أضواء على ثورة الشمال

Posted on 22 أكتوبر 2010 بواسطة



أضواء على ثورة الشمال

 

الأستاذ عبدو محمد

رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب

 

حوالي منتصف عام 1919م تقدم السيد إبراهيم هنانو رئيس ديوان ولاية حلب إلى والي حلب السيد رشيد طليع بطلب تشكيل فرق صغيرة تمارس حرباً متقطعة ضد الفرنسيين الغزاة الذين نزلوا إلى ساحل لواء الاسكندرونة وكان ذلك قبل دخولهم دمشق هذا النزول الذي لاقى رفضاً شديداً من المواطنين فقابلوه بالرصاص واشتبكوا مع القوات الغازية في مرفأ السويدية في معركة حامية بل ولاحقوا تلك القوات أثناء تقدمها باتجاه حلب

ويبدو أن إبراهيم هنانو لم يجد ما يبغيه عند الوالي لذا راح يتصل بمن يثق فيهم ويأمل منهم الانضمام اليه لتشكيل قيادة تجمع وتقود ثورة ضد المحتلين وبعد اتصالات لاقت قبولاً ومشاركة سريعة تألفت رئاسة مؤقتة بقيادته مؤلفة من سبعة رجال هم:

1-              محمد عي جمعة

2-              مصطفى أبو درويش

3-              عبد الرحيم حاج قدور

4-              مصطفى عويد

5-              علي المغربي

6-              صالح الشغوري

7-              الحاج ضرغام درة

كما تم تشكيل محكمة ثورة من أربعة رجال هم:

1-              عزة هنانو

2-              إبراهيم الصرما

3-              محمد درويش كيالي

4-              نجيب عويد

وعين الملازم إبراهيم الشغوري الضابط في الجيش الفيصلي في أواخر الحرب العالمية الأولى أمينا للسر ومرافقا للزعيم إبراهيم هنانو

وهكذا تم الاستعداد لانطلاقة ثورة الشمال ضد الغزاة الفرنسيين ولكن قبل أن نلقي بعض الضوء على مواقعها الرئيسة علينا أن نلقي بعض الضوء على شخصية قائدها إبراهيم هنانو الذي اخذ لقب الزعيم عن جدارة تامة:

 

أضواء على جوانب من حياة ومواقف وأعمال الزعيم إبراهيم هنانو:

هو إبراهيم بن سليمان آغا هنانو ولد في كفرتخاريم من أعمال ادلب عام 1866م

حين بلغ العشرين من عمره التحق بالجيش العثماني ليؤدي الخدمة العسكرية وقد وجدها مقيدة لطموحاته فطلب السماح له بمتابعة دراسته وبعد حصوله على الموافقة سافر إلى استبول لتلقي العلم وقد أجاد اللغة التركية بعد أربع أشهر من وصوله لاسطنبول تقدم بعدها بطلب لدخول المدرسة الملكية وحين رفض طلبه أعاد الكرة مصرا على دخولها وبعد إلحاح ونقاشات وحوارات حامية مع وزير المعارف قبل في المدرسة المذكورة وتخرج منها حاملا الشهادة الملكية والتي تعادل اليوم شهادة الحقوق

عرف إبراهيم هنانو أثناء دراسته بحبه للحرية وكرهه للظلم ولذلك نراه ينتسب لحزب الاتحاد والترقي الذي كان ينادي بمبادئ جميلة كانت تناسب هوى الشباب والأحرار في ذلك الوقت وكان حزبا سريا آن ذاك وبسبب انتسابه هذا سجن مرتين وفي المرة الثانية استطاع الهرب مرتديا لباس احد الفحامين الذي كانوا يجلبون الفحم للسجن

بعد نيله للشهادة الملكية عين مديرا لإحدى نواحي ولاية بورصة ثم قائم مقاما في ولاية ارض روم وحين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وتم ماتم من تقسيمات عاد إلى موطنه سورية وأقام في بلدته كفرتخاريم

