نابلس مدينة تأبى الذبول والاصفرار (ليليان طوقان )

Posted on 22 يوليو 2010 بواسطة



Quote

نابلس مدينة تأبى الذبول والاصفرار

من أين تراني أبدأ الحديث عنك يا ” نابلس ” ، يا مدينة الزعتر وشجر الزيتون؟.. من أيّ الزوايا يُمكنني استنطاق الحروف والكلمات ، لأردّ لك بعض دَين الأبناء تجاه الأمهات ، يا مدينة اللوز والرمّان والدُراق؟. من أين أبدأ معك نسج َ الكلام يا ” نابلس” يا مدينة لم يَطوها الزمن، لم تشطبها المِحن، لم تختزلها الغزوات ، لم تدمّرها ملوحة الأيام ولا تناطح السنوات؟ بأيّ الجمل والعبارات يمكنني مخاطبتك يا ” نابلس “، وقواربي إليك مُعطلة، وسفني تبحث عن مرافئي للعبور، وتفتش عن بوصلة تختصر عملية المرور، يا مدينة الطهر المُستخرَج من زيت الزيتون.. من أين أبدأ معك الهمس يا ” نابلس “، يا مدينة تجيد لغة الصمت، وتتقن فنّ الكتابة بالحجارة والمعاقيل، وتتحدّى عطس المدافع وسُعال الرشاش، ولا تروم الذبول والاصفرار؟ .

من أين أبدأ معك الترانيم يا ” نابلس “، يا مدينة تحسن صياغة التخاطب مع الأجيال، وتحاكي تاريخا لا يزال صاحيا مرفرفا بين سفوح الجبال، يرسم ملامح ” عمرو بن العاص “، وأولئك الأجداد الذين لا يزالون هناك منتشرين بوعيهم على روابي جبل ” جيرزيم “، يبعثون فينا حرارة القيام والوقوف، بعد أن علمونا أن الركوع والسجود لا يكون سوى لرب العالمين، وأن كرامة الانسان من كرامة الأوطان، وأن الحق جولة، وأن الباطل مهما طالت مخالبه، مهما زيّنت أظافره لا يدوم.. من أين أبدأ معك رحلة أنغام الجمل والمصطلحات على إيقاع الدبكة والقفز الثلاثي بالرماح والسيوف، يا مدينة لم تنحن للزلازل ولم تكسّرها الرعود والأنواء، ولم تنكس أعلام البقاء؟ .

النصر لا يُصاغ بالثغاء والسهاد ، ماذا تراني يا نابلس أدّون على دفاتري التي أنهكها الترحال والرحيل والسفر الطويل، والتجوّل بين الكتب والمكتبات، لأبصرك متربّعة ًهناك كالوشم  ، كالسراج في جبين التاريخ ، متسامقة كالنيروز، كالعنب، كشجر التين، بين صهيل الخيل وهامات الفرسان وهم يرفعون رايات النصر، ” وصلاح الدين ” بين الجند يزرع مفاهيم العدل والتآخي، ويبذر مع أولئك الرجال معاني دولة الإنسان. ماذا عساني أقول يا ” نابلس ” يا ” دمشق الصغرى ” وهل ريشتي المفجوعة بثلاثية النكبات، قادرة على عزفك أنشودة على تقاسيم الجراح، وقد لخصّك المقدسي ضمن إحدى مخطوطاته ” التقاسيم في معرفة الأقاليم “.

هل يسعفني قلمي يا ” نابلس ” في رسمك كما تستحقين، ما تحت الأشعة البنفسجية كما صوّرك ” ابن بطوطة ” دون مساحيق ودون ألوان، حين لقبّك بأنك أعظم المدائن. ماذا يمكنني أن أضيف على أوراقي المتناثرة في واقع عربي متناثرا كأوراق الخريف، يا ” نابلس ” يا مدينة لا زلنا نسمع فيها صدى السيوف وصرير الرماح وتكبيرات الجنود، ” وقطز المملوكي” قائد أولئك الفرسان يرفع رايات النصر ويهزم أعتى قوات ” التتار “، ويلقننا ومن من معه أن النفوس الأبيّة قادرة أن تغير وجه التاريخ، وأن النصر لا يصاغ بالثغاء والسهاد، وأن الحديث المفروم، والهباء المنثور لا يحرّر الأوطان.

