سلوقوس الأول مؤسس المملكة السلوقية في سورية و باني مدينة سلقين

Posted on 21 أكتوبر 2010 بواسطة




سلوقوس الأول
مؤسس المملكة السلوقية في سورية

مؤسس الإمبراطورية السلوقية

سلوقوس الأول نيكاتور

يحيط الغموض بأصل سلوقوس ونشأته، وتتضارب الروايات حول ذلك مثلما هي الحال بالنسبة لبطلميوس، ومع ذلك فإننا سنحاول أن نستشف من مصادرنا ما يعين على إلقاء بعض الأضواء على هذا الموضوع، وعلى تكوين فكرة واضحة عنه.

تختلف المصادر في سنة ولادة سلوقوس، بين سنتي 358-354ق.م، ولكنها تُجمع في معظمها على أنه ولد في مدينة (يوروبوس) في مقدونية. وهو ابن لاوديكي وانطيوخس. وكان جده لأبيه يدعى أيضاً سلوقوس، ويُعتقد أنه كان قائداً مشهوراً في جيش فيليب والد الإسكندر الكبير. وسلوقوس، اسم مقدوني صميم كثيراً ما استخدمته الأسر المقدونية النبيلة منذ عهد بعيد، غير أنه لم يستخدم في بلاد الإغريق ذاتها إلا بعد موت الإسكندر. وبرغم أن نقشين من عهد انطيوخس الأول يشيران إلى وجود صلة قرابة بين السلوقيين والإسكندر، فإنه لا يمكن الجزم بأن سلوقس كان فعلاً يمت بصلة إلى أسرة الإسكندر عن طريق والدته.

ولاشك أن سلوقس رغم ذلك لم يكن من عامة الشعب وإنما من النبلاء ذلك أن مصادرنا تصفه أثناء الحملة مرة بأنه كان أحد رفقاء الإسكندر، ومرة بأنه أحد الأصدقاء. ومما يجدر بالملاحظة أن وصف أصدقاء ورفاق لم يكن يطلق إلا على النبلاء. ويؤيد ما نذهب إليه أنه بعد وفاة الإسكندر أسندت إلى سلوقوس قيادة فرقة «الفرسان الرفقاء» وبما أن هذه الفرقة كانت مؤلفة من نبلاء مقدونية، فإنه لا يمكن أن نتصور إسناد قيادة هذه الفرقة إلى رجل لم يكن من النبلاء.

ويمكن تكوين فكرة ما عن شخصية سلوقوس وصفاته من التفرس فيما وصل إلينا من صور على النقود أو تماثيل، ذلك أن هذه التصاوير وبخاصة التماثيل النصفية منها تطالعنا بملامح سلوقوس الشخصية. وهي جبهة عريضة عالية، وعينان غائرتان، وأنف دقيق وشفتان حازمتان، وذقن عريضة قوية، ورقبة عريضة قوية العضلات وكلها ملامح تفصح -إذا جاز التعبير- عن صفات رفيقة جديرة بعاهل عظيم كشفت سيرة حياته عن صفاء ذهنه وزلاقة لسانه وقوة إرادته ودهائه السياسي وطموحه.

زواجه

كانت الزيجات السياسية من أهم الأساليب الدبلوماسية في العصر الهيلنستي، وتحدثنا المصادر القديمة بأن سلوقوس كان ابن عصره في هذا الصدد، إذ عقد خلال حياته زيجتين كانت أولاهما من (أباما) الفارسية، وثانيتهما من الأميرة المقدونية (استراتونيكي) ابنة دمتريوس، وإذا كان الشك لا يرقى إلى هاتين الزيجتين فإن هناك شكوكاً قوية حول ما ترتب على اتفاق المصاهرة الذي عقد بين سلوقوس والملك الهندي تشاندرا جوبتا. وعلى كل حال فإننا سنستعرض الزيجتين المتفق عليهما وكذلك اتفاق المصاهرة سالف الذكر لنتبين فيما إذا كان سلوقوس قد توخى من وراء ذلك كله أهدافاً كان يتطلع إلى تحقيقها.

ومما يجد بالملاحظة أولاً أن زواجه من أباما كان أطول زيجاته أمداً وأكثرها رسوخاً، فقد كانت الملكة السلوقية الأولى أباما إحدى عرائس زواج سوسا الكبير (سنة 324ق.م) عندما تزوج الإسكندر الأميرة بارسيني وأعطى كل واحد من قواده زوجةً فارسية. وجدير بالملاحظة ثانياً أن أباما تتفرد بأنها من بين تلك السيدات جميعاً كانت الوحيدة التي أصبحت جدة لسلالة من الملوك الهيلنستيين، علماً بأن بطلميوس وسلوقوس كانا القائدين الوحيدين اللذين نجحا في تأسيس مُلك دام طويلاً. بيد أنه لا يُعرف شيء عن زوج بطلميوس الفارسية سوى أنها اختفت من سيرة الأسرة البطلمية بسرعة فائقة مما حمل بعض مؤرخينا على الاعتقاد بأنها قد طُلقت مباشرة بعد موت الإسكندر ومغادرة بطلميوس بابل إلى مصر، نظراً لانعدام أهميتها السياسية بالنسبة لزوجها الذي حكم مصر بالمقارنة مع أهمية أباما بالنسبة لسلوقوس الذي امتد سلطانه على رعايا من الفرس.

ولعل احتفاظ سلوقوس بزوجته بعد موت الإسكندر -من بين كافة القادة الذين تزوجوا في سوسا- وعدم تطليقها أو -على الأقل- وهجره لها خلال الفترة التي قضاها قائداً متجولاً في قوات برديكاس أو لاجئاً في بلاط بطلميوس، أو هائماً ومكافحاً قبل استرداده بابل -كما سيمر معنا فيما بعد- يبدو أمراً جديراً بالتساؤل فهل كان سلوقوس يمَّني نفسه منذ موت الإسكندر بالفوز ببابل والولايات الشرقية، وخطط لتحقيق هذه الأُمنية مثل ما خطط بطلميوس للفوز بمصر، ورغبة منه في دعم شرعية سلطانه على المقاطعات الفارسية التي كان يتطلع إلى الحصول عليها قرر أن يحتفظ بزوجته الفارسية…؟

وإذا كان هذا الاحتمال جائزاً على أساس أن لكل إنسان تطلعاته التي يعمل دائباً -حسب إمكاناته- على تحقيقها، فإننا نفتقر إلى الشواهد التي تثبته، وإذا صح هذا الاحتمال فإن معناه أن سلوقوس كان يتطلع إلى ولاية بابل كولاية مثالية لحكمه المرتقب، ولكنه مما لا شك فيه أن قوة هذا الدافع ليست كافية للاحتفاظ بزوجه لو لم تكن هناك دوافع أخرى، كحبه لها أو إعجابه بشخصيتها مثلاً.

ورغم أن سلوقوس لم يكن مخلصاً تماماً لمجموع أفكار الإسكندر السياسية والحضارية فإنه كان أخلص قادته على الإطلاق وأكثرهم وفاء لبعض أصول هذه الأفكار، وقد ظهر هذا واضحاً جلياً في متابعته أمرين بوجه خاص: واحدهما هي اقتفاء أثر الإسكندر في نشر الحضارة الإغريقية عن طريق العديد من المراكز الكثيرة التي أنشأها والأمر الآخر هو: احتفاظه بزوجته التي منحه الإسكندر إياها يوم عرس سوسا الكبير.

