchétés). واستخدم الكتاب العرب المعاصرون كلمة «عصابة» وتعني الجماعة حين الإشارة إلى الثوار، أما كلمة «جتى» فمازالت تطلق حتى الآن على الأشقياء والخارجين عن القانون، وبخاصة قطاع الطرق. ونظراً لأن قطاع الطرق لم يكونوا جميعاً من الفوضويين بل كان عملهم في كثير من الأحيان للاحتجاج على ظلم الدولة للسكان وبخاصة للفلاحين، فانتقموا من الدولة بمهاجمة قوافل الجند والمؤن العائدة للدولة، وامتنعوا عن مهاجمة المدنيين والنساء، وعرف هؤلاء باسم «جتى شريف» لأنهم مثلوا ظاهرة احتجاج سياسية واقتصادية واجتماعية([46]).

واستخدم الثوار كلمة «متطوعة» للدلالة على السكان المحليين، الذين جندوا في خدمة القوات الفرنسية ضدهم، وكانوا بمعظمهم من الأقليات العرقية والدينية. كما انضم إلى الفرنسيين بعض القرويين حين أخذت الثروة بالضعف. وعمل «المتطوعة» في الجيش الفرنسي كفرسان ومشاة، وقدموا مساعدات هامة للفرنسيين نظراً لمعرفتهم بمناطق الثورة ولتأثيرهم النفسي على القرويين لإبعادهم عن الثوار([47])، وحين ألحق الثوار الهزائم بالفرنسيين أصاب الهلع «المتطوعة» وانضم بعضهم إلى صفوف الثوار. وبالمقابل أطلق الثوار كلمة «المتطوعة» على الذين انضموا إليهم وجندوهم من السكان المحليين([48]).

أما أفراد القبائل الذين قاتلوا لحسابهم أو لحساب الفرنسيين فقد أشار الثوار إليهم بكلمة «الطمّاعة». وقد روع «الطماعة» هؤلاء الثوار في منطقة حلب([49]). واتهم «الطماعة» الذين تسربوا إلى صفوف الثورة وكذلك «الجتى» بمهاجمة أهالي إدلب في القتال بين الثوار المنضبطين والقوات الفرنسية في أواخر عام 1920([50]).

قيادة الثورات:

يلاحظ أن معظم قادة الثورات كانوا من مواليد الفترة ما بين عامي 1870 – 1890، فإبراهيم هنانو، قائد الثورة الهنانية، من مواليد 1869، ويليه نجيب عويّد، قائد ثورة كفر تخاريم من مواليد 1870، ومصطفى الحاج حسين، قائد ثورة جبل الزاوية، من مواليد 1881، وعمر البيطار، قائد ثورة منطقة صهيون، من مواليد 1886، ويوسف السعدون قائد ثورة منطقة القصير، من مواليد 1888، وإبراهيم عويّد الذي برز في ثورة كفر تخاريم، من مواليد 1890، وإبراهيم الشغوري، مرافق هنانو وأمين سر مجلس الثورة، من مواليد 1895. وكان صالح العلي، قائد ثورة الساحل، من مواليد 1883.

وعندما نشبت الثورات بين عامي 1918 و1921 كانت أعمار هؤلاء القادة تتراوح بين 28 و48 عاماً، مما يطمئن الشعب إلى عقلانيتهم وعدم تهورهم، ويكسبهم بالتالي احترام الشعب، كما الأعداء، لهم. وكان معظم قادة الثورة من أصول ريفية، وبعضهم من كبار الملاكين، مما وطد العلاقة بين القاعدة والقيادة وسمح باستمرار الثورة في الريف دون المدن التي سهل الاستيلاء عليها، كما استخدم قادة الثورات من الملاكين واردات قراهم لتمويل الثورة. ولم يكن جميع الملاكين أو أفراد الأسرة الواحدة من زعماء الثورة، بل وجد الكثيرون بينهم، وحتى ضمن الأسرة الواحدة، من كان موالياً للفرنسيين حفاظاً على مصلحته الخاصة.

كما أن وجود هؤلاء القادة الذين تمتعوا باحترام الشعب على رأس الثورة قد حال دون انحراف الثورة عن أهدافها وتحولها إلى حروب تحرر داخلية بين فلاحين وإقطاعيين، وبين فوضويين ومنضبطين، مثال ذلك ما قام به نورس طيبا من مجاهدي الصهاونة، من مهاجمة دار الحكومة في إدلب وإحراق سجلاتها، وارتكبت جماعته السلب والنهب في المدينة، كما أنه هاجم معرة النعمان وأحرق دار الحكومة فيها، وساقه الغرور إلى حدِّ طلب الزواج من ابنة أحد كبار أعيانها محطماً بذلك التقاليد الاجتماعية السائدة، فثار عليه الأهالي في المدينتين وأبدى هنانو قائد الثورة العام استياءه من تصرفات هذا المجاهد الحمقاء، وتم تسليمه إلى السلطات الفرنسية التي كانت تلاحقه وأعدمته، وحاول أتباعه الثأر له، ويقول عنه أدهم آل الجندي أنه قام بأعمال لم يقدّر عواقبها وانفرد برأيه دون التشاور مع قادة الثورة([51]).

ويلاحظ كذلك أن زعماء الثورة الذين لم يكونوا من الإقطاعيين أو كبار الملاكين أو من رجال الدين، ولم تكن لهم بالتالي ارتباطات طبقية، أو وظيفية تحد من نشاطهم فقد استمروا في النضال إلى ما بعد انهيار الثورة ككل. وكانت حرب التحرر والاستقلال بالنسبة لهم قيمة أخلاقية ريفية لا تعادلها قيمة، وقد تساءل يوسف السعدون، زعيم ثورة منطقة القصير، عن الأسباب التي جعلت المدن الكبرى تستسلم بسهولة للفرنسيين في حين استمر سكان الريف في النضال لأكثر من ثلاث سنوات([52]).

