: اورهان باموق..الكتاب الاسود..رواية

Posted on 28 يوليو 2010 بواسطة



https://i0.wp.com/usera.imagecave.com/annunaki/OP-Aswadd01.gif
رابط الكتاب : اورهان باموق..الكتاب الاسود..رواية

يقول
الشيخ زادة _ شخصية من الرواية _ : ’’من أجل أن يكون الإنسان نفسه يجب
عليه أن يجد في داخله صوته فقط، وقصصه وأفكاره.*‘‘ وقيل أيضاً: ’’ اكتشفت
أن أهم قضية في الحياة هي استطاعة الإنسان أن يكون نفسه أو لا يكون‘‘
*،هكذا تنطلق فلسفة أورهان على مدار كتابه الأسود، البطل غالب الذي يعود
لمنزله بعد زيارة عائلية لتفقد زوجته المريضة رؤيا، ليفاجئ باختفاءها بعد
تركها رسالة قصيرة كُتِبَتْ بلون أخضر جاف، عند الرواية البوليسية التي لم
تُترجم بعد، وبناءً على مقالات “جلال” الأخ غير الشقيق لرؤيا، كاتب
الزاوية المشهور في الصحيفة والذي اختفى أيضاً تحت ظروف غامضة، يقوم غالب
باقتفاء أقدام رؤيا عبر قراءته لزوايا جلال القديمة، واسترجاع الذكريات في
مَاضٍ سار خلفه مثل ظلٍّ يده على رأسه ويتألم، تأخذ الأحداث غالب إلى
التنقل من مكان لآخر باحثاً، ومع تفاصيل أورهان الرائعة في الوصف
والاقتباسات التاريخية والمشاعر الهائلة – حفنة ضوء – تزداد الرواية متعة
بشهقات متقطعة لبعض العبارات، غالب الذي وجد نفسه أيضاً لأن الشيخ زادة
قال: ’’لا يقترب الإنسان جيداً من كونه نفسه إلا عندما لا يجد ما يقصّه،
حين ينفد ما يمكن للإنسان أن يشرحه، وبعد أن يشعر في داخله بذلك الصمت
العميق المتعلق بصوت الكتب والقصص والذاكرة يمكنه أن يشهد خروجه من متاهة
الظلام واللا نهاية لذاكرته، وارتفاع صوته الحقيقي الذي سيجعله نفسه.* 

 