أما الزواج الثاني لسلوقوس، فقد كان من استراتونيكي ابنة دمتريوس وهي التي تزوجها في غمرة محالفات التصاهر التي عقدها خلفاء الإسكندر بعد موقعة إبسوس. ومعنى ذلك أن هذا الزواج كان زواجاً سياسياً توخى سلوقوس من ورائه دعم قدراته العسكرية باكتساب مودة حليف قوي تدين له بالولاء مدن إغريقية كثيرة، ويسيطر على أسطول كان لا يقل كثيراً عن أسطول غريمه بطلميوس، ويؤكد ما ذهبنا إليه أمران أحدهما: الأهمية التي كان سلوقوس يعلقها على تزايد نفوذه في المناطق الغربية من إمبراطورية الإسكندر (تلك المناطق التي كان لدمتريوس فيها هيمنة واضحة) تمهيداً لتحقيق الخطوة التالية في طريق حلمه الكبير في استعادة السيطرة على إمبراطورية الإسكندر، وثانيهما: خلع استراتونيكي على ابنه بعد أن فقد والدها دمتريوس مكانته السياسية والعسكرية.


سلوقوس الأول نيكاتور

وإذا سلمنا بصحة روايتي المؤرخين ابيانوس ولوكيانوس عن وقوع انطيوخس في غرام زوجة أبيه استراتونيكي غراماً أضناه إلى حدٍ تُهدد حياته، فلعل أن نزول سلوقوس عن زوجته لابنه الوحيد لم يكن مبعثه إنقاذ حياة ابنه فحسب بل أيضاً عدة عوامل أخرى، وربما كان من أهم هذه العوامل حنين سلوقوس إلى زوجته الأولى التي قضى برفقتها أياماً حالكة وأياماً مشرقة، ورغبته في استعادة ثقة الفرس الذين لا يستبعد أن يكون قد أساءهم إقصاء أباما، دون استنفار عداء الأسرة الانتيجونية، وهي الأسرة الأقوى نفوذاً في بلاد الإغريق القارية لتكون حليفة طبيعية لابنه بعد وفاته، كل هذه العوامل مجتمعة أو بعضها أسهمت في ذلك القرار الذي اتخذه سلوقوس بخلع زوجته الثانية.

والحقيقة أن تأكيد بعض المؤرخين بأن سلوقوس قد استبعد أباما من الصورة الملكية عند زواجه من استراتونيكي تتفق مع استقرار الأمور في الشرق لصالح سلوقوس، وكذلك مع العرف السائد بين المقدونيين من حيث عدم اتخاذ أكثر من زوجة واحدة في وقت واحد. ولعل افتقارنا إلى أدلة تثبت إغداقه أي مظهر من مظاهر التشريف على الزوجة الجديدة (باستثناء إطلاق اسمها على واحدة فقط من المدن العديدة التي أنشأها) وتنازله عن هذه الزوجة لابنه يدلان على أنه لم تكن لهذه السيدة عند سلوقوس مكانة خاصة تداني من قرب أو بعد مكانة أباما عنده.

ورغم الغموض الذي يحيط بأمر المصاهرة التي ارتبطت بالمعاهدة التي اتفق عليها بعد إنهاء حالة الحرب بين سلوقوس وتشاندرا جوبتا، نظراً لتفاوت وجهات نظر مؤرخينا المحدثين حول تفسير بعض الاصطلاحات التي أوردتها بعض مصادرنا الأدبية القديمة، فإنه بات من المؤكد أنه لا سلوقوس ولا أي واحد من أبنائه كان طرفاً في هذه المصاهرة نظراً لمعرفتنا بأن سلوقوس لم يكن له إلا زوجتان (أباما واستراتونيكي) وابنة واحدة (فيلا) وهي التي ولدت بعد المعاهدة. ونحن والحالة هذه نؤيد وجهة نظر الأستاذ (بوشيه لوكليرك) بأن الاتفاق لم يستتبع حتماً تكريس المعاهدة بتصاهر الطرفين، وأن الاتفاق على التصاهر لم يكن إلا رمزاً للصداقة الحميمة بين الطرفين، سيما أن الظرف الهندي كانت تسيطر عليه العصبية الطائفية ويقدس مثل هذه المصاهرات.

ويتضح من أمر سلوقوس في مصاهراته أنه كان ابن عصره فعلاَ، وكان يتصرف بمصاهراته كما أسلفنا بوعي وحكمة لما لهذه الزيجات من آثار سياسية معروفة. ذلك أنه ضمن باستبقاء أباما ولاء ودعم المناطق الفارسية، في حين كسب بزواجه من استراتونيكي وقوف دمتريوس إلى جانبه وترحيب رعاياه من الإغريق والمقدونيين. فما أن قضى لبانته من هذا الزواج حتى خلع زوجته على ابنه، وفضلاً عن ذلك فإنه أمّن بمصاهرته من العائلة الموريانية حدوده الشرقية، وضمن مصادر تموينه بالمواد والسلع الضرورية لاقتصاد إمبراطوريته وقوتها العسكرية.


الدولة السلوقية

فتوحات سلوقوس

تشير المصادر إلى أن سلوقوس لم يقم خلال حملة الإسكندر بدور يضارع الأدوار التي قام بها القواد الكبار الذين اضطلعوا بعد وفاة الإسكندر. والواقع أن سلوقوس رغم عدم شغله منصباً كبيراً في جيش الإسكندر فإنه كان واحداً من أخلص رفاقه الذي اعتمد عليهم في حملته وعهد إليه بعدة مهام متنوعة كان بعضها حاسماً في بعض المواقف. وإن دل تعدد وتنوع هذه المهام عن شيء فهو يدل على أنه عند بداية حملة الإسكندر إذ كان سلوقوس من المقربين إلى الإسكندر فإنه لم يكن ضابطاً مجرباً شأنه شأن الضباط المحنكين الذين اضطلعوا بأدوار كبرى طوال الحملة. غير أن سلوقوس لم يلبث أن أحرز من الخبرة وأثبت من الكفائة والشجاعة ما أكسبه ثقة الإسكندر فاختاره في زمرة من اعتمد عليهم الفاتح الكبير في فتح عدد من الأقاليم وأسند إليه قيادة فرق متعددة في بعض المعارك.

ويبدو أن ثقة الإسكندر في سلوقوس كان يقابلها قدر كبير من محبة سلوقوس ووفائه لقائده. ويروي المؤرخ آريانوس أن سلوقوس قد أظهر مع عدد من القادة المقربين حزناً عظيماً عندما شارف الإسكندر على الموت، واستشاروا الإله فيما إذا كان من الأفضل إدخال الإسكندر إلى المعبد، فأشار عليهم -كما روى آريانوس- بأن يبقى في مكانه حتى يلفظ آخر أنفاسه.

وبعد موت الإسكندر مباشرة أُسندت إلى سلوقوس قيادة فرقة الفرسان الرفقاء وهي التي سبق أن تولى قيادتها أكبر القادة مثل هيفايستيون وبعده برديكاس في حياة الإسكندر. ولا شكل في أن قيادة مثل هذه الفرقة المؤلفة من نبلاء مقدونية كانت شرفاً عظيماً، وتُكسب شاغلها مكانة سامية لا تفوقها إلا مكانة القائد العام للجيش. ولم يستمر سلوقوس في منصبه هذا طويلاً، إذ أنه تنازل عن هذا المنصب في سنة 321ق.م لصالح كاساندروس بن انتيباتروس ليشغل منصبه الجديد والياً على بابل.

