اورهان باموق .. اسمى احمر

Posted on 28 يوليو 2010 بواسطة








مدخل



تتحدث
الرواية ويدور تاريخها في عصر الدولة العثمانية في تركيا في إسطنبول
تحديداً.تتعرض الرواية لعدة مواضيع وجوانب وإن كان الجانب الأكبر الذي
تستند عليه الرواية فنون النقش والرسم والزخرفة في عصرها من حيث مضمون هذا
الفن في ذالك العصر وفكرة الشعب والخلفاء والفنانون أنفسهم عن الرسم وتنهج
بعضهم لمناهج (أو مدارس) فنية معينة والصراعات بين هذة التوجهات
والمدارس…قصة مشوقة فيها من الإثارة والوصف الغير ممل والرومانسية
.


ماذا عنها؟


هي
رواية تنقل أحداثها علي لسان أبطالها علي طريقة الحكواتيين. كل شخص في
الرواية يتقدم الفصل المخصص له ويستعرض الأحداث المختلفة من وجهة نظره، مع
هذا يحتفظ كل شخص في الفصل المخصص له بطريقته في السرد والتعبير عن مشاعره
تجاه ذات الحدث فينقل للقارئ أسراره وقد يستحلفه أحياناً بعدم إفشائها.
انطلاقاً من صدق هذه الخصوصية يتعاطف القارئ مع كل أبطال الرواية ويحاول
حمايتهم بعد الاقتناع ببراءتهم من تهمة قتل أحد النقاشين التي ابتدأت بها
الرواية. هذه الثنائية في العلاقة ما بين القارئ والأبطال جعلت الكاتب
بذكائه ودهائه الأدبيين ينصب القارئ وحده قاضياً أمام دفاعات الأبطال،
ويعرض الكاتب الأدلة الجنائية لحظة بلحظة مع السؤال الضمني المستمر طوال
الرواية: من هو القاتل من بين هذا الكم من الشخصيات؟، هل اكتشفته أيها
القارئ؟، شغّل عينيك وأذنيك، وقدرتك التحليلية مع كل حواسك في تتبع
الأحداث لمعرفة هوية القاتل
.

و
تتخل الرواية فيض غزير من المعلومات التاريخية والأدبية والتاريخية عن
النقش والناقشين وفكرة الشعوب في ذالك الزمان (و يقصد في الغالب بالنقش
الرسم بمفهومنا الحالي), ومن المعروف أنه كلما كثر المحصول الثقافي في
الرواية كانت أكثر جمالا ،لذة، تشويقا، فائدة للقارئ حيث لا يستمتع من
يقرئ الرواية بحكاية أو (حتوته كما يحلو للبعض تسميتها) بل يستزيد من ما
في الرواية

فهى
تتناول حقبة تاريخية معينة من حياة الإمبراطورية العثمانية حين كان الرسم
محرماً إلا بشروط معينة تخضع المرسوم إلي عدم المطابقة مع الواقع وإلا
اعتبر تحدياً للقدرة الإلهية علي الخلق. بسبب هذا التحريم اقتصر اهتمام
الرسامين في ذاك الوقت علي النقش والزخرفة لدرجة أنهم كانوا يسمون أنفسهم
نقاشين بدل رسامين ، وكانوا يبتعدون عن رسم المخلوقات بشكل حقيقي أو قريب
خوفاً من اتهامهم بالكفر. أظهرت لنا الرواية الكثير من الصراع النفسي
الداخلي للنقاشين حول موضوع تحريم الرسم المطابق للحقيقة، فالكثير من
النقاشين كانوا يبدون، ضمنياً، الكثير من الإعجاب بالفن الإفرنجي لدرجة
أنّ بعضهم تماهوا مع هذا الفن الغربي وحاولوا الوصول إلي أسلوب خاص مماثل
بعيداً عن التقليد القديم لكنهم في الوقت نفسه مارسوا هذا التماهي سراً
خائفين من تكفيرهم. يقول البطل قرة في صفحات الرواية الأخيرة معترفاً: (كل
شخص يريد سرياً أن يكون له أسلوب، وكل شخص يريد أن يكون له رسم شخصي) ص 581
.

….

لم
يهمل الكاتب الحياة الاجتماعية فيتحدث عن إسطنبول بما فيها من أماكن
وأعمال وطبقات اجتماعية وتيارات متصارعة متشددة دينيا تعتبر القهوة عملاً
من تدبير الشيطان وأخرى معتدلة والمتفلتة لا تدير لشئ بالاٌ. تبادل العشاق
للرسائل.بعض الطقوس والمراسم ذكرت(العزاء للتمثيل وليس للحصر) ولم يسهب
الكاتبل بالوصف وهو شيء يعتبره الكثيرون جيدا
….