تنتظم
عناصر المتن السردي لرواية ( الكتاب الأسود )* لأورهان باموق حول السؤال
التالي: كيف للإنسان أن يكون نفسه؟ وفي السياق الذي يبرز فيه هذا السؤال
همّاً ذاتياً لفرد ما فإنه يحيل إلى السؤال الآخر، المكمِّل: كيف لمجتمع
وأمة أن يكونا نفسيهما؟ كما لو أن الروائي بصدد معالجة شيزوفرينيا حضارية
هي نتاج عوامل وصراعات تاريخية طارئة ومتجذرة.
ومن هذا السؤال/ الثيمة
تُطرح بقية الأسئلة والثيمات الثانوية. ولا شك أن في ذهن المؤلف فكرة
واضحة يرغب بالإفصاح عنها، وهي التي تتعلق بالتاريخ المعاصر لتركيا بعد
هزيمة الإمبراطورية العثمانية وانحلالها، وبروز الدولة الحديثة التي راحت
تتنصل من تقاليدها الذاتية وتتنكر لإرثها متجهة بأنظارها نحو الغرب. إنه
سؤال الهوية الذي يقود تالياً إلى موضوعتين رئيستين هما: ( الأنا والآخر.
والوجه والقناع ).
والرواية، بمجملها، تصوّر عالماً على وشك الانهيار،
وحيوات مأزومة في طريقها إلى الفناء. أما القارئ فلابد أن يستشعر حس
المأساة الذي يفعم السطور المكتوبة باللون الكابي المقبض، اللون الأسود.
وعلى
الرغم من أن جلال ( الصحافي الكهل، وكاتب المقالات الشهير ) هو الشخصية
المحورية في الرواية إلاّ أننا لن نلتقيه في حاضر السرد إلا ميتاً في
النهاية، مقتولاً على الرصيف ومغطى بورق الجرائد، كما لو أن الرواية كلها
هي قصة بوليسية تحكي عن مؤامرة محبوكة بدقة لاستدراج جلال إلى منطقة
القتل، إلى الشرك حيث ينتظره قاتله، وإن كانت المصادفة هي اللاعب الأعمى،
إذ يأتي جلال في الوقت عينه إلى المكان عينه الذي حدّده ندّه ( غالب )
للرجل الغامض الذي يتصل بغالب ويظنه طريدته ( جلال ) وكأن القدر يدبّر،
للشخصيات ( في الرواية )، مكيدة تراجيدية ساخرة.
كان جلال، طوال زمن
السرد، متخفياً، لا يعرف عن مكانه أحد شيئاً، ولا ندري إن كان يتهرب من
قرّائه الذين يحاصرونه أينما وجدوه. أو من مناوئيه الذين يتربصون به. أو
من شخص ما، يلاحقه بداعي الفضول ( غالب مثلاً، وهو ابن عمه وزوج أخته رؤيا
). وغالب هو الذي يستعير وجه جلال قناعاً وقد ارتضى أن يذوِّب هويته
ويتقمص شخصية جلال إلى الحد الذي بات فيه يكتب مقالات ويوقعها باسم جلال (
في موسم اختفائه ) وينشره في صحيفة ( ميللت/ الأمة ) التي ينشر فيها
جلال. أهو الهرب من الذات أم عدم الثقة بها، أم ماذا؟
في كتاب ( اسطنبول
) يتحدث باموق عن الآخر/ القرين الذي يشبهه، وكيف أنه مذ كان طفلاً كان
يتخيل ويعتقد بوجود مثل هذا الشخص ( أناه الأخرى ) وهو يعيش في الحي
المجاور. وفي رواية ( الكتاب الأسود ) يتطرق جلال، في مقالاته إلى الأمر
ذاته “كأنني بجانبه، أو على طاولته المبعثرة. أنظر إليه عن قرب شديد. كان
يكتب بانتباه طفولي، وبمتعة وطمأنينة من يرى فيلماً يحبه، ولكن نظراته
متحولة إلى الداخل. أتابعه مباهياًُ كأب يتابع ابنه الحبيب وهو يكتب أولى
الرسائل”. هذا الآخر الشبيه سيتجسد واقعياً في شخص غالب الذي سيغادر ذاته
ليتلبس شخصية جلال ويؤدي دوره.
ينسحب الوجه الحقيقي ( جلال ) إلى البقعة
المعتمة، فيما لا يظهر في المشهد إلا قناعاً على وجه ( غالب ). وإذ يبدو
كما لو أن القناع هو الذي يبحث عن الوجه وليس العكس فإن وجه ( غالب ) يظهر
أحياناً قناعاً لوجه جلال في بارانوما معقدة من تبادل الأدوار. والكتاب،
أخيراً، ليس سوى رواية بحث، وهو بحث عن الذات والهوية قبل أن يكون بحثاً
عن أي شيء آخر. فينشأ ذلك الالتباس الخاص بالهوية حين يجد المرء نفسه عند
حدود وحافات وتخوم ومفاصل وتقاطعات عليه دخولها واجتيازها.
يقرأ جلال