ولا جدال في أن رجلاً مثل سلوقوس، عريق الأصل، ومحارباً شجاعاً اكتسب تقدير الإسكندر لقدرته العسكرية، كان واسع الأطماع ويعد نفسه جديراً أن تُسند إليه إحدى الولايات الهامة في الإمبراطورية. ويبدو أن قناعته يوم مؤتمر بابل بتولي قيادة فرقة الفرسان الرفقاء لم يتحل دون تحَيُّنه الفرص لتحقيق أطماعه. ولاشك أنه مهد لذلك تمهيداً قوياً بتآمره على حياة برديكاس ومشاركته في الإجهاز عليه، وكذلك بإنقاذ حياة الوصي الجديد انتيباتروس عندما تمرد عليه الجنود المشاة قبل الوصول إلى اتفاق تريباراديسوس. ولما كان من أهم ما عني به القواد في مؤتمر تريباراديسوس تعيين خلفاء الأنصار برديكاس، وكان سلوقوس قد قام بدور رئيس في الإجهاز على برديكاس، فإنه حقق أمله المنشود بالحصول على ولاية بابل.

وكانت مهمة سلوقوس في خكم ولايته مهمة عسيرة لعدة أسباب، فرغم أنها كانت تمتلك كثيراً من المميزات والمقومات وتشابه ولاية مصر في كثير من النواحي الاستراتيجية والاقتصادية، فإنها بحكم موقعها الجغرافي كانت شديدة القرب من مواقع الأحداث وتبعاً لذلك شديدة القرب من ميادين القتال. حقاً أن مركز الإمبراطورية انتقل إلى مقدونية بعد مؤتمر تريباراديسوس وإقامة انتيباتروس وصياً، بيد أنه كان لقرار هذا المؤتمر تعيين انتيجونوس قائداً عاماً للجيش الملكي في آسية نتائج بعيدة المدى أثرت في مجرى الأحداث العامة.

وقبل أن نرى ما كان من أمر انتيجونوس، يجب أن نلقي نظرة عاجلة على الشرق حيث نجد بين حكام الولايات الشرقية اثنين من القادة الكبار وهما: (بيوكستاس) و(بايثون).

وكان بيوكستاس قد حصل من الإسكندر نفسه على ولاية (فارس) وقد ثبتت قرارات مؤتمري بابل وتريباراديسوس حقوق بيوكستاس في ولايته هذه. ويبدو أن هذا القائد قد تأثر بفكرة الإسكندر التي ترمي إلى إزالة الفوارق بين الأجناس وحكمها على قدم المساواة. وعمل ضمن هذا المنظور بإخلاص وحماس منقطعي النظير، كما يبدو أنه نجح في ذلك لدرجة أن موت الإسكندر لم يؤثر على مركزه العام، بل زاده قوة ورسوخاً.

وكان بايثون (الوالي الآخر) قد منح ولاية ميدية بمقتضى قرارات مؤتمر بابل. وتعتبر هذه الولاية من أهم الولايات في المنطقة الإيرانية وأغناها على الإطلاق بالرجال والمواشي والخيول على وجه الخصوص. ويبدو أن هذه المقومات المادية قد فتحت أبواباً واسعة أمام بايثون الذي سنحت له أول فرصة في أعقاب موت الإسكندر، وذلك حين تمرد الجنود الإغريق في تلك المنطقة، ومنحه برديكاس على أثرها صلاحيات واسعة وإمدادات ضخمة لقمع الثورة، كما منحه صلاحية دعوة جميع ولاة الهضبة الإيرانية لمساعدته في حال وقوع أية تطورات جديدة. وظهر فيما بعد أن بايثون كان يخطط لاستغلال الثوار لحسابه الخاص، إلا أن ذكاء برديكاس واستسلام العصاة أفسدا عليه هذا المخطط.

ويتوقع أن برديكاس بعد هذا الشك الذي خامره حول نيات بايثون، لم يستطع أن يتركه في تلك المنطقة أثناء حملته المقبلة على مصر، ورأى أن من الأفضل استدعاءه بحجة مصاحبته في غزو مصر، مما أدى إلى نقمة بايثون على برديكاس والمشاركة في قتله على حدود مصر سنة 321ق.م ، فانتُخب بعد مقتل برديكاس وصياً مؤقتاً مشتركاً مع ارهيدايوس ثم عاد بعد تربياراديسوس إلى ولايته ميدية متمتعاً بكل ما كان له من احترام ونفوذ سابقين لحملة برديكاس على مصر.

وكان طموح بايثون من النوع الذي لا يطيق الانتظار حتى تنضج الثمرة -كما يحلو لبعض مؤرخينا وصفه- ولهذا فإنه اعتماداً على قوته وتفوقه بدأ العمل على فرض إرادته على باقي ولاة المنطقة. وعندما تأكد شعور هؤلاء بأن أوضاعهم العامة مهددة، اجتمعوا للتباحث فيما يجب عمله ضد المعتدي. وإزاء ما كان بيوكستاس يتمتع به من مكانة مرموقة بين بقية الولاة، فقد اعتُبر زعيماً لهذا الحشد من الزملاء الذين قرروا غزو «بارثيه»، وقاموا فعلاً بمحاربة بايثون وهزيمته. وفي أعقاب هذه الهزيمة، فرّ بايثون إلى سلوقوس وإلى بابل ينشد مؤازرته ويغريه باقتسام الغنائم، ولكن سلوقوس كان أفطن من أن يبادر إلى المشاركة في هذه المغامرة وآثر انتظار نتائج سير الأحداث في الغرب.

وفي الغرب قام انتيجونوس بشن هجوم ضد يومنس (ممثل الأسرة المالكة) في آسية الصغرى ثم في فينيقية وأجبره على الانسحاب صوب داخل آسيا. وقد سارع يومنس بالاتجاه شرقاً مؤملاً استغلال الخلاف الناشب في الشرق بين بايثون وباقي القادة لصالح الحكومة المركزية.

وفي تلك الأثناء توفي الوصي انتيباتروس وآلت الوصاية بعد مؤامرات متعددة إلى (كاساندروس) بن انتيباتروس، الذي عمل على التخلص من أولومبياس والدة الإسكندر ثم فيليب أخي الإسكندر وزوجته وأخيراً الإسكندر الرابع وأمه الفارسية روكسانا. وبذلك قدم خدمة كبرى إلى التيار الانفصالي المتنامي بين القادة (انتيجونوس وابنه وبطلميوس وسلوقوس).

وعندما وصل يومنس إلى الشرق وطلب إلى سلوقوس وبايثون مساعدته ضد انتيجونوس رفض الاثنان بحجة أن مؤتمر تريباراديسوس اعتبر يومنس خارجاً عن القانون، في حين استقبل الولاة الآخرون بزعامة بيوكستاس مبعوثه بحماس شديد. ولما كان بيوكستاس قد حقق نصراً سابقاً على باثون فقد كانت قوى سلوقوس وبايثون أضعف من أن تواجه يومنس وبيوكستاس وقررا تحت ضغط الحاجة التفاهم مع انتيجونوس والعمل تحت قيادته.

وفي صيف سنة 317 أعد القادة الثلاث بزعامة انتيجونوس خطة نجحت في القضاء على يومنس وعزل معظم أعوانه والاستيلاء على الكنوز الملكية الفارسية في كل من مدينتي سوسا واكباتانا. ولما كان انتيجونوس يؤمن أنه ليس هناك مكان في العالم يتسع له ولحليفة بايثون، فقد قرر التخلص منه وقام فعلاً بتدبير اغتياله وعدد من أعوانه خلال جلسة ودية. وعاد إلى الغرب بعد أن اطمأن إلى أن الأمور استتبت لصالحه بحيث أصبح سيد الولايات الشرقية دون منازع.