تنظيم الثورة:

تذكر المرويات التاريخية أن أول ثائر على الفرنسيين كان كردياً، ظهر في سهل العمق، بين حارم وأنطاكية، وكان في خدمة أحد الإقطاعيين. وعندما وصلت أخبار هذا الثائر وأعداد أخرى مثله إلى مسامع الحكومة العربية في دمشق اتخذت المبادرة بإرسال موظفين من أصول ريفية من منطقة الثورة هما صبحي بركات وإبراهيم هنانو ليتسلما قيادة الثورة، الأول في أنطاكية، والثاني في كفر تخاريم، وهدفهما منع الفرنسيين من التمدد من الساحل باتجاه الداخل. وسرعان ما تحول صبحي بركات من قائد ثورة إلى مهادن للفرنسيين، كما سبق القول، فعينوه رئيساً للاتحاد السوري في عام 1922، ثم أصبح رئيساً لمجلس النواب، في دمشق عام 1925، وذهب بعد ذلك إلى تركيا حيث أصبح عضواً في برلمانها([53])، في حين بقي هنانو على رأس الثورة حتى انهيارها.

وكان عدد الثوار الأوائل الملتحقين بهنانو سبعة افراد جميعهم من كفر تخاريم، وعندما توفر المال ازداد العدد إلى أربعين قسموا إلى أربع مجموعات كل منها بقيادة نقيب، وجميعهم مسؤولون أمام القائد الأعلى للثورة هنانو. وكان للقرى المجاورة ثوارها الذين أشير إليهم «بأبناء» مثل أبناء سلقين، أو أبناء أرمناز([54])، وقد التحقوا جميعاً بما عرف بثورة كفر تخاريم التي كانت تحت قيادة نجيب عويد المسؤول أمام القائد الأعلى هنانو.

ووجد مركز آخر للثورة في منطقة القصير ترأسه يوسف السعدون ومركز آخر في منطقة صهيون التي ضمت عدة قرى تتمركز حول الحفة قرب اللاذقية، عرف ثوارها بالصهاونة، وترأسهم عمر البيطار([55])، ثم مركز رابع في جبل الزاوية برئاسة مصطفى الحاج حسين، وكانت هذه المناطق الأربع وقياداتها الثورية تابعة لقيادة هنانو القائد العام للثورة، ولهذا عرفت بمجموعها بالثورة الهنانية. وكانت ثورة الشيخ صالح العلي في جبال اللاذقية على اتصال وتعاون مع الثورة الهنانية.

وكان هذا التنظيم المناطقي مفيداً للثورة ككل لأن هذا التلاحم بين أبناء المنطقة الواحدة القائم على ترابط الأسرة والحي والقرية، ثم المنطقة، من شأنه أن يزيد اللحمة بين الثائرين ويقوي ولاءهم لقائدهم المحلي، ومن خلاله للقائد العام للثورة، كما أن جغرافية هذه المناطق المتنوعة بسهولها ووديانها، وبخاصة جبالها، وكذلك التنوع الاثني فيها من عرب وأكراد وتركمان، من شأنه أن يزيد الترابط بين المجموعات الثورية في كل منطقة ما يعدّ مكسباً للثورة، فكل مجموعة تعرف جغرافية منطقتها وسكانها ولذا دافعت عنها حتى الموت. وقد لاحظنا كيف أن الثورة الهنانية بعد ضعفها وتحول تركيا عن مساعدتها وطلبها للهدنة قد وجهت أفرادها إلى القتال في مجموعات صغيرة لتكون أكثر فعالية في حرب العصابات([56]).

وبالإضافة إلى الثوار المحترفين المنظمين الذين مولتهم الثورة، جندت قوات أخرى في حالات الطوارئ من أبناء القرى عرفوا «بالمساندة»، كما عمدت الثورة إلى تجنيد «المتطوعة»([57])، مثلما فعل الفرنسيون. وتشكلت على مرِّ الزمن قوات من الاحتياط تألفت كل وحدة منها من عشرين إلى ثلاثين رجلاً، وطولبت كل قرية بإعداد وحدة منها، وتنضم قوات الاحتياط هذه إلى الثورة في حالات الطوارئ([58]).

وكان أكبر عدد من الثوار زجَّ بهم هنانو في معركة واحدة، وذلك في الدفاع عن جبل الزاوية قد بلغ ثلاثة آلاف مقاتل([59])، ولكن كان بإمكانه أن يجمع خمسة آلاف من المشاة المدربين وثلاثمائة فارس كما حدث في تجمع قواته على العاصي عند جسر الشغور بانتظار الزحف على حارم وإدلب وذلك في كانون الأول 1920([60]).

وكان أكبر تجمع للقوات الفرنسية ضد الثوار في موقعة واحدة، بحسب مصدر من الثوار، قد بلغ خمسة عشر ألف جندي توجهوا لإخضاع كفر تخاريم من ثلاثة اتجاهات: سبعة آلاف قادمين من جهة الاسكندرونة، وثلاثة آلاف من إدلب، وخمسة آلاف من جسر الشغور، واحتلت هذه القوات كفر تخاريم في 15 آب 1920، بالرغم من دفاع أهلها عنها([61]). وكان المهم بالنسبة للثوار الاستمرار في المقاومة لإنهاك العدو وعدم الدخول في مجابهة لعلمهم بعدم إمكانية نجاحهم فيها.

وعندما دفع الفرنسيون بعملائهم للانضمام إلى صفوف الثوار عمدت إدارة تجنيد الثوار إلى التدقيق في هوية المنتسبين وطالبت كلاً منهم باعتماد كفيل يضمن عدم خيانته للثورة([62]). وحين أصاب الضعف الثورة الهنانية بعد لجوء هنانو إلى شرقي الأردن في تموز 1921 عمد الثوار الصهاونة بقيادة يوسف السعدون إلى تجنيد الشباب اليافعين من أعمار الإثني عشر إلى الأربعة عشر عاماً في صفوف الثوار، وتعهدت القرى بتقديم مستلزماتهم([63]).