موجز


يأمر
السلطان أحدهم في معمل للرسم بإسطنبول برسم كتاب بصورة سرية يسرد الكتاب
موضيع مختلفة ويرغب السلطان ان يكون هذا الكتاب بمستوى يجعله متفاخرا أمام
الغرب ويظهر مدى قوته… فيبدأ هذا الشخص وهو قريب بطل الرواية بتشكيل
فريق بشكل سري والبدء برسم هذا الكتاب.يتعرض بعض أفراد الفريق بالتعرض
لعمليات قتل مما يجعل بطل الرواية بالبدأ بتحقيقات لمعرفة القاتل… بطل
الرواية قرة يعشق ويحب بنت مدير الفريق وتستمر الرواية

و
الكاتب لم يقترب من الفن الغربي ولم يتحدث عن صراعه مع الفن الشرقي، بل
تناولت الرواية المفهوم الديني آنذاك للفن الإفرنجي كما يفهمه الأتراك
أنفسهم. النقاشون معجبون بالفن الإفرنجي ويتماهون به ويقلدونه سراً لكنهم
يخافون من الإفصاح عن ذلك لأنّ ذلك برأيهم ابتعاد عن الدين: (إنّ الرسم
الذي تعملونه حرام عظيم. أتعرفون هذا؟ إنه كفر لا يجرؤ عليه أحد. إنه
زندقة. ستحرقون في قعر جهنم. لن يهدأ عذابكم، ولن تخف آلامكم. وقد
أشركتموني في هذا) ص 30 . هذه العبارة هي لأحد النقاشين في الرواية وقد
عملَ سراً في أحد الأعمال المهمة مقلداً أسلوب أساتذة الإفرنج لكنّ الشكوك
والصراعات والمخاوف جعلته يغير رأيه ويفكر بالانسحاب، لكنّ حياته انتهت
بالقتل من قبل أحد زملائه النقاشين
.

هذا
الصراع عند معظم النقاشين لم يخفِ قدرتهم ومواهبهم في الرسم والنقش، لكن
ما حفظوه من دروس المعلمين القدامي نهاهم عن الابتكار والإبداع وواظب علي
إخافتهم من فكرة احتمال التكفيــــــر، فكانوا يعودون مضطرين إلي الأسلوب
القديم في نقشهم وهو الأسلوب المستنـسخ في رسم الأشياء بحفظ وليس كحقيقة.
تقول شكورة إحدي الشخصيات الأساسية في الرواية: ( أردتُ أن ترسم شخصيتي،
ولكنني أعرف أنهم مهما بذلوا لن يستطيعوا) ثم تكمل: (ليس ثمة نقاش في نقش
خانة السلطان يؤمن أنه يمكن رسم فتاة جميلة دون ان يرسم عينيها وشفتيها
مثل الصينيين) ص 603
.

وايضا
هناك مسألة التبعية الدينية المتناقضة ما بين من يمثل الدين وعامة الناس،
أي الشعب. فبينما تشرح لنا الرواية بالتفصيل خوف النقاشين من التطرق إلي
المحرمات في ميدان الرسم إذا بنا نفاجأ بالسلطان الكبير، خليفة المسلمين،
يطلب بنفسه، إنما سراً، بإنجاز رسم له يناقض كل الأساليب التقليدية
القديمة وأن يتبع فيه أساليب الإفرنج الحديثة من تركيز عليه وعلي صورته
بدل الاهتمام بالمظاهر الثانوية، وقد وصف هذا الرسم أحد النقاشين كالتالي:
(رسم بحجم كبير وبكل تفاصيله كما يفعل عبدة الأوثان) ص 575
.

هذا
الرسم الذي حلّله السلطان لنفسه أخاف أحد النقاشين فاستمات للدفاع عن دينه
لأنّ الرسم كما يراه: (استخدم المنظور بشكل سافر) ص574، ولأن الأشياء لم
ترسم حسب أهميتها بالنسبة إلي الله، بل رسمت: (كما تري لأعيننا، وكما يرسم
الإفرنج) ص574، وأيضاً لأنّ رسم السطان جاء: ( بحجم واحد مع كلب) ص 575
.

لعبة
الحبكة في الرواية لم تكن في التحايل علي الزمن، بالعكس جاءت أحداث
الرواية بطريقة منطقية متسلسلة في استنطاق كل بطل باعترافات مخصصة في
الفصل المحدد له. يقف الشخص أمامنا ويتحدث عن نفسه ومخاوفه وشكوكه وقد
يحدث أن يكذب أحياناً كما فعلت شكورة في أحد فصولها عندما اعتذرت للقارئ
عن كذبها: (حسن، قبل قليل قلتُ لكم أنني لم اقرأ الرسالتين اللتين جلبتهما
إستر ولكنني كذبتُ عليكم) ص 128. وأحياناً أخري تنقل الشخصية مجرد فكرة
عابرة كما قال قرّة حبيب شكورة وهو يحاول لفت انتباهها شاعراً بأنها تتلصص
عليه من ثقب الباب :( أتصرف تصرفات متنوعة معطياً لنفسي انطباعاً يوحي
بالعمق والقوة والسيطرة من أجل التأُثير علي الفتاة التي أحب) ص169، أو قد
يكون سراً ندمت شكورة علي إفشائه: (أنا نادمة لما قلته لكم وأنا غضبانة
قبل قليل عن أبي وخيرية، ما قلته ليس كذباً ولكنني اخجل مما قلت) ص132، أو
حتي نقل التردد: ( لا أريد أن احكي لكم هذا خشية أن لا تحبونا أبي وأنا) ص
61. هذه الطريقة الحميمة في السرد والتي تأتي بطريق الهمس السري من قبل
البطل، تجعل من القارئ طرفاً في النزاع وفي اكتشاف لغز اكتشاف القاتل من
بين النقاشين الأربعة
.