لجوء سلوقوس إلى مصر

ولم يكن من شأن تصرفات انتيجونوس اللاأخلاقية مع حلفائه ومرؤوسيه السابقين الذين اغتالهم أن تَبُثْ الطمأنينة في نفس سلوقوس، ولما كانت فكرة مقاومة هذا الطاغية بقوة السلاح تبدو مستحيلة للفارق الكبير بين قوتيهم. لم يكن أمام سلوقوس عندما أخذت نوايا انتيجونوس السيئة نحوه تَظهر تباعاً إلى أن يختار بين أمرين: إما البقاء في مركزه ومحاولة استرضاء انتيجونوس بأي ثمن، وإما الفرار من وجهه مؤقتاً، وانتظار الفرصة المواتية لمناهضته. وبيان ذلك، أنه ما إن تم القضاء على يومنس حتى بدأت نذر السوء تظهر، وذلك عندما استرجع انتيجونوس ولاية (سوسيانا) وكان قد منحها إلى سلوقوس تحت وطأة الحرب، ووضعها تحت إمرة والٍ من الوطنيين، ومع ذلك فإن سلوقوس تمالك أعصابه، وأحسن استقبال انتيجونوس في طريق عودته إلى الغرب، كما حرص على عدم القيام بأي عمل يمكن أن يُثير حفيظة انتيجونوس ضده. ورغم ذلك فقد اعتبر انتيجونوس خروجاً على طاعته إقدام سلوقوس -دون استئذانه- على معاقبة أحد موظفيه (موظفي سلوقوس)، ودعا سلوقوس لمحاسبته على موارد ولايته تمهيداً فيما يبدو لعزله، وقد رد سلوقوس على انتيجونوس «بأنه لا يحق له محاسبته، لأن ولايته لم تمنح له من قبل انتيجونوس وإنما من قبل المقدونيين بسبب خدماته التي قدمها للاسكندر» وحيث أن سلوقوس كان متأكداً من عدم جدوى أية مفاوضات، فإنه فرّ فجأة بصحبة خمسين فارساً من أصدقائه إلى بطلميوس في مصر.

تكوين التحالف الرباعي

ولم يقبع سلوقوس خلال المدة التي قضاها في مصر، كأي لاجئ سياسي آخر بل عمل منذ وصوله سنة 316ق.م على التهيئة للقضاء على انتيجونوس. ذلك أنه منذ وصول سلوقوس إلى مصر أخذ يوغر صدر بطليموس على انتيجونوس، ويَكشف له عن خَطره ويَحُثه على عقد محالفة بينه وبين كاساندروس الوصي ولوسيماخوس -أحد القادة في آسية الصغرى- لوضع حد لأعمال انتيجونوس التوسعية.

وقد كُللت جهود سلوقوس بعقد اتفاق رباعي بينه وبين بطلميوس وكاساندروس ولوسيماخوس وأَرسل المتحالفون سفارة مشتركة إلى انتيجونوس لمطالبته بالاعتراف لبطلميوس بـسورية جميعها وللوسيماخوس بفروجية على الدردنيل، ولكاساندروس بكبادوكية ولسلوقوس ببابل، واقتسام أموال الإمبراطورية التي استولى عليه بعد انتصاره على يومنس، بيد أنانتيجونوس رفض مطالب الحلفاء وقابل مبعوثيهم باحتقار شديد، مما أدى إلى استعداد الطرفين للحرب.

وفي خلال فترة الصراع ضد انتيجونوس التي استغرقت الفترة 316-301 ق.م أسهم سلوقوس بجهد وافر في عدة ميادين لنصرة حلفائه. ذلك أنه في سنة 315 ق.م تولى قيادة الأسطول البطلمي وهدد أيونية، فحين كان انتيجونوس يمهد لمهاجمة كاساندروس في مقدونية قام سلوقوس بتهديد شواطئ أيونية، ثم اشترك مع منلاوس شقيق بطلميوس في محاربة أنصار انتيجونوس في جزيرة قبرص، وفي سنة 314ق.م شارك في مهمة في البحر الإيجي لصالح بطلميوس، حيث حقق انتصارات هامة على حاميات انتيجونوس في مقاطعة كاريه في آسيا الصغرى وفي جزيرة كوس في البحر الايجي.

ولعل أهم المعارك على الإطلاق التي شارك فيها سلوقوس بوصفه حليفاً لبطلميوس كانت معركة غزة. ففي أواخر سنة 313-312ق.م تابع انتيجونوس طريقه عبر سورية وآسيا الصغرى صوب أوروبا لإخضاع مقدونية، بعد أن أرسل ابنه دمتريوس على رأس قسم كبير من الجيش في مهمة عاجلة للقضاء على بقية الحاميات البطلمية التي طُردَت من سورية في فاتحة الحرب سنة 315ق.م ونجح دمتريوس في هذه المهمة، ودانت له بذلك كافة مقاطعات فينيقية وجنوب سورية مما أغراه بمتابعة الزحف في اتجاه مصر.

وحين كان دمتريوس يتابع تقدمه في سورية صوب مصر، قرر المجلس الاستشاري لبطلميوس بتأييد من سلوقوس أن الوقت قد حان لرد العدوان، وأنه لا مجال لانتظار دمتريوس في مصر متَّبعين القاعدة الحربية القائلة، بأن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع. وبالفعل فقد توجه جيش ضخم على رأسه قائدان محنكان هما بطلميوس وسلوقوس عبر سيناء نحو فلسطين. وعلى تخومها وبالقرب من غزة التقى الجيش البطلمي بجيش انتيجونوس بقيادة دمتريوس -وكان شاباً لم يتجاوز الاثنين وعشرين ربيعاً-، وجرت واحدة من أعظم معارك العصر، وكانت نتيجة المعركة هزيمة قاسية لدمتريوس جعلته يفُرّ متجهاً نحو أبيه انتيجونوس.

وقَلَبَتْ نتائج معركة غزة موازين القوى في المنطقة وخاصة بالنسبة لانتيجونوس الذي فقد سورية، كما اضطر إلى وقف عملياته اتجاه مقدونية، وتعديل كل خطط عملياته المقبلة، فكانت بحق أقسى صدمة وُجِهَتْ إليه منذ بداية الحرب العظمى بين الحلفاء، فلا عجب أن هذه الموقعة تعتبر في رأي بعض المؤرخين حداً فاصلاً لإحدى حقب التاريخ.

سلوقوس يعود إلى بابل

لم تقتصر نتائج معركة غزة على خسارة انتيجونوس سورية مُؤَقتاً، بقدر ما كانت فاتحة لبروز أعظم منافس له تمت على يديه نهايته المفجعة، ذلك أن سلوقوس استغل نتائج المعركة، واتجه بصحبة نفر قليل من الرجال وبتأييد من بطلميوس لاستعادة ولايته السابقة بابل. وفي طريقه قامت بعض الحاميات المقدونية الساخطة على انتيجونوس بالانضمام إليه بزعامة (بوليارخوس)، وبهذا الدعم العسكري، ونتيجة للتأييد الشعبي الذي قوبل به سلوقوس في منطقة بابل تمكن سلوقوس بعد حصار قلعة بابل التي تحصن فيها أنصار انتيجونوس من السيطرة على بابل مرة أخرى. وفيما بعد اعتبر سلوقوس هذا اليوم بالذات (أول ديوس،=تشرين الأول) سنة 312ق.م ميلاد إمبراطوريته وبداية للتقويم السلوقي الذي سنتحدث عنه فيما بعد.