حين دخل الجيش العربي بقيادة الشريف فيصل حلب جاءه الزعيم مع وفد من رجالات كفرتخاريم للسلام عليه وتهنئته فكلفه الشريف فيصل باحتلاله إنطاكية ورفع العلم العربي عليها فدخلها على رأس 150 من رجاله ورفع العلم العربي عليها وشكل فيها مجلس إدارة برئاسة السيد صبحي بركات ثم عاد إلى حلب

بعد قيام الحكومة العربية في سورية عين الزعيم إبراهيم هنانو قائم مقام لادلب التابعة لحلب كما عين مندوبا لحارم في المؤتمر السوري بدمشق ثم عين رئيسا لديوان ولاية حلب

أعلن الثورة على الفرنسيين فور دخولهم سورية وظل حاملا لواء الثورة المسلحة ثمانية عشر شهرا وبعد القبض عليه ومحاكمته ومن ثم تبرئته تابع النضال السياسي لتحرير سورية حتى وفاته في 21 تشرين الأول عام 1935م بعد معاناة مع مرض عضال مرض السل عايشه منذ عام 1922م

إن المتتبع لسيرة حياة الزعيم إبراهيم هنانو سيجد رجلا فيه شئ من النبوة والقداسة وسيجد عنده الكثير من الحكمة والتبصر بما وراء الأمور كما سيجد رجلا شهما أبيا أنوفا نظيف اليد واللسان والفكر يقظا حذرا يحسب حسابا لعدوه ولما قدم يقدم عليه وان اظهر له بعض اللين لذا نجا من محاولات الفرنسيين لاغتياله مرات ومرات حين راحوا يدسون بين صفوف الثورة بعض جنودهم وعملائهم ليغتالوه حين تسنح لهم الفرصة وكمثال على يقظته وحساباته نذكر الحادثة التالية:

حين كانت المفاوضات تدور بينه وبين الكولونيل “فوان” قرب أريحا اغتنم الجنرال “غوبو” فرصة المفاوضات للالتفاف عليه فأرسل جيشا من جهة الروج لمفاجأة قوات الزعيم ولاحتلال جبل الزاوية وأريحا من الغرب ولكن هذا الجيش الغازي فوجئ بنار حامية من قبل أربعمائة مقاتل بقيادة يوسف السعدون كان الزعيم أرسلهم ليكمنوا غرب جبل الزاوية حماية لظهره

حين فشلت محاولات الفرنسيين لاغتياله حاولوا شراءه بالمال والجاه والسلطة فرفض بإباء وشمم ومما يذكره التاريخ انه وبعد فشل المفاوضات مع الجنرال غوبو طلب الكولونيل “فوان” الانفراد به وحين سارا معا مبتعدين قليلا عن مرافقتهما راح فوان يحدثه بهمس عارضا عليه المناصب والأموال الطائلة فما كان من الزعيم إلا أن أجابه: لم أثر من اجل المال وعندي منه ما يكفيني ثم تركه وعاد إلى رفاقه

وحين ودعه الكولونيل فوان قال له محييا: إنني سعيد بالتعرف إليك وسأبقى صديقك ما حييت ولو كنت مكانك لما أجبت إلا بما أجبت به.. ..

وظل هذا الكولونيل متمسكا بصداقة الزعيم حتى بعد إحالته على التقاعد

أعمال كثيرة مثل أعمال القديسين والأنبياء كانت أعمال الزعيم تشهد بها كتب التاريخ وذكرها مرافقوه ومعايشوه فقد كان رحيما عطوفا حين تجب الرحمة ويلزم العطف وكان صارما حازما حين يلزمان ظل يمارس النضال لتحرير سورية طيلة حياته نضالا عسكريا أولا ثم سياسيا حين توقف العمل العسكري فقد شكل مع رفاق له الكتلة الوطنية التي قادت النضال السياسي وكان من رجالاتها الكبار (إبراهيم هنانو – هاشم الأتاسي – سعد الله الجابري – نجيب البرازي.. . ) وأكتفي بهذا القدر من بصيص الضوء على حياة الزعيم لألقي بصيصا آخر على الثورة التي أشعلها وقادها وهي التي عرفت بثورة الشمال السوري