وقد شاركت النساء في الثورة، كما فعلت، مثلاً، في معركة المسطومة في جبل الزاوية([64])، وأثنى أدهم آل الجندي، صاحب «تاريخ الثورات السورية» على نساء جبل الزاوية اللواتي لعبن «دوراً باهراً»، كما قال، في إحدى المعارك في نيسان 1921([65])، كما ذكر الدور النضالي للشيخة حبابة زوجة الشيخ صالح العلي التي كانت ترافقه في القتال، وكانت قدوة للنساء اللواتي كن يحمسن المجاهدين ويحملن الطعام والماء إليهم في جبهات القتال، وقد استشهد منهن كثيرات إبان المعارك([66]).

تخطيط العمليات القتالية:

كان للثوار هدفان: إيقاع أكبر عدد من الإصابات بالقوات الفرنسية لمنعها من توطيد سلطتها، والتصميم على المقاومة. وامتد مسرح عمليات قوات هنانو على مساحة واسعة في شمال سورية، وحين ضعفت المقاومة بعد اتفاق تركيا مع فرنسا وطلب هنانو الهدنة مع الفرنسيين في اجتماعه بهم في بلدة كورين في نيسان 1921، اعترف الفرنسيون أن الأقضية التي كانت تحت سيطرة هنانو هي أنطاكية وحارم، وجسر الشغور، وإدلب، ومعرة النعمان([67])، وكانت كلها خاضعة لأمرة هنانو الذي طالب الثوار بتحاشي الاشتباك مع الفرنسيين في أماكن مكشوفة حيث لا توجد عوائق طبيعية، واعتماد الهجمات المباغتة في الليل.

وعندما كان الثوار يتجمعون في قرية معرة مصرين للهجوم على حلب ومعهم فرقة المغاوير التي عرفت بفرقة الحرس الحديدي هاجمتهم الطائرات الفرنسية لأنهم كانوا في أرض مكشوفة وقتلت العديدين منهم، وكان ذلك في أواخر عهد الثورة([68]). وبالرغم من اعتمادهم حرب العصابات فقد تصرّف الثوار تصرف القوات النظامية إذ احتفظوا بأسراهم من الفرنسيين في معسكرات خاصة في القرى وتفاوضوا مع الفرنسيين على مبادلتهم([69]).

وقد حرص زعماء الثورة على تنقيتها من المستغلين والمستهترين وغير المنضبطين لتحافظ على مصداقيتها واحترام الشعب، كما الأعداء لها، ومن هنا تشكيل مجلس تأديبي برئاسة هنانو أقرَّ إعدام الضابط التركي عاصم من السرية التركية المرافقة للثوار لهجومه ونهبه قرية الصقيلبية المسيحية، وتمَّ إعدامه في أيار 1921 بموافقة السلطات العليا التركية([70]).

وأعوزت الفرنسيين قوات كافية لمعالجة جميع الثوار في الوقت نفسه، كما أن المتطوعة المحليين المنضمين للفرنسيين لم يكونوا مؤهلين لقتال الثوار، ولهذا عمد الفرنسيون إلى شراء تعاون الوجهاء المحليين بالمال وتجنيد مليشيات محلية لحماية الطرق من الثوار([71]).

وقام الثوار من ناحيتهم بقطع الطرق، وبخاصة الخط الحديدي بين حلب وبيروت، وبين دمشق وحوران، حيث ينقل الجنود والعتاد عليهما. وكانت محطة الخط الحديدي في أبو الظهور، جنوبي حلب، الهدف الرئيسي لهجمات الثوار، والبدو على حد سواء([72])، كما قطع الثوار خطوط الهاتف.

تمويل الثورات:

كانت الحكومة العربية في عهد فيصل وكذلك تركيا، قبل مهادنتها فرنسا وتوقيعها اتفاقية فرانكلين – بويون معها، الممولين الرئيسيين للثوار في السلاح والمال، مادام هؤلاء يخدمون مصالح الطرفين، ومع ذلك كان السكان المحليون الممولين الأساسيين للثورات. وفي محاولته تنظيم الثورة، أقام هنانو حكومة في ارمناز مسؤولة عن جمع الضرائب من السكان المحليين للثورة. وقد جبت ضريبة العشر بالإضافة إلى ضرائب أخرى، مثل تلك المفروضة على الأغنام وزيت الزيتون، وهو من المنتجات الرئيسية في تلك المنطقة([73]). وكان بعض الفلاحين يدفعون ضريبة العشر مضاعفة دعماً منهم للثورة([74])، ومع ذلك حرصت قيادة الثورة على عدم إرهاق السكان بالضرائب والتبرعات خوفاً من نقمتهم على الثوار([75]).

ومن المصادر المالية الأخرى للثوار مهاجمتهم جامعي الضرائب الحكوميين في المناطق التي يسيطر عليها الفرنسيون والاستيلاء على الأموال التي جمعوها([76]). واستولى الثوار كذلك على المؤن المرسلة من قبل المتعهدين المحليين للقوات الفرنسية، بما في ذلك الحيوانات التي تنقلها([77]). وكان الفرنسيون يدمرون المحاصيل والمؤن خشية وقوعها في أيدي الثوار. وعمد الثوار إلى المحافظة على مؤنهم في بعض القرى المحصنة([78]).

وكان هنانو، ومثله صالح العلي، يموِّل الثورة من ممتلكاته وأعطيات المحسنين من أتباعه. وكان المموّل الأكبر لإبراهيم هنانو الحاج فاتح المرعشي من حلب والمقيم في مرعش، وهو الذي توسط لدعم الأتراك للثوار، وحكم الفرنسيون عليه بالإعدام غيابياً، بسبب تمويل الثوار([79]).