وقبل استعادة سلوقوس ولايته كان انتيجونوس، بسبب مشاكله المتعددة في الغرب مع كاساندروس والمدن الإغريقية، قد أوكل أمر الولايات الشرقية إلى نيكانو -والي ميديه-. وعندما سمع نيكاتور بعودة سلوقوس خفّ إلى بابل على رأس قوة مؤلفة من عشرة آلاف من المشاة وسبعة آلاف من الفرسان، على حين أنه لم يكن بصحبة سلوقوس أكثر من ثلاث آلاف رجل وأربعمائة فارس، ورغم هذا التفوق الكبير في العدد تمكن سلوقوس بعد إعادة تشكيل قواته تشكيلاً مَرِناً من عبور دجلة قبل نيكاتور وإنزال هزيمة حاسمة في قوات خصمه فرّ على أثرها نيكاتور مع قسم من جنده، وانضم باقي جيشه إلى سلوقوس. وقد أتاح هذا النصر الباهر لسلوقوس فتح ميديه وسوسيانا وفارس.

ورداً على الفشلين اللذين منيَّ بهما انتيجونوس، نتيجة لهزيمة دمتريوس في معركة غزة، وهزيمة نيكاتور في مغالبة سلوقوس، قرر انتيجونوس المسارعة إلى مهاجمة أقرب أعدائه بطلميوس. فأعاد غزو فلسطين وأرسل حملتين ضد البتراء لحرمان مصر من طريق القوافل بين البتراء وغزة، كما أرسل حملة ثالثة نحو البحر الميت لحرمان مصر قطرانه الضروري للسفن والتحنيط، لكن هذه الحملات جميعاً باءت بالفشل.

ولما كانت عودة سلوقوس إلى بابل تنطوي على أخطار تتهدد مشاريع انتيجونوس فإنه قرر أن يعهد إلى ابنه دمتريوس بغزو بابل. ويحدثنا ديودوروس بأن انتيجونوس زود ابنه دمتريوس بـ 15 ألفاً من المشاة وأربعة آلاف من الفرسان، وأمره بالإسراع إلى بابل لاستعادة السيطرة عليها، وعندما أتم دمتريوس حشد قواته في دمشق وتحرك بسرعة إلى بابل أدرك سلوقوس خطورة الصدام المباشر في معركة نظامية فأخلى بابل من سكانها ودخلها دمتريوس دون أدنى مقاومة. وعندما فشل دمتريوس باللحاق بسلوقوس وتحطيمه قرر العودة إلى أبيه بسرعة. ويبدو أنه لم يستطع كتمان غيظه من عدم نجاحه في مهمته، فقام في طريق العودة ينهب كل الأراضي المحيطة ببابل انتقاماً من سلوقوس وسكان المنطقة. ولم يكن من شأن هذه التصرفات إلا الإضرار بموقف دمتريوس وموقف أبيه العام. وكما قال بلورتاخوس: «لقد ترك دمتريوس قوى سلوقوس راسخة أكثر من أي وقت مضى». وكانت أهم نتيجة لهذه الحملة غير الموفقة إقناع انتيجونوس بضرورة عزل سلوقوس عن حلفائه بعقد صلح مع هؤلاء الحلفاء. وفي تلك السنة 311ق.م عقد الصلح بين انتيجونوس وكاساندروس ولوسيماخوس وبعد ذلك مع بطلميوس أيضاً. وقد استغل انتيجونوس مفاوضات الصلح للقيام بدعاية واسعة لصالحه بين الإغريق (وأهمها مناداته بتحرير المدن الإغريقية) وقد تضمنت شروط الصلح:
أولا: أن يحتفظ كاساندروس بسيطرته على مقدونية حتى سنة 305ق.م عندما يبلغ الاسكندر الرابع -ابن الاسكندر الكبير- رشده ويتولى الحكم بنفسه.
ثانياً: أن تتحرر المدن الإغريقية ولا تستبقي فيها حاميات.

ومن الجدير بالذكر أن شروط الصلح قد أدَّت إلى أن يقوم كاساندروس بالتخلص من الاسكندر الرابع، وأن يوطد لوسيماخوس مركزه في أوروبا وآسية الصغرى، وبطلميوس في مصر وقورينايئه، لكن المستفيد الأكبر من هذه الشروط كان انتيجونوس الذي حقق في هذا الصلح نصراً دبلوماسياً رائعاً أكسبه نفوذاً كبيراً في بلاد الإغريق، فضلاً عن فوزه بجوف سورية وكاريه، والاعتراف له بكل الولايات الشرقية بما في ذلك ولايات سلوقوس. وإذا كان من اليسير أن نفهم لماذا رحب انتيجونوس بالصلح فإنه من العسير أن نتكهن لماذا قبل أعداؤه هذا الصلح وضحّوا بحليفهم سلوقوس، اللهم إلا إذا كانوا قد أدركوا وقتئذ أنه لم يكن في وسعهم خوض غمار حرب ضدّ انتيجونوس.

بعد عقد الصلح، كان طبيعياً أن يستغل انتيجونوس صلح سنة 311ق.م في محاولة لاستعادة الولايات الشرقية وذلك بعمليات عسكرية ضد سلوقوس. ونرجح نظراً لندرة أو انعدام معلوماتنا عنها أنها امتدت من سنة 310ق.م حتى آخر سنة 308 ق.م وأنها باءت بالفشل مما اضطر انتيجونوس إلى عقد الصلح مع سلوقوس في بداية سنة 307ق.م. ولا يمكن تفسير تطور الحوادث في الغرب تفسيراً شافياً إلا إذا كان انتيجونوس قد انهمك طويلاً في تلك العمليات. والواقع أن إخفاقه في قهر سلوقوس كان عاملاً حاسماً في القضاء عليه أخيراً. إذ يبدو أن ذلك كان يتعذر لو لم يبق سلوقوس قوياً ومستقلاً، ولو لم تكن لديه فسحة من الوقت لدعم قوته في الشرق وتنظيم جيشه وزيادة قوته.

وتلوذ مصادرنا القديمة بالصمت عما اتبعه سلوقوس لتأمين خضوع المقاطعات الإيرانية خاصة مقاطعات الشرق البعيدة بصورة عامة، بيد أن إقدامه على الصراع مع عاهل قوي كتشاندراجوبتا الهندي لا يدع مجالاً للشك بأن سلوقوس كان قد استطاع قبيل ذلك -أي بعد استرداده بابل وانتصاره على نيكاتور- تأمين خضوع المقاطعات الإيرانية بكاملها، وأن رغبته في دعم هذه السيطرة قد اضطره إلى غزو المقاطعات الهندية لتأمين حدوده الشرقية.

وتلوذ المصادر الهندية بصمت مطبق آخر عن غزوات دارا والاسكندر وسلوقوس للهند، ولا نستمد من مصادرنا الأخرى عن الصراع الذي جرى بين سلوقوس وتشاندرا جوبتا سوى معاهدة الصلح التي عقدت بينهما على نحو ما سيأتي ذكره. ويجدر بنا أن نعود قليلاً إلى عهد الاسكندر ليتسنى لنا تكوين فكرة مناسبة عن تطور الأحداث اللاحقة.