البداية وأهم مواقع ثورة الشمال:

بدأت المقاومة الوطنية للاحتلال الفرنسي منذ أن وطئت قدماه ارض هذا الوطن إذ نشبت أولى المعارك الحامية بين الوطنيين والقوات الفرنسية فور نزولها في مرفأ السويدية كما ذكرنا كما رفع الشيخ يوسف السعدون لواء المقاومة متمترسا بجبال القصير / إنطاكية/ كما هاجم /400/ ثائر حارم في ليلة الثامن من نيسان 1920م وحرروها من الفرنسيين بعد معركة حامية وحاصروا قائدهم “لروا” في قلعتها حتى سقوط دمشق /25 تموز 1920م / بيد الفرنسيين والذين كانوا دخلوا حلب قبل ذلك بيومين

وبدءاً من يوم دخول الفرنسيين حلب في 23 تموز 1920م لجأ إبراهيم هنانو ورفاقه إلى الجبال متحملين مشاق الجهاد وصعوبة تأمين الإمداد والتمويل الضروريان وراح الزعيم ينفق من ماله الخاص ومما ورثه عن والده ولهذا الوضع الصعب رأت قيادة الثورة أن يتم الاتصال بتركيا لطلب الدعم وسافر الزعيم هنانو إليها ولقي قبولا لطلباته ووقع اتفاقية معها بهذا الشأن يوم 6/9/1920م وعاد ومعه بعض العتاد والسلاح بعد عودته تم تشكيل أربع فرق ضمت ما يقرب من ألف ثائر وكانت هذه الفرق كما يلي:

الفرقة الأولى ومجالها منطقة قصير إنطاكية وأسندت قيادتها للشيخ يوسف السعدون

الفرقة الثانية ومجالها منطقة كفرتخاريم وأسندت قيادتها للسيد نجيب عويد

الفرقة الثالثة ومجالها منطقة جبل الزاوية وأسندت قيادتها للسيد الحاج حسين.

الفرقة الرابعة ومجالها منطقة جبل صهيون وأسندت قيادتها للسيد عمر بيطار.

وبعد هذه الترتيبات وفي يوم 16/أيلول 1920م أعلن إبراهيم هنانو الثورة على الفرنسيين رسمياً ، وبدأت المعارك تنشب بين الطرفين بضراوة ، ومن أهم معارك الثورة أو أهم وقائعها:

معركة جسر الشغور:

ووقعت يوم 27/ تشرين الثاني 1920م ، وبعد اتصال وتنسيق مع ” الشيخ صالح العلي ” الثائر في جبال الساحل ، الذي كان يعاني أيضاً نقصاً في الإمداد التموين ، وقد هاجمت قوات الثورات الحامية الفرنسية في جسر الشغور، و احتلت المدينة بعد معركة حامية مع القوّة الفرنسية التي أسر من بقي حيّاً منها.

معركة كفر تخاريم:

سيرّ الفرنسيون في حملة كبيرة مؤلفة من لواء كامل /2500/ جندي من ادلب ، لتطلق منها إلى كفر تخاريم مقر الزعيم في ذلك الوقت وقد ناوشها الثوار في غارات متوالية وعنيفة لعرقلة مسيرتها ، ولكنها استمرّت رغم خسائرها الكبيرة وصلت إلى مشارف كفر تخاريم ، ولعدم تكافؤ القوى ، ، أجبر الثوار على الانسحاب بخاصة حين راحت

الإمدادات تتوالى على القوة الفرنسية الغازية ، فيما كان الثوار يعانون من تناقصها لديهم ، ولهذا تمكن الفرنسيون من دخول كفر تخاريم واحتلالها يوم 30/تشرين الثاني/1920م ولكن إقامتهم فيهم لم تطل ، فقد ندب الزعيم معاونه الثائر نجيب عويّد لاسترجاعها، فتقدم إليها على رأس قوة مؤلفة من ثلاثين رجلا ، موّزعين على ثلاث فرق ، حاصرها من ثلاث جهات ، الفرقة الأولى تقدّمت من غرب المدينة ، محددة لنفسها ساعة الهجوم آذان الفجر.