المؤسسة القضائية:

حرص قادة الثورة على إقامة العدل بين أتباعهم في المناطق الخاضعة لهم، ويفيد هذا في إشاعة الانضباط بين الثوار وإضفاء الاحترام على المؤسسة القضائية لدى الشعب. وبالرغم من قلة عدد الثوار الأوائل الذين لم يتجاوز عددهم السبعة وشكلوا نواة ثوار هنانو فلم يمنع هذا المجلس الإداري للثورة من الحكم على اثنين منهم لسرقتهما الماشية من بلدة سلقين، فهرب أحدهما إلى الفرنسيين، وتمَّ إعدام الثوار له فيما بعد، في حين نفذ حكم الإعدام الفوري بالشخص الآخر([80]). وعندما هاجم البدو بعض القرى في منطقة حارم في نيسان 1920، أرسلت قيادة الثورة قوة لتأديبهم([81]). وحين أفشى مختار إحدى القرى وجندي فيها أن هنانو كان مختبئاً في القرية حكمت الثورة على الاثنين بالإعدام([82]). وكان أكبر حكم قضائي اتخذه هنانو ومساعدوه هو الحكم بإعدام الضابط التركي عاصم لمهاجمته ونهبه قرية الصقيلبية المسيحية([83])، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وعلى غرار هنانو أقام صالح العلي محكمة عسكرية لمقاضاة الذين خانوا الثورة.

شعارات الثورة ودوافعها وأهدافها:

من الواضح أن الثورة منذ بداياتها اعتبرت نفسها امتداداً للحكومة العربية في دمشق التي حصلت منها على الدعم المالي والعسكري إلى أن غادر الملك فيصل سورية في تموز 1920. وقد أصرّ هنانو في محادثات الهدنة مع الفرنسيين في نيسان 1921، على وحدة سورية الطبيعية التي مزقها الفرنسيون إلى دويلات هي: لبنان الكبير، ودمشق، وحلب، وبلاد العلويين. وكذلك أصرَّ صالح العلي على انسحاب الفرنسيين من الساحل السوري وضم منطقته إلى حكومة فيصل العربية في دمشق([84]). وكانت شعارات الثورة في استقلال سورية ووحدتها هي نفسها شعارات الثورة السورية الكبرى في عام 1925.

وبالرغم من أن شعارات الثورة كانت وطنية بامتياز ألاّ أنها غلَّفت بتعابير دينية لتوسيع قاعدتها الشعبية، وهكذا بدأ هنانو خطابه إلى السوريين بعد عودته من تركيا واتفاقه معها على دعم الثورة في 12 أيلول بعبارة: «من العرب إلى العرب»، ثم أعقب ذلك بالتوجه إلى الدين بقوله: «إن جريمتكم أنكم من أبناء الشرق المسلمين.. وأهاب بابن سورية أن ينهض للمحافظة على حريته ودينه».

ولكن هنانو وازن هذا التوجه إلى الدين باستعداده لأن يصبح بلشفياً إذا اقتضى الأمر ولن يخضع لحكم الظالمين([85]). وسبق أن ذكرنا أن العلم الذي حملته السرية التركية التي أرسلت لدعم الثوار مثّل في أحد وجيهه العلم العربي وفي الوجه الآخر العلم التركي، كما زنِّر كل وجه بوشاح نقش على أحد وجهيه «إنما المؤمنون أخوة» وفي الوجه الآخر «فأصلحوا بين أخويكم». ونذكر في هذه المناسبة أن علم الشيخ صالح العلي كان باللون الأخضر يتوسطه هلال ونجمة([86]).

وفي رسالة بتاريخ 29 آذار 1920 وجهها هنانو إلى الشريف علي بن الحسين قائد الحملة في شمال سورية ودعى نفسه فيها قائد الدفاع الوطني عن سورية الشمالية ذكر أنه يحارب زوداً عن الدين، وللمحافظة على شرف إيماننا ولدعم القضية العربية.

وصوّرت الحرب ضد فرنسا على أنها جهاد أقره مفتي الثورة وذلك في اجتماع قادة الثورة الذي دعا إليه هنانو في إدلب في نيسان 1920، كما يرجح([87]). وذكر كذلك أن مفتي ما عرف بالاتحاد الإسلامي قد أصدر فتوى يحض المسلمين على قتال الذين يؤيدون الأعداء الفرنسيين([88]).

وردّد الثوار في هجماتهم الآذان، وابتهلوا إلى الله لنصرتهم([89]). وأدّت الرابطة الإسلامية بين الثوار والجنود الجزائريين المسلمين في الجيش الفرنسي إلى تعاطف هؤلاء مع الثوار وحتى التحاق بعضهم بصفوفهم. وذكر تقرير فرنسي أن الجيش الفرنسي أثناء قتاله الثوار في منطقة إدلب عانى من تقاعس الجنود المغاربة في قتال الثوار المسلمين([90]). وسبق أن وجّه شريف مكة رسالة إلى الجنود الجزائريين في الجيش الفرنسي يحضهم على عدم قتال إخوانهم في الدين في سورية([91]).