العالم بعدِّها إشارات ورموزاً، ينطوي على حروف كتابة سرّية. ويتبنى منطق
الحروفيين المتصوفة فيجاريه غالب أيضاً الذي كان يرى في كتابات جلال أدلة
فيما يتحرى عن الحروف في وجهه هو: “أول شيء شعر ( غالب ) هو استطاعته
النظر إلى وجهه وكأنه ينظر إلى ورقة مكتوب عليها، ورؤيته كلوحة تقدّم
لوجوه وعيون أخرى إشارات. لم يتوقف كثيراً عند هذا. لأنه صار يستطيع تمييز
حروف تظهر بشكل حاد ما بين الحاجبين والعينين”. ويعتقد غالب أن قراءة
الحروف على وجهه ستعينه في أن يكون نفسه أخيراً. والمرء كما سيكتشف لن
يكون نفسه إلاّ بقص القصص. غير أن انغماره في لعبة الحلول محل جلال سينتهي
نهاية مأساوية، كما لو أننا في أجواء رواية لكافكا، أو في ضمن حبكة
بورخيسية محكمة إذ سيقاد جلال ومعه أخته رؤيا ( زوجة غالب ) إلى المصيدة..
سيكون هناك من ينتظر جلال ليقتله عن سابق تصميم وتعمد. سيظن غالب أنه يخدع
القاتل ( لم يكن يعلم عن نية القتل ) لكن جلال بمصادفة دراماتيكية عجيبة،
سيكون هناك لتُُطلق عليه النار. وتماماً مثلما كان غالب يصوّر معتقداً
أنه يضلل الشخص المجهول الذي يتحدث إليه في الهاتف. وهذا الشخص كان يظن
أنه محدِّثه ليس سوى جلال.
أن يكون المرء نفسه يعني أن يعثر على حقيقته
الخاصة، أن ينشئ تصوره الخاص عن الذات والآخر.. أن لا يبقى أسير تصوّر
الآخر عنه.. أن يستطيع تمثيل نفسه بثقة وحرية وصدق من غير استعارة أقنعة
مزوّرة.. أن يجد موقعه الحقيقي ومن ثم دوره في خريطة الحياة، وفي مقابل
الآخر. هنا تتجلى مفارقة الهوية.. الهوية التي هي في طور التكوّن أبداً.
وباموق، في هذه الرواية يطرح أسئلة أكثر بكثير مما يقدّم أجوبة.. أو أنه
بالأحرى ليس معنياً، في إطار الرواية وأفقها، بعرض إجابات جاهزة ناجزة
ونهائية.
لن يكون جلال نفسه، وغالب الذي يحاول التشبه به لن يكون نفسه
هو الآخر، وبذا سيكون ضياع الهوية مزدوجاً.. أنت لا تكون نفسك بل الشخص
الذي يريدون رؤيته، فأنت تتقمص الصورة التي في أذهانهم عنك؛ الصورة التي
يتوهمونها أو التي يرغبون بها، وتكون تلك الصورة لا أنت في حقيقتك. وهكذا
يغدو الجميع حشوداً من أنوات زائفة لا تقدر أن تكون نفسها. وهذه هي الثيمة
التي يحاول أورهان باموق توصيل فحواها لنا في روايته ( الكتاب الأسود ).
والكتاب
الأسود محاولة أخرى لاستعادة ما جرى من طريق السرد.. إننا لن نفهم ذواتنا
من غير السرد، من غير حكاية القصة نفسها بطرق مختلفة, فكل طريقة مبتكرة
لابد أن تغني القصة وتقرِّبنا أكثر من الفهم، وتفك عقدة جديدة من مشهد
الفوضى. فنحن نتقصى عن القصص لنديم صلتنا بالحياة. لنشعر كوننا أحياء ما
زلنا.
“القصص هي التي تجعله ( غالب ) يقف على قدميه، القصص التي يجدها
بإحساسه الداخلي كما يجد الأعمى الأشياء باللمس، استطاع البقاء واقفاً على
قدميه لأنه تمكن من بناء قصة من الإشارات ممرغاً أنفه على الجدران. لم
يكن لديه أدنى شك بأن العالم والناس من حوله يستطيعون الوقوف على أقدامهم
بفضل هذه القصص”.
وزّع الروائي، وهو يبني روايته فنياً، الفصول
بالتساوي بين سرد راوٍ يحكي بضمير الغائب، ونصوص مقالات جلال، ومن ثم نصوص
مقالات غالب، في النهاية، يوم راح يكتب بدلاً من جلال المقالات بأسلوب
الأخير نفسه، ورؤيته نفسها.
يحاول باموق في معظم أعماله، وكما في هذه
الرواية، تجسيد تاريخ وطنه القريب في تاريخ عائلة بعينها.. عائلة تنتمي
إلى الطبقة الوسطى المتعلمة. وهذه هي الطبقة القائدة للمجتمعات المعاصرة
على الرغم من إخفاقاتها وعجزها وأزماتها المستديمة، المستفحلة

المصدر : هنا