وقبيل رفع الآذان وقف السيد نجيب عويد معتلياً ظهر أحد القبور ، ونادى بصوتٍ عالٍ أهل المدينة ، يبشرهم بالخلاص والنصر ، طالباً منهم الدعاء لهم، فقد جاؤوا لإنقاذهم بثلاثة آلاف مقاتل وحين ارتفع صوت الآذان لعلع الرصاص مختلطا بصوت التكبير وصوت الأهالي من كل بيت داعية بالنصر للثوار ودارت معركة حامية أجبرت الفرنسيين على الانسحاب شمالا باتجاه حارم بعدما خسروا 130 جنديا من قواتهم أما خسائر الثوار فبلغت اثني عشر شهيدا وهكذا تحررت كفرتخاريم ولكن العدو الذي انسحب منها مقهورا راح يحرق ويدمر القرى التي يمر عليها أثناء انسحابه فنهب قرية سقاط وخربها ثم نهب بلدة سلقين في طريقه ولكنه طرد منها وبصعوبة وصلت بقايا الحملة إلى جسر الشغور منهوكة مذلولة ومنها عادت إلى حلب فوصلتها في يوم 7 كانون الأول 1920م بعدما خسرت ألف قتيل من أفرادها

3- حملة ” دي بيوفر “: بعد فشل حملة كفرتخاريم ولتستعيد فرنسا هيبتها قرر الجنرال ” دي لاموت” قائد منطقة حلب العسكرية إرسال حملة ضخمة للقضاء على ثورة هنانو فأرسل حملة جديدة بقيادة الكولونيل ” دي بيوفر ” نحو معاقل الثوار سالكة خطين لتشتيت قوات الثوار ولكن الثوار شنوا عليها حرب عصابات عنيفة بغارات متوالية والحقوا بها خسائر فادحة أجبرتها على العودة إلى حلب خائبة بعد شهر من خروجها

4- حملة الجنرال “غوبو”: وخرجت هذه الحملة من حلب أيضا مكلفة بمهمتين الأولى تمشيط منطقة شرق نهر العاصي والقضاء على الثوار فيها والثانية اجتياز نهر العاصي والوصول لمعاقل الشيخ صالح العلي في جبال الساحل والقضاء عليه أيضا

تقدمت قوات الحملة متحملة ضربات الثوار المتوالية والعنيفة ولكنها استطاعت بصعوبة الوصول إلى جسر الشغور وحين بدأت بصعود الجبل قاصدة معاقل الشيخ صالح فاجأها الثوار بكمائن مدمرة مما اضطر ” غوبو ” لطلب النجدة من حلب وحين خرجت النجدة من حلب وكانت تتألف من ثلاثمائة وخمسين جملا محملا بالذخائر والمؤن يحرسها ويدعمها جنود من المشاة والخيّالة وبعد اجتيازها ادلب وعند الجبل الوسطاني تصدت لها كمائن الثور بقيادة الزعيم هنانو ونشبت بين الطرفين معركة حامية ضارية قرب دركوش قتل فيها عدد كبير من الجنود الفرنسيين بينهم ابن الجنرال ” غوبو ” وفي ذروة المعركة وصلت نجدة للثوار بقيادة الثائر نجيب عويد رجحت الكفة لصالح الثوار وفر الفرنسيون مهزومين مخلفين وراءهم مؤنهم وعتادهم ولكن ” غوبو ” حصل على المؤن والعتاد من الفرنسيين في إنطاكية واستطاع بذلك العودة إلى حلب مذلولا مقهورا وراح يحرق القرى ويقتل الأهالي في طريق عودته انتقاما من الثوار الذين كانوا يلاحقونه في غارات مستمرة