مهلا ” نابلس ” هذه آثار حروقي خجولة حروفي ومتصاغرة أوراقي يا ” نابلس ” يا مدينة ” شادية أبو غزالة ” و ” لينا النابلسي “… وكل أولئك الشهداء، الذين جعلوا من أجسادهم من أرواحهم من أحلامهم سمادا لأرضك، كي تثمر بساتين عنب وبيادر تين، وحقول زيتون في لون الرفض، وطعم التحدّي وشكل البقاء. تتلاطم في ذهني الجمل وتتخاصم السطور وتستعر العبارات، يا ” نابلس ” يا مدينة القوافي والأدب والحكمة وينابيع العلماء، ومضايف يستريح بين أحضان بساتينها الشعراء، لنستمتع بسمنفونيات  “ابراهيم طوقان” و” فدوى طوقان “، وأناشيد جراح ” حلمي الزواتي “، وترانيم ” ليلى علوش “، وجمالية نصوص ” عبد اللطيف عقل “، وسلاسة ترجمة ” عادل زعيتر “، وثورية ” ثريا ملحس“، وغيرهم من الشعراء والأدباء، الذين لوّنوا بحبرهم مسالك الرفض ومعابر التحدي ضد السقوط والانحناء..

من أين يمكنني الولوج إليك يا ” نابلس ” وكل الطرق والثنايا والمعابر المؤدية إليك موصدة في وجهي؟ من أين استمدّ مداد الحبر الذي لطمته سنوات التيه والضياع، وطعنته نكبة فلسطين، وضياع القدس، ومزارع شبعة، وهضاب الجولان؟ ، من أين يمكن لقلمي المبثوث في واقع التثاؤب العربي، أن ينهض من جديد لنحت بعض التفاصيل؟ يا مدينة ًرغم ما فات، رغم عطش السنوات وملوحة القهر والاحتلال، رغم اختناق المناخ ورغم ما مرّ بك من تتالي المحن، لا زلت كشجر الزيتون ثابتة في الأرض تنبعين بالحيوية والحياة.

اعذريني يا ” نابلس” ماذا تراني أسجّل على دفاتري المكلومة، المتأوّهة من صفعات سجلات أسرى وضحايا العراق وأفغانستان، والمتوّجعة من نزيف جرحنا العربي الذي بات صداعا مستمرّا في الأعماق.. ربما تتلكأ يا ” نابلس ” بين أصابعي ريشتي التي لا تعرف لغة المديح، ولا تتقن صنع البيانات الحجرية، ولا تستطيع صياغة الخطب الفولاذية، ولا تستسيغ الجمل النحاسية، ولكني هنا يستفزني صمتك الذي يخبأ بين ضلوعه ثورة أطفال الحجارة وقوافل الشهداء، يحرّضني هدوءك الذي تترجمه ترانيم ” الشابي ” حين يقول :

” حذار ِ فتحت الرًماد ِاللهيب ُ..

ومَن يبذر الشوك َ يجني الجراح”

فاعذريني يا ” نابلس ” اعذري اعوجاج كتابتي وتمايل حروفي عن السطر وتحت السطر وفوق السطر، ذلك لأني حين أقف أمام تاريخك المخضب بالكبرياء تتصاغر كل مفرداتي، وترتبك أقلامي وتتبعثر حقائبي، فاعذريني يا نابلس، اعذري فوضويتي في زمن فوضوية المفاهيم وانقلاب المعاني .

مرة أخرى يا نابلس تفرّ منى الكلمات، فأهرب بثقلي بمواجعي بأقلامي بأوراقي بدفاتري المشقوقة، أبحث بين آثار الآباء والأجداد الثائرين على طقوس الضيم والقهر والغزاة، لأتيمّم بحرارة مدينة صاحية تأبى الانحناء، وترفع عنوانا على كل الجباه – ارفع رأسك إنك في نابلس – ” نابلس” أيتها المنتفضة على الزمن العربي المتجمّد ،  تراودني فيك يا نابلس كلماتي المُهرّبة عبر نصوص متمرّدة على كل طقوس الوثن، والتي تودّ التوزع والانسكاب لترجمة بعض ” الاعترافات التي لم يسجلها قلم التحقيق”، يا مدينة اختارت طريق الانتفاضة ضد هذا الزمن العربي المتجمّد، الذي تصل درجة حرارته إلى عشرين درجة تحت السطر، يا مدينة اختارت التمركز على خطوط التماس، لتعلن منذ القدم التمرّد والعصيان، وتنتفض ضد فصول الصمت وكل أنواع الاستسلام، وتبني أسوارا دفاعية حول العقل القومي، حتى لا يباع ما بقي من الضمير العربي والذاكرة الجماعية والشرف التاريخي في المزاد. فكما يا ” نابلس ” يا مدينة الأحرار تحتاج الدول المتجمّدة إلى حكومات انقاد، وكما تحتاج الدول المتوحّشة إلى ثورات تصحيح، فإننا كشعوب ننام على التعب ونستيقظ على نشرات الغبار، نحتاج إلى مدن إنقاذ، نحتاج إلى نابلس، وغزة، ويافا، والقدس، وسلوان، وبيت لاهيا، وحيفا، والخليل وبيت لحم…وكل تلك المدن الفلسطينية الصاحية في زمن السبات، التي ترجّ الضمائر والمنقلبة على واقع الفتات.