وكان الابتهال إلى العواطف الدينية أثناء الثورة ليس تعصباً ضد غير المسلمين بوجه المطلق وإنما لتوسيع قاعدة المؤيدين للثورة والشد من عزائمهم، وكان الدين بالنسبة للثوار بمثابة البوصلة التي تحدد اتجاههم والقوة التي تدفعهم إلى الأمام، وبخاصة أن الدين والله ماثلين دائماً في المجتمعات الريفية، ولكن الهدف الأسمى من الابتهال إلى الدين كان الوطن واستقلاله. وسبق أن ذكرنا كيف أن الرابطة الدينية قد أثيرت عندما تم الاتفاق بين هنانو والأتراك لدعم الثورة. وحين اتفق الأتراك مع الفرنسيين تناسوا هذه الرابطة الدينية تجاه مصلحتهم وأدى ذلك إلى انهيار الثورة. وحين حاولت تركيا في عام 1936 تجنيد قادة الثورة الذين لجأوا إليها لمساعدتها في ضم لواء الاسكندرونة رفض هؤلاء القادة التفريط بوطنهم، وهم المتدينون. وبالرغم من أن هنانو فضّل اللجوء إلى شرقي الأردن وليس إلى تركيا ودفع ثمن ذلك باعتقال الإنكليز له وتسليمه للفرنسيين لمحاكمته إلا أنه خرج من محاكمته ناصع الجبين كبطل قومي ومناضل عن استقلال وطنه، والتزم بهذا الخط الوطني حتى وفاته.

خاتمة:

استقر هنانو في حلب بعد العفو عنه وانتسب إلى فرع حلب للكتلة الوطنية في عام 1928، ولم يكن هذا الفرع على وفاق دائم مع سياسة الكتلة الوطنية في دمشق، وانتخب نائباً عن حلب في الجمعية التأسيسية في دمشق في العام نفسه. وكانت الحكومة آنذاك برئاسة الشيخ تاج الدين الحسني، وانتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمعية التأسيسية، كما انتخب هنانو رئيساً للجنة وضع الدستور، وكان من أعضائها فوزي الغزي وفائز الخوري، وكانت هذه اللجنة معارضة لحكومة الشيخ تاج التي تدعمها فرنسا.

ولعب هنانو دوراً حاسماً، بالرغم من اعتلال صحته بمرض السل، في معارضة المعاهدة التي حاولت فرنسا تكبيل سورية بها في عام 1933، في وزارة حقي العظم، فسقطت المعاهدة ومعها الوزارة، كما عارض هنانو عصبة العمل القومي، وكانت مناوئة لسياسة الكتلة الوطنية، التي ينتمي هنانو إليها، وحاول بعض أعضائها التقرب من الفرنسيين. وكان هنانو مرتاباً أيضاً من نشاطات العصبة وولائها للعرش الهاشمي في العراق بينما كان هو من المؤيدين الأشداء للحكم الجمهوري.

وبعد معاناة طويلة مع المرض توفي هنانو في 21 تشرين الثاني 1935، ودفن في حلب، واعتبر الوطنيون بيته في حلب بأنه «بيت الأمة» على غرار بيت سعد زغلول في مصر([92]).

وعن اختفاء مذكرات هنانو ووثائقه يذكر أدهم آل الجندي أنه بعيد وفاة هنانو: «وفي هذه الفترة اختفت مذكرات هنانو ووثائقه السرية السياسية من عالم الوجود»([93])، ويشير فيليب خوري صاحب الكتاب المشهور «سورية والانتداب الفرنسي»، أنه في المظاهرات الوطنية التي جرت في كانون الثاني من عام 1936 في دمشق وحلب داهمت الشرطة السرية بيت هنانو في حلب وصادروا جميع الوثائق الموجودة فيه([94])، ولا تزال علامات الاستفهام قائمة حول مصير هذه المذكرات.

أقامت الكتلة الوطنية في دمشق حفلة تأبين كبرى لإبراهيم هنانو في مدرج الجامعة السورية في 10 كانون الثاني 1936، بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاته، وقد وجهت الكتلة الوطنية الدعوة إلى عدد من رجالات العرب السياسيين والأدباء «لمشاركة ديار الشام في هذا الحفل الوطني العظيم الذي يقام تكريماً لذكرى فقيد الوطنية والجهاد الزعيم هنانو». وفي مقدمة الذين أرسلت إليهم كتب الدعوة مصطفى النحاس رئيس الوفد المصري، وياسين الهاشمي رئيس وزراء العراق، والدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وشكيب أرسلان، وإحسان الجابري، ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، ومن الشعراء العرب إسعاف النشاشيبي، وبشارة الخوري، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، والشيخ سعيد العرفي عالم الفرات. وجاء في نص كتاب الدعوة: «تعلمون حفظكم الله أن الكتلة الوطنية في ديار الشام قد فجعت من أيام قليلة بقطب من أقطابها العاملين الزعيم إبراهيم هنانو الذي حبس حياته الطيبة على الجهاد في سبيل وطنه، متشدداً كل التشدد في المطالبة بسيادة هذا الوطن وحريته واستقلاله، حريصاً كل الحرص على دفع أي سلطان أجنبي فيه، عاملاً أتم العمل على نشر هذه المبادئ السامية في ربوعه»([95]).

كما أقيم حفل تأبين لهنانو في الجامع الأموي في 13 كانون الثاني 1936 شارك فيه طلاب الجامعة السورية.

وتقرر أن تقام حفلات تأبين مشابهة في فلسطين حيث سيتكلم نخبة من وطنييها، ففي نابلس سيتكلم سامي السراج وأكرم زعيتر، وفي القدس عوني عبد الهادي وعثمان قاسم، وفي يافا عزة دروزة وعجاج نويهض، وفي حيفا رشيد الحاج إبراهيم وصبحي الخضراء([96]). وورد كتاب إلى الكتلة الوطنية من الدكتور محمد نجاتي عابدين أمين جمعية الاتحاد الإسلامي – المسيحي في برلين بشأن إقامة حفلة تأبين لهنانو فيها. كما احتفل الطلاب السوريون في جنيف بأربعين هنانو في 1 كانون الثاني 1936، وتكلم في الحفلة الأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري وحضرها عدد من المندوبين العرب والأجانب في عصبة الأمم([97]). كما وردت برقية إلى النائب في الكتلة الوطنية فخري البارودي من سكرتارية عصبة مقاومة الاستعمار ولجنة الدفاع عن الحرية في باريس تعزي بهنانو. ووردت كذلك برقية من جمعية الطلاب العرب في تولوز تقول: «صعقتنا الفاجعة الوطنية، نعاهد المضي على مبادئه السامية»([98]).