5- واستمر الفرنسيون في تسيير حملاتهم للقضاء على الثوار وتابع الثوار تصديهم لهذه الحملات وهكذا فشلت حملة “دي بيوفر الثانية والتي خرجت من حلب في 3 شباط 1920م وفي مقدمتها الفرقة الأجنبية التي كانت مشهورة بقسوتها وشراستها وبخاصة في معاملتها للأهالي العزّل وكانت هذه الفرقة تتألف بغالبيتها من الجنود السنغاليين يقودهم ضباط فرنسيون وقد سبقت خروج الحملة قيام الطائرات بقصف القرى في طريقها فقتلت عدد من الأهالي ونسفت بيتا من قرية ” كللي” وقرية “زردنا” وغيرهما ولتخفيف الضغط على الثوار رأى الزعيم أن يفتح جبهة جديدة في جبل الزاوية فتحركت فرقة الثائر مصطفى الحاج حسين الذي بدأ بشن غاراته بدءأ من الأول من آذار عام 1921م وقد أرسلت القيادة الفرنسية قوة من الدرك لمقاتلة الثوار في جبل الزاوية مؤلفة من 200دركي لكن هذه القوة فوجئت بكمين للثوار عند وصولها ل” أورم الجوز” طالبا منهم الاستسلام ولما رفض قائد القوة الاستسلام نشبت معركة ضارية بين الطرفين قتل فيها قائد القوة وأربعين من أفرادها فاستسلم الباقون جميعهم

وبعد خسارة الفرنسيين لمعركة الدرك عند ” أورم الجوز” نشبت معارك أخرى مع القوات الغازية منها معركة جبل الأربعين ومعركة “سرجة ” ومعركة وادي ترعان ومعركة قرب قرية لوزة ومعركة تل الزيتون من قضاء المعرة وغيرها ومما يجب ذكره عن معركة وادي ترعان أن الزعيم هنانو كلف ثائر من قرية احسم اسمه مصطفى المحلول بتفجير مستودع كبير للذخيرة عرف بوجوده قريبا من ارض المعركة فتقدم الثائر مصطفى غير هيّاب واستطاع تفجير المستودع عارفا انه سيتطاير شظايا مع شظاياه

وظلت المعارك الحامية تدور بين الطرفين وكانت الغلبة دائما للثوار رغم الخسائر التي كانت تلحق بهم ورغم ما كانوا يعانونه من نقص الإمدادات والذخائر ومما يجب ذكره أن الجنود المغاربة الذين كانوا مجندين في الجيش الفرنسي كانوا يطمرون الذخيرة في الأماكن التي يتواجدون فيها عند رحيلهم وكانوا يتركون إشارات تدل عليها ليحصل عليها الثوار الذين كانوا في أمس الحاجة اليه وكانت تلك الذخائر عونا كبيرا لهم

وظل الضغط الفرنسي على الثوار مستمرا وعنيفا بطرق عديدة شعارهم الغاية تبرر الوسيلة فراحوا يغرون ضعاف النفوس بالمال فجندوا عدد كبير من الناس تحت اسم الحرس السيار وأطلقوا أيديهم في السلب والنهب والقتل فعاثوا فسادا ونشروا خرابا كما توالت اتصالاتهم بتركيا باذلين لها الوعد بقطع الإمدادات عن الثوار وكان لهم ما أرادوا في هذا الجانب فقطعت تركيا الإمدادات عن الثوار ولذا بدأت مؤنهم وذخائرهم تشح يوما بعد يوم كما سحبت فرنسا قواتها الموجودة في تركيا بعد الاتفاق معها وألقتها لمقاتلة الثوار في جبل الزاوية وأثناء هذه الأحداث المتلاحقة حدثت مصادفة واقعة أفضت إلى إيقاف القتال مؤقتا لإجراء مفاوضات بين الطرفين

6- الكولونيل “فوان” والتفاوض:

في 14 نيسان عام 1921م تقدمت قوة فرنسية بقيادة الكولونيل فوان لاحتلال جبل الزاوية مرورا بأريحا وقبل دخول أريحا لمح الفرنسيون راية بيضاء ترفرف فأرسلوا قوة صغيرة لاستطلاع الأمر ظانين أن الثوار يريدون الاستسلام أما الثوار في حين رأوا القوة الفرنسية مقبلة نحوهم ظنوا أنها من المغاربة أو الفرنسيين قادمة للانضمام إليهم وكان هذا يحدث أحيانا ولكن حين تواجهت القوتان لم تكن الآمال صحيحة فدارت معركة بين الطرفين اسر فيها قائد القوة الفرنسية وخمسة وعشرون من أفراد قوته كما اسر الفرنسيون ستة من الثوار وقد أطلق الكولونيل فوان قائد الحملة الفرنسية سراح الثوار الأسرى وزودهم بكتاب للزعيم يبين له فيها اللبس الذي حصل طالبا منه حسن معاملة أسراه فرد عليه الزعيم بالمثل وأطلق سراح الأسرى الفرنسيين مع أسلحتهم وأرسلهم مع مرافقه الخاص الملازم إبراهيم الشغوري ليوصلهم إلى الكولونيل المذكور

وفي اليوم التالي جاء كتاب من فوان يطلب لقاء الزعيم للبحث في حل مناسب لما يجري وتمت المقابلة في قرية كفرنجة وأثناء اللقاء اقر فوان للزعيم بأنه وثواره على حق لأنهم يدافعون عن وطنهم وكرامته وطلب مهلة ثمان وأربعين ساعة ليتصل بالجنرال دي لاموت في حلب ولكن الجنرال دي لاموت رفض المبادرة السلمية وأوعز للجنرال غوبو بالتحرك للقضاء على الثوار بعدما زوده بقوات إضافية

واشتعلت المعارك من جديد وكانت ضارية مما اضطر غوبو للاستماع لرأي فوان وقبول مفاوضة الزعيم وبعد احتياطات واستعدادات تم اللقاء بين الزعيم والجنرال غوبو في قرية كورين في السابع عشر من نيسان 1921م.

7- مؤتمر كورين 17 نيسان 1921 م:

في هذا اللقاء قدم غوبو الشروط التالية للزعيم:

1- تسليم كل سلاح

2- تسليم الرجال الذين باغتوا الحملة في دركوش وقتلوا قائدها وهو ابن غوبو

3- أن يرافق الزعيم وصحبه الجنرال وجنده إلى مناطق الثوار لإدخال الطمأنينة لنفوسهم أثناء تسليم أسلحتهم.

4-يبقى الزعيم وصحبه في ضيافة الجنرال حتى تنفيذ الشروط الثلاثة الأولى.

6- تمدد الهدنة المعقودة بين الطرفين ثمان وأربعين ساعة أخرى ريثما يتصل الزعيم بالثوار

7- بعد تنفيذ الشروط السابقة تشكل حكومة في كل من:

حارم- ادلب – جسر الشغور – المعرة – قسم من إنطاكية – وقسم من جبل سمعان – وتسند رئاسة هذه الحكومات للزعيم إبراهيم هنانو

حين قرأ الزعيم الشروط غضب كثيرا واظهر أسفه للطريقة التي يفكر بها الجنرال وقال له: أنا لا أرضى بتقسيم جديد لسورية إضافة لما أعلنتموه من تقسيمات سابقة حين دخلتم إليها وأضاف انه ليس مواطن عادي مثل بقية المواطنين في سورية القادرة على حكم نفسها وحين مضى مبتعدا سايره الكولونيل فوان وهمس له عارضا عليه الأموال كما ذكرنا أجابه: أنا لا أريد مالا فعندي منه ما يكفيني (و كان قد باع كل أمواله لتأمين مستلزمات الثورة)

8-              نهاية الثورة المسلحة:

بعد إنهاء المفاوضات بين الطرفين بالفشل استؤنف القتال واشتدت ضراوته وكانت الإمدادات تتوالى على الفرنسيين بينما كان الثوار يعانون النقص فيها بل راحت تشح يوما بعد يوم وبخاصة حين قطعت تركيا عنهم المدد والذخيرة بعد اتفاقها مع الفرنسيين ولم يستطع الثائر نجيب عويد الوصول لحماة التي أرسل لجلب المدد منها أما الاتصالات مع الأمير عبد الله في الأردن فلم تأت بغير الكلام الجميل وعلى الوعد يا كمون كما يقولون في الأمثال