كان نهر السنة (الندوس) ورافده نهر (بياس) يشكلان الحدود الشرقية التي رسمها الاسكندر لإمبراطورية قبل مماته، وكانت أقصى الأقاليم الشرقية المجاورة للبنجاب قد قُسِّمت إلى عددٍ من الولايات وَوُضعت تحت تصرف عدد من القادة المقدونيين والملوك المحليين. ذلك أن الاسكندر أسند مقاطعتي (جدروسيه) و(أراخوسيه) إلى أحد ضباطه وهو الذي أعاد انتيجونوس تثبيته في سنة 316ق.م ، كما أن الاسكندر أقام على ولايتي وادي (كابول) و(الهندوكوش) نبيلاً إيرانياً، وعلى الولاية الواقعة في وادي نهر الهوداسبس قائداً مقدونياً يدعى (يوداموس) بالمشاركة مع راجا هندي يدعى (تاكسلاس) وأما الولاية الواقعة بين نهر الهوداسبس ونهر بياس فإن الاسكندر تركها لحليفه الملك الهندي بوروس.

ولماقضى الاسكندر نحبه، أثبت هذا النوع من التقسيم الإداري للولايات بين القادة المقدونيين والنبلاء الهنود والفرس فشله لعدة أسباب أهمها أن الأحوال المناخية لم تُشجع عدداً من الإغريق على الاستيطان وأن قوة الحركات الاستقلالية اشتدت باطراد نتيجة للمعاملة السيئة التي كالها معظم الضباط المقدونيين لسكان البلاد الأصليين، ولعل أفظع مثل على ذلك كان المذبحة التي دبرها يوداموس لمدربي فِيَّلة الملك بوروس. وانتهز الوطنيون فرصة غياب يوداموس -عندما ذهب للمشاركة في المعركة ضد بايثون والي ميدية- للقيام بثورة وطنية ضد العناصر الإغريقية بقيادة أحد أمرائهم ويدعى تشاندراجوبتا وهو مؤسس الإمبراطورية الموريانية.

وتبعاً للمحاولات التي بذلها سلوقوس منذ سنة 305/304ق.م من أجل التوسع وتأكيد سيطرته ومدها نحو الشرق ووصوله فعلاً على أبواب الهند، لم يكن هناك مفر من وقوع صدام بينه وبين تشاندراجوبتا، استمر حتى بداية سنة 302ق.م.

وإزاء صمت مصادرنا عن مجرى هذا الصراع لا نعرف شيئاً عن أحداثه، ولكنه من الجائز أنه من ناحية إزاء شدة مراس تشاندرا جوبتا وإمكانياته الهائلة، ومن ناحية أخرى كفاية سلوقوس وقدرة رجاله القتالية، لم يفلح أي من الجانبين في إحراز نصر حاسم على الآخر مما جعلهما أكثر ميلاً إلى التفاهم منهما إلى الاستمرار في خوض غمار حرب ضارية غير مجدية. ومن الجائز أيضاً أن كفة سلوقوس كانت الأرجح، غير أنه وقد خبِرَ شدة مراس تشاندراجوبتا وإمكانياته الهائلة قدر أن متابعة الصراع مع خصم من هذا الطراز كانت محفوفة بالمخاطر، وقد تُبَدِدْ القوة التي سعى جاهداً في بنائها مما سيجعله عاجزاً عن مكافحة خصمه الحقيقي وهو انتيجونوس الذي كان يقف عقبة كأداء دون وصوله إلى الغرب والاتصال بالعالم الإغريقي، وكانت النتيجة المنطقية المحتومة لفشل سلوقوس في شق طريقه إلى الغرب هي تحول مملكته إلى دولة شرقية، وهو ما كان لا يمكن أن يرضى به أو يقبله. ويبدو أنه قد ساعد على حسم الموقف نداء الاستغاثة التي تلقاها سلوقوس من حلفائه السابقين لوسيماخوس وكاساندروس وبطلميوس لشد أزرهم في القضاء على انتيجونوس الذي تعاظم خطره عليهم في تلك الفترة.

وعندئذ كان أمام سلوقوس أن يختار بين أمرين: إما متابعة الحرب ضد تشاندراجوبتا برغم كل ما تنطوي عليه من مخاطر شديدة كان في مقدمتها احتمال نجاح انتيجونوس في تحطيم حلفائه ثم يستدير له فيقع بين شقي الرحى: أي بين انتيجونوس من ناحية وتشاندراجوبتا من ناحية أخرى، وإما أن يعقد مع تشاندرا جوبتا صلحاً يكفل له تأمين حدوده الشرقية وبذلك يستطيع أن يُقَدم أقصى مساعدة ممكنة لحلفائه من أجل القضاء على غريمه الأكبر فتتحقق بذلك أعز أمانيه. وقد اختار سلوقوس الأمر الثاني. وتوخي السرعة التي تم بها عقد معاهدة الصلح وكذلك سرعة وصول سلوقوس إلى آسيا الصغرى بترجيح الاحتمال الذي سبق أن أيدناه من أن مجرى الحرب جعل كلاً من سلوقوس وتشاندرا جوبتا أكثر ميلاً إلى التفاهم منهما إلى الاستمرار في متابعة الحرب. وقد تضمنت المعاهدة عقد مصاهرة بين الأسرتين المالكتين، وحصول سلوقوس على 500 فيل من فيلة الحرب (أو 150 حسب بعض الدراسات المعاصرة)، وتأمين حدوده الشرقية في مقابل التنازل لتشاندرا جوبتا عن بعض المقاطعات الشرقية. مثل اراخوسيه وجدروسيه وغيرها.

ويبدو أن الفوائد التي جناها سلوقوس من جراء المقايضة لم تقتصر على مجرد عدد من الأفيال دعَّمت قوته العسكرية وحققت النصر له في أبسوس، بل تعدتها إلى فوائد اقتصادية وتجارية هامة ساهمت في تكريسها سفارته الدائمة برئاسة مجاسثنس، في بلاط تشاندرا جوبتا على نحو ما سيأتي ذكره في معرض الحديث عن الحياة الاقتصادية.
ولم تقل الفوائد التي جناها مؤرخو هذه الفترة عن الفوائد التي جناها سلوقوس نفسه، إذ أن سفارة مجاسثنس أسهمت في إلقاء الكثير من الأضواء على بلاط تشاندرا جوبتا، حتى ليمكننا القول أننا ندين إلى مجاسثنس بكافة معلوماتنا عن بلاط الملك الهندي. وقد استمرت العلاقات الطيبة بين الملكين بفضل سفارة مجاسثنس فترة طويلة من الزمن، إذ تُحدثنا مصادرنا عن بعض العقاقير الطبية الغريبة التي أرسلها تشاندرا جوبتا هدية ملكية إلى سلوقوس، كما استمرت هذه العلاقة في عهد خليفتيهما، ويُروى أن اميتروخاتس، خليفة تشاندرا جوبتا طلب إلى انطيوخس الأول أن يرسل إليه تيناً وخمراً وفيلسوفاً ليعلِمه الجدَل والمناظرة، فأرسل إليه انطيوخس التين والخمر واعتذر عن إرسال الفيلسوف في رسالة قال فيها: «إن القانون الإغريقي يحُرم بيَع الفلاسفة». وإذا كنا نشارك معظم مؤرخينا المعاصرين الشك في صحة هذه الرواية فإننا لا نستطيع أن ننفي طيب العلاقة بين البلاطين في تلك الفترة. وينهض دليلاً على ذلك تلك الوفرة من النقود السلوقية التي عَثر عليها الآثاريون في مناطق شمال غرب الهند وتعود إلى عهد الملكين السلوقيين سلوقوس الأول وانطيوخس الأول.