ونقتطف هنا مقاطع من كلمة طلاب الجامعة السورية التي ألقاها بالنيابة الطالب عبد الوهاب الأزرق في حفل التأبين في الجامع الأموي بتاريخ 13 كانون الثاني، وقال فيها: «مولاي الزعيم الجليل، أن الطلاب لعهدك واعون، وعلى هديك سائرون، وللمخلصين مناصرون ومؤازرون، الحرية حقنا، والاستقلال غايتنا، والعروبة هدفنا، والإسلام شرعنا لا نحيد عنها أو يدركنا الموت ويرجع أمرنا إلى الله». واستذكر الطالب الأزرق ما قاله هنانو للطلاب غداة رفض معاهدة 1933: «أنتم الطلاب عنوان ثقة هذه الأمة فلا تخونوا أمانتها ولا تحطموا ثقتها، ولا تبددوا آمالها، ولا أقول لكم اعملوا بل كافحوا، ولا أوصيكم بالسلم والنصر، فليكن كل عملكم كفاحاً، وليكن كل سلمكم نصراً»([99]).

وفي الذكرى السنوية الأولى لوفاة هنانو، كتب فارس الخوري الأستاذ في معهد الحقوق ونقيب المحامين والنائب في المجلس النيابي افتتاحية طويلة في صحيفة القبس بتاريخ 23 تشرين الثاني 1936، بعنوان: «صفحات من حياة الرجل الخالد» استعرض فيها تاريخ سورية منذ مطلع القرن العشرين، ووضع نضال هنانو ضمن نضال سورية ليبين أهميته ولخّص في نهاية مقاله سيرة هنانو ودوره الوطني بقوله: «لم يكن الزعيم هنانو متطرفاً كما يزعمون بل كان حكيماً في تفكيره، متعقلاً في مطالبه، يعرف المستحيل ويتحاشاه، ويدرك الحق ويشتد في تقاضيه، فيتألم من تجزئة البلاد إلى دويلات مستضعفة قائمة على أساس الطائفية، ويمتعض من فوضى التشريع التي تركت الناس في حيرة، ويخاف من السياسة الاقتصادية التي قضت على روح البلاد، ويشكو من حرمان الأمة حقها الطبيعي بالوحدة والاستقلال، وهو بالجملة رمز للمبادئ الوطنية الصادقة، ومثال صحيح للثبات في المبدأ ومضاء العزيمة، وهذا الرمز باق خالد مستقر في كل نفس وراسخ في كل قلب»([100]).

وما هذه الندوة في مدينة إدلب بعد ثلاثة وسبعين عاماً على وفاة هنانو إلاَّ تأكيداً للمبادئ الوطنية الصادقة التي نادى بها وعاشها.

البحث الثالث في الجلسة الأولى


([1]) انظر دراستنا المفصلة لهذه المؤسسات في الحكومة العربية في مقالنا التالي:

Abdul-Karim Rafeq, “Arabism, society and economy in Syria, 1918-1920”, in State and Society in Syria and Lebanon, ed. Youssef M. Choueiri, Exeter University Press, 1994, pp. 1-26.

([2]) انظر سجلات هذه المحاكم في مركز الوثائق التاريخية في دمشق، سجل رقم 147، وسجل رقم 149.

([3]) انظر نص الخطاب في ساطع الحصري، يوم ميسلون، بيروت، 1947، ص213 – 217.

([4]) انظر دراستنا التفصيلية لهذه الاتفاقية بالاستناد إلى الأرشيف البريطاني في بحثنا التالي:

«من تاريخ سورية الحديث، العلاقات السورية – التركية 1918 – 1926»، المنشور في مجلة دراسات تاريخية الصادرة عن جامعة دمشق، العددان 19، و20، نيسان، تموز 1985، وكذلك في كتابنا: دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث، دمشق، مكتبة نوبل، 2002، ص297 – 364، وينظر حول الاتفاقية، ص301 – 306.

([5]) أورد القنصل البريطاني في حلب ترجمة لبيان مصطفى كمال هذا، انظر ذلك في الأرشيف البريطاني:

Foregin office (FO), 371, 4233 E 6778 (Translation of a proclamation issued by the Mustapha Kemal party in Aleppo about 9/10/1919).

([6]) الحصري، يوم ميسلون، ص161 – 161، 165 – 178، يوسف الحكيم، سورية والعهد الفيصلي، ط3، بيروت، دار النهار، 1986، ص179 – 180.

([7]) انظر بحثنا بالإنكليزية حول إعلان فيصل ملكاً على سورية، الذي ألقيناه في المؤتمر الدولي في كيوتو في اليابان حول أنظمة الحكم:

Abdul-Karim Rafeq, “Kingship, Caliphate or Sultanate: why Syria chose Kingship in 1920”, in Courtiers and Warriors: Comparative Historical Perspectives on Ruling Authority and Civilization, ed Kazuhiko Kasaya, Kyoto, International Research Center for Japanese Studies, 2004, pp. 445-454.

([8]) ونذكر كمثال الدراسة التي قام بها أصف شوكت في كتابه بعنوان: الثورات السورية، 1918 – 1921 في المنطقتين الساحلية والشمالية الغربية، دراسة تحليلية سياسية وعسكرية، دمشق، الأوس، 2002.

([9]) انظر دراستنا لهذه الثورات الثلاث في مقالنا التالي الذي ألقيناه باللغة الإنكليزية في المؤتمر الدولي الذي عقد في مدينة باد هومبورغ في ألمانيا في عام 1984 بعنوان:

Abdul-Karim Rafeq, “Society, economics and political power in Syria, 1918-1925”, paper submitted to the Colloquium on the Middle East in the Inter-War Period: The Interaction of Political, Economic and Cultural Development, organized by Institut Für Eurapäische Geschichte, Bad Homburg, 23 August- 1 September, 1984.