في هذه الإثناء كانت فرنسا تشدد من ضغطها وتكثر من إرسال قواتها لساحات القتال باذلة في الوقت نفسه الوعود بالعفو عن كل من يستسلم لها من الثوار لإضعاف قوى الزعيم وحين بدأت الكفة تميل لصالح فرنسا بسبب نقص الإمدادات أولا وأخيرا فقد وصل الأمر بالثوار لتقاسم ذخيرتهم القليلة أصلا وبالخمس طلقات والعشر طلقات ولجأ عدد من الثوار يستشيرون الزعيم فيما عليهم إن يفعلوه وبخاصة لم يعد لديهم ذخيرة يقاتلون بها وتحت الضغط المتلاحق عقد الزعيم مجلسا ثوريا للتشاور وتم بحث الوضع العام وتوصل المجتمعون إلى ما يلي:

1-     تتجه فئة من الثوار إلى الأردن برئاسة الزعيم هنانو

2-     تتجه فئة ثانية منهم إلى تركيا بناء على دعوة الحاج فاتح المرعشلي

3-     للآخرين حق الاختيار بين أن يستلموا للفرنسيين طلبا للعفو أو أن يمارسوا حرب عصابات محدودة

وانتهى الاجتماع وكان الوداع مؤثرا بين رفاق السلاح وغادر الزعيم مع أربعين من رجاله باتجاه الأردن وكان ممن معه إبراهيم الشغوري – عمر زكي الأفيوني – المقدم الركن خالد – مظهر السباعي – حقي هنانو – الكابتن البلغاري الذي كان التحق بالثوار مع عشرة من جنوده – وكان دليلهم الثائر هزاع أيوب

توجهت الفئة الثانية إلى تركيا برئاسة نجيب عويد وكان ممن معه الشيخ يوسف السعدون – مصطفى الحاج حسين – عقيل السقاطي – عمر بيطار – عمر علوش

وتوزعت الفئة الثالثة فمنهم من استسلم طالبا العفو ومنهم من التجأ لقمم الجبال وشعابها متواريا عن عيون العدو منتظرا الفرصة السانحة للانقضاض عليه أما ما جرى لكل فئة من هذه الفئات الثلاث وما لاقته كل منها من مشاق وصعاب وبخاصة الفئة التي سار بها الزعيم فهناك الكثير ما يروى عن ذلك وقد وصل الزعيم إلى الأردن وحيدا بعد ما قاسى الأهوال وفقد الرجال صرعى في اشتباكات ما كانت يجب إن تقع وصل إليها متبعا مكدودا لا يملك مالا وهناك وبددسيسة من احدهم قبض عليه وسلمه الانكليز من هناك للفرنسيين الذين حاكموه في حلب وبعد محاكمات ونقاشات حامية وانتظارات من المواطنين على أحر من الجمر حكمت المحكمة ببراءة الزعيم من تهمة العصيان والتمرد فهو لم يخضع يوما لفرنسا حتى يعد ثائرا عليه وهو لم يتعرف بالحكومة الغازية ولا دفع لها الضرائب يوما بوضع قوانينها ولا صوت عليها بالموافقة يوما وكان يوم إطلاق سراحه يوما مشهودا في حلب وما حولها

ولكن الزعيم وبعد إطلاق سراحه لم يتوقف عن النضال يوما وان توقف عن الثورة المسلحة إذ تابع النضال السياسي رغم معاناته عوارض المرض (السل) الذي راح يفتك به يوما بعد يوم هذا المرض الذي أصابه أثناء معايشته الظروف القاسية في الجبال والحر والقر ومع كل معاناته وآلامه شكل مع بعض رفاقه حزب أو تجمع الكتلة الوطنية التي قادت النضال السياسي في سورية حتى تحقيق الاستقلال في عام 1946م