وأثبتت الأحداث اللاحقة أن معاهدات الصلح التي عقدها انتيجونوس مع أعدائه السابقين كاساندروس ولوسيماخوس وبطلميوس أولاً ثم بعد ذلك مع سلوقوس لم تكن أكثر من هدنة مؤقتة، ذلك أنه في سنة 310/309ق.م عندما بدأ المقدونيون يتهامسون حول بلوغ اسكندر الرابع الثالثة عشر من عمره ودُنُو الوقت لتسلمه السلطة بنفسه قام كاساندروس الوصي بقتله وأمه واتبع هذا بزواجه من شقيقة الاسكندر الكبير وادَّعى بعد زواجه وراثة حقوق الأسرة المالكة المقدونية والسيطرة على بلاد اليونان بأكملها. ورداً على ادعاء كاساندروس هذا قام انيتجونوس بتحرير مدينة أثينا من حامياته وأعاد إليها الدمقراطية، كما رد على قيام بطلميوس بالتحرش بحامياته في آسيا الصغرى وبعض جزر بحر إيجة بإيفاد ابنه دمتريوس إلى قبرص واستولى عليها بعد معركة بحرية حطم بنتيجتها معظم الأسطول البطلمي سنة 306ق.م.

وعندما علم انتجونوس بنبأ هذا النصر، اتخذ لقب ملك وخلع هذا اللقب على ابنه، وعدّ نفسه وإياه ملكيّ الإمبراطورية المقدونية، وحذا حذوهما باقي خلفاء الاسكندر. وإذا كان هناك خلاف بين المؤرخين حول التاريخ الذي أقدم فيه خلفاء الاسكندر على اتخاذ هذه الخطوة التي أكدت انحلال الإمبراطورية واستقلال كل منهم بولايته، فإنه لا خلاف حول اتخاذ الخطوة نفسها.

نهاية انتيجونوس

ولا جدال في أن انتيجونوس بعد اتخاذه لقب ملك وإزاء أطماعه التوسعية الهائلة كان لا يمكن أن يترك لسلوقوس الولايات الشرقية بمواردها الغنية. ولاشك أنه لم يعقد معه صلحاً سنة 308ق.م إلا تحت ضغط الأحداث الخطيرة التي وقعت في الغرب وكان من الممكن أن تكشف جبهته الغربية. ولاشك أيضاً في أنه لو نجح انتيجونوس في سيطرته الكاملة على بحر إيجة واستطاع القضاء على خصومه أو أضعافهم لاستدار بعد ذلك إلى سلوقوس لتصفية حسابه معه، وهو الأمر الذي أدركه سلوقوس وحفَّزه على المبادرة إلى التفاهم مع تشاندراجوبتا وعلى المسارعة إلى نجدة حلفائه السابقين. ومن ناحية أخرى لم يكن في وسع سلوقوس أن يأمن على مركزه طالما بقي انتيجونوس قوياً، ولا أن يترك انتيجونوس عقبة كأداء تسد عليه طريق الاتصال ببحر إيجة، فقد كان من شأن ذلك أن تظل دولته شرقية بحتة بل أن يعجّل ذلك بانحلالها كما أسلفنا.

وأكدت الأحداث اللاحقة أن انتيجونوس كان يفكر جدياً بالخروج من مأزق وجوده بين أعداء في الشرق والغرب، ولهذا فقد أرسل سنة 304ق.م ابنه دمتريوس في محاولة لإقصاء نفوذ كاساندروس نهائياً عن بلاد الإغريق الشمالية حامياته من البلوبونيز وبلاد اليونان الوسطى كان شؤماً عليه، فقد أدى هذا النصر إلى إحياء الحلف القديم بين كاساندروس ولوسيماخوس وبطليموس وسلوقوس وذلك أن كاساندروس بعد هزيمته اتفق مع لوسيماخوس على إعداد حملة ضد انتيجونوس، وعلى التماس المعونة من بطليموس وسلوقوس، لأن القضاء على كاساندروس كان يُنذر الجميع بأشد المخاطر من انتيجونوس. وتبعاً لذلك جدد الملوك في سنة 302ق.م محالفة سنة 05 ق.م ، إلا أنها لم ترم هذه المرة إلى كبح جماح أطماع انتيجونوس فحسب بل إلى القضاء عليه قضاءً مبرماً.

وفي بداية سنة 302ق.م بدأ التحالف عمله، فقد تقدم لوسيماخوس على رأس جيش تعززه قوة أرسلها حليفه كاساندروس، واكتسح الجزء الغربي من آسيا الصغرى. وعندما تحرك انتيجونوس ضده ساعدت أمطار الخريف لوسيماخوس على التحصن في إحدى المواقع بقرب مدينة هراكلية، وأرسل يستعجل نجدة حليفه سلوقوس وبطليموس. وحين كان دمتريوس يضغط بشدة على كاساندروس في بلاد اليونان ألزمه أبوه بالعودة إلى آسيا، حيث كان الجميع يتهيأون للموقعة الكبرى مع مطلع الربيع.

وكان سلوقوس قد عاد في صيف 302ق.م بكل قواته من البنجاب، ووصل في شتاء سنة 302/301ق.م إلى كبادوكيه بعد عناء شديد، وتقدر قواته بعشرين ألفاً من المشاة واثني عشر ألفاً من الفرسان. وعدد من نبالي آسيا الوسطى وحوالي خمسمائة فيل هندي بالإضافة إلى 100 عربة حربية من ذوات المناجل، وكان يتولى قيادة الفرسان ابنه الشاب انطيوخس.

وفي ربيع 301، وصل سلوقوس إلى الطريق العام الأوسط في آسية الصغرى وفشل انتيجونوس في منع اتصاله بلوسيماخوس، وكان يعاني في معسكره من صعوبات شديدة. وعند إبسوس في فروجيه، كان على انتيجونوس أن يواجه الجيشين الحليفين اللذين أفلحا في الحصول على نصر مؤزر أدى إلى هرب دمتريوس وقتل انتيجونوس. وهكذا طويت صفحة عظيم آخر من عظام رجال الاسكندر مثلما طويت من قبل صفحات كراتروس وبرديكاس وبايثون. وعند مصرع انتيجونوس كان يبلغ الحادية والثمانين من عمره.


سلوقوس الأول

سلوقوس يفوز بسورية، وبداية المشكلة السورية مع البطالمة

تعتبر معركة ابسوس من أهم أحداث الفترة التي تلت موت الاسكندر، ذلك أنه بالقضاء على انتيجونوس في هذه المعركة، قضى على أكبر محاولة لإعادة توحيد الإمبراطورية، كما قضى على إمبراطورية انتيجونوس وهي التي شكلت العامل الرئيس في أحداث الخمس عشرة سنة السالفة. غير أنه كان مقدراً لسلالة انتيجونوس أن تظل طويلاً عاملاً من أهم العوامل السياسة في العالم الهيلنستي.