وقد ترجم هذا المقال إلى الألمانية ونشر مع بحوث المؤتمر في الكتاب التالي:

“Gesellschaft, wirtschaft und politische macht in Syrien, 1918-1925” in Der Nahe Osten in Der Zwischenkriegszeit, 1919-1939, Herausgegeben von Linda Schatkowski Schilcher und Claus Scharf, Stuttgart, Franz Steiner Verlag Stuttgart, 1989, pp. 440-481.

([10]) انظر سيرة هنانو في: أدهم آل الجندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، دمشق، مطبعة الاتحاد، 1960، ص116 – 118؛ الحكيم، سورية والعهد الفيصلي، ص92، 168.

([11]) فيليب خوري، «ملاحظات حول طبيعة المقاومة السورية للاحتلال الفرنسي في منطقة حلب، 1919 – 1920»، المنشور في الكتاب التكريمي للدكتور محمد خير فارس بعنوان: بحوث ودراسات في تاريخ العرب، تحرير خيرية قاسمية وعبد الكريم رافق، دمشق، دار طلاس، 2000، ص223 – 234، وبخاصة ص224 – 225.

([12]) الحكيم، سورية، والعهد الفيصلي، 168، يوسف الحكيم، سورية والاحتلال الفرنسي، ص86 – 127، 128؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص12، 72 – 130.

([13]) مذكرات يوسف السعدون عن ثورة هنانو، مركز الوثائق التاريخية بدمشق، القسم الخاص الوثيقة رقم 21.

([14]) مذكرات إبراهيم الشغوري عن ثورة هنانو، مركز الوثائق التاريخية بدمشق، القسم الخاص، الوثيقة رقم 22.

([15]) الشغوري، مذكرات، ص10 – 11، آل الجندي، تاريخ الثورات، ص74.

([16]) السعدون، مذكرات، ص13.

([17]) الشغوري، مذكرات، ص 10 – 11، آل الجندي، تاريخ الثورات، ص74.

([18]) يراجع الأرشيف، البريطاني التالي:

FO, 371, 5036 E 7277/2/44, Cairo, 23 June 1920.

([19]) انظر الأرشيف الأمريكي التالي:

National Archives in Washington (NAW), Records of the Department of State, M722, roll 8, dispatch no. 526, Aleppo, 3 July 1920.

([20]) انظر:

NAW, M722, roll 8, dispatch no. 598, Aleppo, 17 December 1920.

([21]) انظر:

NAW, M722, roll 8, dispatch no. 600, Aleppo, 20 December 1920.

([22]) الشغوري، مذكرات، ص14 – 17؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص74 – 75؛ وانظر مقالنا: «العلاقات السورية – التركية»، ص310 – 312.

([23]) الشغوري، مذكرات، ص42.

([24]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص74.

([25]) السعدون، مذكرات، ص35؛ الشغوري، مذكرات، ص42 – 44؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، 90 – 91.

([26]) انظر مثلاً: آل الجندي، تاريخ الثورات، ص74 – 92، وكذلك الدراسة الميدانية التي اعتمدت المصورات والخرائط لشرح المواقف العسكرية في آصف شوكت، الثورات السورية، ص57 – 154.

([27]) انظر:

Ministère des Affaires Étrangères (MAE), Nantes, Archives du Haut-Commissariat de la République Française en Syrie et au Liban, Carton 548, Armée du Levant, 2 Division Sandjak d’Alep, 17CIII, Rapport de Mission du Capitaine Boeuf.

ويذكر أدهم آل الجندي، تاريخ الثورات، ص86، إن الكابتن بوف كان بين الضباط الفرنسيين الذين قابلهم هنانو في شهر أيار 1921.

(2) انظر:

NAW, M722, roll 8, dispatch no. 634, Aleppo, 31 March 1921.

([29]) الشغوري، مذكرات، ص41.

([30]) انظر:

FO, 371, 6454 E 5715/117/89, Beirut, 3 May 1921.

([31]) انظر:

AE (Quai d’Orsay), Levant 1918-1929, Syrie-Liban, vol. 117, Beyrouth 25 juin 1922.

([32]) آصف شوكت، الثورات السورية، ص290، الملحق رقم 16 بالاستناد إلى إحصاءات الجنرال الفرنسي دي هاي (Du Hayes).

([33]) انظر:

FO, 371, 3558 E 1985, Paris, 7 November 1925.

([34]) الشغوري، مذكرات، ص36 – 39؛ السعدون، مذكرات، ص30، وانظر دراستنا بالإنكليزية لسياسة الفرنسيين تجاه البدو في سورية في مقالينا التاليين:

Rafeq, «Arabism, society and economy in Syria, 1918-1920», pp. 17-18; «Gesellschaft, wirtschaft und politische macht in Syrien, 1918-1925»:, pp. 457-463.

([35]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص125.

([36]) الشغوري، مذكرات، ص41؛ وانظر كذلك الأرشيف التالي:

FO, 371, 6455 E 3362/11/80, Beirut. 1 August 1921, 7845 E 597/274/89, Colonial Office to Foreign Office, 16 Januray 1922.

([37]) الشغوري، مذكرات، ص36 – 39، السعدون، مذكرات، ص53؛ غالب العياشي، الإيضاحات السياسية، أسرار الانتداب الفرنسي في سورية، بيروت، مطابع أشقر، 1954، ص209 – 214؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص86 – 87.

([38]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص 54 – 57؛ وانظر كذلك الأرشيف التالي:

FO, 371, 945 E 9810/117/89, Paris, 29 August 1921 (Le Temps, Paris, 26 August 1921) E 11026/117/89, Beirut 24 September 1921, E 11482/117/89, Beirut, 5 October 1921; AE, Levant, 1918-1929, Syrie-Liban, vol. 40, p. 138, Beyrouth, 5 janvier 1922.