لا أدري يا ” نابلس” ماذا أضيف هنا؟ يا مدينه لا أعرفها بيولوجيا ولكني أعرفها منذ آلاف السنوات، أعرفها عبر تاريخها الذي يأبى الذبول والانخفاض، يا بلدة ظلت على مرّ الشهور والأعوام تنسج للقيد ألف حكاية، وترسم للحلم أنشودة السفر، وتصدّر للعالم معاني العزّة والتمسّك بتراب الوطن. مواطن عربي مختون اللسان اعذريني يا ” نابلس “، اعذري تأخري في الكتابة عنك، فقد فتشت في أنسجة أفكاري عن مفردات تشبه أو تقارب لغة ثورة الحجارة، فمنذ زمان يفترسني التردّد وتعصيني الجمل، وقد مزقت مئات النصوص والكلمات، فكلما أردت الكتابة عنك تنتصب أمامي قوافل شهداء الانتفاضة، وأطفال الحجارة، فأحس بالعجز والخجل أمام من كتبوا بأجسادهم الغضة وبراءة معاقيلهم، فأجدهم أبلغ مني كلمات، وأقدر مني على كتابة تخترق الأعماق، وأشطر مني في فن التعبير دون أقلام ولا أوراق.

اعذريني يا ” نابلس “، يا تلك المدينة التي اختارت أعالي الجبال، اعذري صمتي الذي يشبه البركان، اعذري تقصيري، فأنا مُكبل مقيًد بوجعي ، بقهري بضمئي بضيمي بتوقي إلى تكسير الأغلال ، فـأنا مُتيًم بعشق أي شبر من ترابك، ومتناثر شظايا في القدس رمز العقيدة ورائحة أجدادي، ومُفتت في كل تلك المدن الفلسطينية النازفة، بيد أني مواطن عربي منزوع الحقوق والمواطنة ومختون القول واللسان. صنّاع حجارة من لهب ، ماذا تراني أضيف إليك يا ” نابلس ” وكل كلماتي كل تعابيري كل نصوصي صارت عارية الصدر دون أزرار، تبحث بين تجاعيد الأيام عن أحلام مواطن صادرتها سنوات الرًبو السياسي ومؤتمرات التلاسن والخصام، وذبحتها الخطب العاجية التي تبيد الأنفس وتخسف الأعمار، حتى غدوت أحمل ملامحَ إنسان بلا إنسان ، لتتقاذفني أوطان العطش..

فماذا تراني أكتب إليك هنا يا ” نابلس” ، يا مدينة ًكما غيرها من مدن التحدّي والشرف لا تسقط بالتقادم ولا تروم الانحناء، وأنا أحد المُنتمين لجيل التعب، فقرّبي منك دفاتري حتى تورق وتنتعش، فأنت يا مدينة الأجداد وكل المدن التي تشبهك في النسب، إحدى صنّاع حجارة ٍمن لهب، يا ” شكيم ” ، يا مدينة استطاعت أن تتعايش فيها الأديان دون شغب، وأنا ذاك المُهاجر والمُهجّر من دول الجنوب، حيث ضاق بنا انكماش ُ خرائط تلك الأوطان، والمستوطن في إحدى دول الشمال، اخترت السباحة إليك يا ” نابلس ” مُتسللا عبر مراكب الأوراق والقلم، كي أستعير منك بعض الحرارة والدفء، تحميني من جنوب يعتصره ضيق التنفس وانكماش الأفق، وتدثرني من لسعات برد الشمال، كي لا أتجمّد وحتى لا أختنق.