أبطال
هذه الرواية ليسوا فقط أشخاصاً عاديين لديهم صراعاتهم ومشاكلهم الخاصة
والعامة، بل تتضمن الرواية أبطالاً غير متوقعين قد يكونوا غير آدميين
قدموا إلي الرواية من خلال أصواتهم. خصصت لهذه الأصوات فصول كثيرة تقاطعت
مع فصول الشخصيات العادية فأضفت علي الرواية طابع الفلسفة والتحليل. هذه
الأصوات قد تكون صوت جثة تفتش عن هوية قاتلها وتريد من القارئ البحث عنه:
(لن اهدأ في قبري حتي لو دفنوني..جدوا ابن القحبة قاتلي) ص 10، وقد يكون
صوت كلب مسكين يدافع عن ضرورة إعادة النظر في الحكم علي نجاسته: (الظرافة
التي عوملت بها القطة لم نعامل بها نحن) ص21، وقد يكون صوت أحد الألوان
التي تحاول الوصول إلي أنّ: (اللون هو لمس النظر) ص 274، و قد يكون صوت
شيطان يحاول جاهداً تبرئة نفسه من إغضاب الله بعدم سجوده لآدم فيخاطب ربه:
(ألست أنت الذي علم الإنسان الغرور بجعل ملائكته تسجد له؟ والآن يعملون
لنفسهم ما تعلموه من ملائكتك فيسجدون لبعضهم البعض،ويضعون انفسهم في مركز
الكون؟.) ص 429، وقد يكون الصوت صوت النقود فنتابع اللحظات الأولي لصكها
ثمّ تفاصيل تحركاتها: (قبل أن آتي إلي هنا قضيت عشرة ايام في جورب صانع
حذاء فقير وسخ…. أنا نقد مزور. صنعوني من ذهب عياره قليل في البندقية،
وجلبوني إلي هنا، ودفعوني إلي التداول علي أساس أنني ذهب. أشكركم علي
تفهمكم وضعي) ص 150، أو صوت حصان يشرح أسباب الخطأ الذي يقع فيه الرسامون
ويعلن صراحة عن تفضيله لأسلوب الإفرنج : ( أساليب الإفرنج الجديدية ليست
مروقا، بل علي العكس، هي الأنسب لديننا، لكنني سئمت من إظهاري بشكل خاطئ
علي يد النقاشين الذين يجلسون في البيت ولا يخرجون إلي الحرب مثل النساء)
ص323، وقد يكون صوت شجرة تحكي عن نفسها: (لا أريد ان اكون الشجرة ذاتها،
بل معناه) ص 76
.

والمزج
ما بين التاريخ والسرد الروائي الذي اعتمده أورهان باموق هو عمل احتاج إلي
عشر سنوات من الدراسة والمطالعة وهو اعتمد في دراسته علي كتب قديمة حصل
عليها من جامعات متخصصة في أميركا مثل كتاب الشاهنامة للفردوسي، وأعمال
النظامي، ومتاهات الحريري، كما ودرس تاريخ الفن الإسلامي ومزاياه وتأثراته
وتطوره ورمزية الألوان فيه، واهتم بدراسة تقنيات وأدوات الرسم والنقش التي
استخدمها الفنانون الإسلاميون في القرن السادس عشر، وهي الحقبة التي تمت
فيها أحداث الرواية
.

لا
بدّ من الإشارة هنا إلي أنّ هذا التمازج التاريخي ـ الأدبي الذي استخدمه
باموق في روايته، كان جرجي زيدان قد اعتمده سابقاً في سلسلته الضخمة تاريخ
الإسلام والتي بلغت اثنتين وعشرين رواية تناولت الفتوحات الإسلامية ودولة
المماليك. وأذكر أيضاً الروائي الفرانكوفوني أمين معلوف الذي لا يزال
مهتماً بكتابة الرواية التاريخية وكان قد ابتدأ بهذا النوع من الأعمال
بروايتيه الرائعتين ليون الإفريقي و سمرقند . وحديثاُ لا أنسي ذكر الروائي
رشيد الضعيف في روايته الحديثة نسبياً معبد في بغداد والتي تتناول ظروف
أحداثها فترة الصراع علي الخلافة ما بين أبناء الخليفة هارون الرشيد،
الأمين والمأمون.


منقول بتصرف من العربي والويكيبديا