([39]) الشغوري، مذكرات، ص44 – 45.

([40]) السعدون، مذكرات، ص45.

([41]) شوكت، الثورات السورية، ص272، الملحق رقم 8.

([42]) السعدون، مذكرات، ص45 – 47.

([43]) السعدون، مذكرات، ص12 – 13.

([44]) انظر تفاصيل هرب هنانو إلى شرقي الأردن، في آل الجندي، تاريخ الثورات، ص92 – 99.

([45]) ترد تفاصيل المحاكمة في آل الجندي، تاريخ الثورات، ص 101 – 113؛ وانظر أيضاً فتح الله الصقال، من ذكرياتي في المحاماة في مصر وسورية، حلب، مطبعة الضاد، 1958.

([46]) انظر الدراسة الهامة التالية حول قطاع الطرق الشرفاء في البلقان، وأمريكا اللاتينية، وقد أشارت إليهم بتعبير (economic and social banditry):

Eric Hobsbawm, Bandits, 4th rev. ed., New York, New Press, 2000.

([47]) الشغوري، مذكرات، ص13.

([48]) الشغوري، مذكرات، ص18.

([49]) السعدون، مذكرات، ص55.

([50]) السعدون، مذكرات، ص18، العياشي، الإيضاحات، ص214 – 218.

([51]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص88 – 89.

([52]) السعدون، مذكرات، ص39.

([53]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص70 – 73.

([54]) الشغوري، مذكرات، ص17، 32.

([55]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص13 – 14.

([56]) الشغوري، مذكرات، ص 43 – 44.

([57]) الشغوري، مذكرات، ص17 – 18.

([58]) الشغوري، مذكرات، ص19.

([59]) الشغوري، مذكرات، ص28.

([60]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص78.

([61]) الشغوري، مذكرات، ص31؛ وانظر أيضاً آل الجندي، تاريخ الثورات، ص73.

([62]) السعدون، مذكرات، ص62، علي رضا، قصة الكفاح الوطني في سورية، 1918 – 1945، حلب 1979، ص80.

([63]) السعدون، مذكرات، ص38.

([64]) السعدون، مذكرات، ص23، الشغوري، مذكرات، ص26.

([65]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص89.

([66]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص58 – 59.

([67]) السعدون، مذكرات، ص29.

([68]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص91.

([69]) السعدون، مذكرات، ص 20 – 21؛ الشغوري، مذكرات، ص36.

([70]) الشغوري، مذكرات، ص42 – 43؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص90.

([71]) الشغوري، مذكرات، ص42؛ وانظر أيضاً:

FO, 371, 6455 E 9556/117/89, p. 190a, 20 August 1921.

([72]) السعدون، مذكرات، ص26؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص65.

([73]) السعدون، مذكرات، ص12، الشغوري، ص 4، 12، 18 – 19؛ آل الجندي، تاريخ الثورات، ص77، 273.

([74]) الشغوري، مذكرات، ص19، آل الجندي، تاريخ الثورات، ص77.

([75]) الشغوري، مذكرات، ص29.

([76]) السعدون مذكرات، ص31، 45، 54.

([77]) الشغوري، مذكرات، ص20، آل الجندي، تاريخ الثورات، ص80.

([78]) السعدون، مذكرات، ص12.

([79]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص125.

([80]) السعدون، مذكرات، ص6، الشغوري، مذكرات، ص4.

([81]) الشعوري، مذكرات، ص4.

([82]) الشغوري، مذكرات، ص9 – 10، السعدون، مذكرات، ص11 – 12.

([83]) السعدون، مذكرات، ص35؛ الشغوري، مذكرات، ص42 – 43، آل الجندي، تاريخ الثورات، ص90.

([84]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص36 – 39، 40 – 41.

([85]) الشغوري، مذكرات، ص12 – 13؛ السعدون، مذكرات، ص13.

([86]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص34.

([87]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص67.

([88]) الشغوري، مذكرات، ص12.

([89]) السعدون، مذكرات، ص19.

([90]) انظر:

FO, 371, 6454 E 3354, Aleppo, 1 April, 1921.

([91]) انظر:

FO, 371, 5039 E 10449/2/44, Cairo, 25 August, 1920.

([92]) تراجع الدراسة الهامة التي قام بها فيليب خوري الذي يشغل حالياً منصب نائب الرئيس العلمي في معهد مساشوستس للتكنولوجيا (MIT) في بوسطن، في كتابه بالإنكليزية بعنوان:

Philip Khoury, Syria and the French Mandate, The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945, Princeton, Princeton University Press, 1987, pp. 246, 256, 270-272, 336, 387-388, 427-428.

وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية بعنوان، سورية والانتداب الفرنسي، سياسة القومية العربية 1920 – 1945، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1997؛ انظر أيضاً: الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي، ص235 – 241؛ 245 – 246.

([93]) آل الجندي، تاريخ الثورات، ص117 – 118.

([94]) انظر:

Khoury, Syria and the French Mandate, P. 457.

([95]) صحيفة «القبس»، 15 كانون الأول 1935، وانظر حول الاستعداد للحفلة في مدرج الجامعة، «القبس»، 2 كانون الثاني 1936.

([96]) صحيفة «القبس»، 15 كانون الأول 1935.

([97]) صحيفة «القبس»، 2 كانون الثاني 1936.

([98]) صحيفة القبس، 15كانون الاول، 1935.

([99]) صحيفة القبس، 14 كانون الثاني، 1936.

([100]) وقد استشهدنا بمقال فارس الخوري هذا في كتابنا: تاريخ الجامعة السورية، البداية والنمو، 1901 – 1946، أول جامعة حكومية في الوطن العربي، دمشق، مكتبة نوبل، 2004، 335 صفحة، انظر: ص 228 – 229،وما يليها.