ورغم فرار دمتريوس إلى أفسوس واحتفاظه بقوته البحرية التي كانت تعتبر أقوى قوة بحرية معاصرة وبعض حامياته في عدد من الجزر والمدن الساحلية شرقي البحر المتوسط وبحر إيجة، إلا أن القضاء على جيش أبيه البري أتاح الفرصة للمنتصرين لاقتسام إمبراطوريته. ولاشك أن كبرى الغنائم كانت من نصيب سلوقوس ولوسيماخوس. وتؤكد المصادر رغم عمومية إشاراتها على أن سلوقوس ربح سورية من الفرات إلى البحر وفورجيه الداخلية، وما بين النهرين، وأرمينيه وما يدعى بكبادوكية السلوقية، وأصبحت مملكته تمتد من أقاصي الهضبة الإيرانية إلى فورجيه. بينما غنم لوسيماخوس معظم المقاطعات المطلة على البحر التي كانت لانتيجونوس في آسية الصغرى في الوقت الذي أعطيت فيه كيليكية وأكثر شاطئ آسية الصغرى الجنوبي إلى بلايستارخوس أخ كاساندروس.

بيد أنه نشب بين بطليموس وسلوقوس خلاف حول امتلاك جوف سورية، وكان مقدراً لهذا الخلاف أن يظل أمداً طويلاً، وهو من أهم عوامل التناحر المدمر بين دولتي البطالمة والسلوقيين. وسبب هذا الخلاف هو أنه حين كان الصراع دائماً في آسيا الصغرى تحرك بطليموس بجيشه نحو فلسطين لنجدة حليفيه (سلوقوس ولوسيماخوس)، وعندما بلغه نبأ كاذب فحواه أن لوسيماخوس قد هُزم وأن انتيجونوس في طريقه صوب سورية، سارع إلى إخلاء جوف سورية وانسحب نحو مصر، فاعتبره الملوك الثلاثة (سلوقوس ولوسيماخوس وكاساندروس) خائناً للقضية التي ناضلوا من أجلها وأنكروا عليه حقه في الحصول على أية مكاسب إقليمية إلا أنه في أثناء اشتباك حليفيه (سلوقوس ولوسيماخوس) مع انتيجونوس عند إبسوس، عاد فاحتل جوف سورية حتى نهر اليوثيروس تمشياً مع الاتفاقية السابقة سنة 304ق.م مع حلفائه الذين أنكروه عليه ذلك. بيد أنه رغم استياء سلوقوس من تصرف بطليموس ومن اتجاهه على رأس جيشه إلى فينيقية، للرد على ادعاء بطليموس بأحقيته في امتلاك جوف سورية، فإنه وقد كان يدين لبطليموس بفضل ما أولاه من مساعدة مكنته من استرداد بابل على نحو ما مر بنا عفّ عن الاشتباك معه، مكتفياً بالتصريح ما معناه بأنه «من أجل الصداقة فقط سيؤجل البت في هذه القضية ولكنه أخذ بعين الاعتبار فيما بعد كيف يعامل صديقاً اقتنص أكثر من حقه».

سلوقوس من إبسوس حتى مصرعه

وإزاء الصراع المتوقع بين بطلميوس وسلوقوس أخذ كل منهما يبحث عن حلفاء له فنرى بطليموس يزوج إحدى بناته إلى اسكندر بن كاساندروس وابنة أخرى إلى لوسيماخوس في حين تزوج سلوقوس من فيلا ابنة دمتريوس، الذي كان يملك أكبر الأساطيل المعاصرة حتى بعد هزيمة إبسوس.

وعندما وجد دمتريوس الظروف غير مواتية في بلاد الإغريق التي كان يسيطر عليها اسكندر بن كاساندروس على حين أنه اكتسب في آسيا حليفاً نتيجة لمصاهرته سلوقوس، وجه نشاطه إلى آسيا مؤملاً أن يبني لنفسه ثانية دولة آسيوية. وتبعاً لذلك هاجم لوسيماخوس وطرده من أيونية، ثم استولى على شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي وبعد ذلك اتجه صوب مملكة صهره الجديد حيث زف إليه ابنته وأعلن الملكان تحالفهما وأبلغاه إلى المدن والممالك المعاصرة بواسطة سفرائهما.

وبعد ذلك اشتبك دمتريوس مع بطليموس في حرب استولى بنتيجتها على بعض مقاطعاته في البحر الإيجي وجوف سورية، وذلك فيما يبدو بإيعاز من سلوقوس الذي لم يشأ عندئذ مجاهرة بطليموس بالعداء، بيد أنه عندما خشي سلوقوس أن تصبح الحرب عامة، أو لعل أنه عندما خشي أن يحتفظ دمتريوس بفتوحاته تدخل بين دمتريوس وبطلميوس في عقد الصلح بينهما في آخر سنة 299ق.م.

وبعد فترة توترت العلاقات -كما كان متوقعاً- بين سلوقوس ودمتريوس، ذلك أن الأول طلب إلى الثاني أن يبيعه إقليم كيليكية، وعندما رفض دمتريوس غضب سلوقوس وطلب إليه بيع مدينتي صور وصيدا بدلاً عنها. ولكن دمتريوس رفض مرة أخرى بإباء شديد مستغرباً جشع صهره صاحب الإمبراطورية الواسعة وطمعه في مدينتين صغيرتين، وبعد تعزيز حامياته في صيدا وصور غادر الشرق متجهاً من جديد نحو بلاد الإغريق حيث اجتذبته أحداث هامة.
ذلك أن كاساندروس توفي سنة 297/296ق.م ، وتعاظمت المنازعات الأسرية بين أبنائه وأمهم لدرجة أشعلت بينهم حرباً شعواء مكنت دمتريوس في نهايتها من التغلب عليهم واغتصاب عرش مقدونية 294-293ق.م. لكن دمتريوس لم يهنأ بثِمار نصره إذ سرعان ما اتحد ضده سلوقوس ولوسيماخوس وبطليموس، وتمكن لوسيماخوس بمساعدة بوروس ملك ابيروس (البانيا الحالية) من الاستيلاء على مقدونية وتقسيمها فيما بينهما كما ضم سلوقوس كيليكية، واستولى بطليموس على عدد من جزر البحر الإيجي التابعة للملك التعيس دمتريوس.

ومع اضطرار دمتريوس إلى مغادرة مقدونية، فقد استمر يتحكم في ممتلكات إغريقية هامة. وإزاء الفشل الذي مني به، ترك ابنه انتيجونوس جوناتاس _مؤسس المملكة الانتيجونية فيما بعد- للسهر على صواله في بلاد الإغريق واتجه إلى الشرق. ورغم التوفيق الذي أصابه في بداية ملته ضد قوات لوسيماخوس إلا أنه لم يتمكن من الاستمرار في مقاومة ضغط اجاثوكلس بن لوسيماخوس مما اضطره إلى الاقتناع بصواب فكرة وضع نفسه تحت رحمة حليفه السابق وصهره سلوقوس، فاجتاز جبال طوروس إلى مدينة طرسوس في كيليكيا، وحرص أثناء تقدمه على الظهور بمظهر الصديق، فلم يتعرض للحقول والمدن التي مر بها بأي أذى، وكتب إلى سلوقوس رسالة استعطاف كان لها وقع حسن في نفس سلوقس في بداية الأمر، فصفح عنه، وكتب إلى قواده يأمرهم بأن يرحبوا بدمتريوس ترحيباً ملكياً، وأن يطعموا قواته المتضورة جوعاً.

ولكن هذا الموقف لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما تنبه سلوقس إلى خطورة إيواء مثل هذا الرجل الخطر في جنبات الإمبراطورية، لذا فقد أمر سلوقس قواده في المرة الثانية بعدم التعاون مع دمتريوس وشكل جيشاً لطرده من الإمبراطورية.