السلفية: المراحل والتحولات د.محمد حبش : (كلنا شركاء) 20/6/2010

Posted on 21 يونيو 2010 بواسطة



بدأ الاحتفال بمهرجان الجنادرية في الرياض قبل نحو خمسة وعشرين عاماً، وتحول من مناسبة احتفالية لإحياء بعض التقاليد الشعبية إلى موعد سنوي يلتقي فيه المفكرون وقادة الرأي للحوار في أكثر القضايا الجوهرية جدلاً وقلقاً، ويحظى باهتمام كبير على كل المستويات ويسح بهامش من الحرية الفكرية غير معتادة على الإطلاق في هكذا بلد محافظ، وقد شاركت فيه سوريا عبر اتحاد الكتاب العرب بوفد متميز من الأدباء والمفكرين.
كانت الندوة الرئيسة التي حظيت بأكبر اهتمام في نادي الثقافة هي ندوة بعنوان: السلفية المراحل والتحولات، وهو عنوان صادم بكل تأكيد يناقش واحدة من أشد المحرمات في تابو الحوار السعودي، حيث ظلت هذه الكلمة من المحرمات وكانت رديفاً مباشراً للإسلام فلا إسلام بلا سلفية ولا معنى للسلفية دون إسلام، وبدا من المرعب تماماً أن تضع السلفية نفسها على طاولة المحاكمة أمام الشهود وهيئة الادعاء وفريق المساءلة.
على منصة المؤتمر التقت اثنتا عشرة شخصية لتحاور في مصير السلفية، وكان على المنصة عمائم بيض وعمائم سود، وعلمانيون وليبراليون لا يكتمون ميولهم لخلاص البلاد من الفكر الوهابي الذي طبع الحياة في الجزيرة العربية لأكثر من قرنين ونصف من الزمان، مؤكداً على ضرورة التوجه نحو الحداثة في عالم متغير لم يعد بالإمكان أبداً أن نشارك فيه بفعالية ونحن نلتزم خيارات بادية نجد في القرن الثامن عشر.
في كلمتي بالمهرجان قلت للمشاركين إن عنوان الندوة هو السلفية التحولات والمصير، وأعتقد أن لقاءنا هنا بحد ذاته يعتبر تحولاً ما كنا نتصوره قبل سنوات!
عبد الله البريدي الكاتب السعودي الثائر كان أبرز المتحدثين في ندوة السلفية، وهو أستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود معقل الفكر السلفي المتشدد ولكن الرجل جاء من غار السلفية ليقلب الأيقونات جميعاً وكشف في محاضرته عن موقف هام سطره في كتابه: السلفية والليبرالية وخنق الإبداع، وبدون مقدمات أكد الرجل أن الثقافة الوهابية الإلغائية الإقصائية كانت سبباً مباشراً في ولادة التطرف والتشدد، وأن منطق الفرقة الناجية الذي يغلب على كل الأدبيات السلفية، ويقتضي إخراج الآخر من الجنة إلى السعير، هو بالضبط المنطق الذي أفرز حركات العنف السياسي، ويرتكز ذلك على فكرة بسيطة وهي إذا كان الآخر ليس أهلاً أن يدخل جنة الله في الآخرة وإذا كان الله نفسه سيزجه حطباً لجهنم فما معنى رحمتي به؟ ولماذا أكون أرحم بالناس من خالقهم، وهذا الموقف الذي يحظى باهتمام كبير لدى التيارات الوهابية، والتطرف يبدأ فكراً، وهو أحد الأسباب الجوهرية التي تسببت في الزج بشباب الصحوة نحو تيارات العنف.
وفي قراءة أكثر مواجهة قال الزبيدي لقد تعودنا أن نهرب دائماً إلى الأمام وعندما تولد حركات العنف من رحم فكرنا الوهابي فإننا تعودنا أن نقول إن هؤلاء أخطؤوا الفهم وإنهم انحرفوا إلى غير المراد، ولكن إلى متى سنمارس ذلك، لقد ولدت الطالبانية والقاعدة والجماعات المسلحة في الجزائر واليمن وباكستان والعراق في رحم الحركة الوهابية، وفي كل بلد إسلامي هناك اتجاه متشدد متمرد على المجتمع يصر على مناكفة الحياة بعقله وتصوراته بل في مشيته وزيه ولباسه، ومع ذلك فجوابنا الجاهز دائماً هو لغة انتزاعية عقيمة نتبرأ فيها من هؤلاء، ونطالب بإنتاج مزيد من السلفية على أساس آخر، وفي النهاية تدفع شعوبنا وشعوب جيراننا وأصدقاؤنا في العالم ثمنا مرهقاً جراء مواجهة هذه التيارات وهي مواجهة لا تنفك نتيجة طبيعية للفكر الإلغائي الإقصائي الذي تمارسه الحركة السلفية.
وبعيداً عن خطر العنف الذي ارتبط بالتوجه الوهابي السلفي فإننا نواجه أيضاً أزمة مع العقل ففي سائر محاضراتنا وخطبنا -والكلام للبريدي- نطل على الناس بإعلان أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهذا يعني أزمة حقيقية في مواكبة الإبداع، حيث تم وضع كل إبداع في دائرة الريبة وشاعت كلمات استسلامية بائسة: قف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وقفوا، وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، وهو يذكر بما حذر منه القرآن من خنق الإبداع على لسان أعداء الرسالة: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم متبعون، ولو كان خيراً ما سبقونا إليه، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
وحدد البريدي السمات الجوهرية للفكر السلفي المعاصر في النقاط التالية: الارتهان للتاريخ والتسويف للواقع، وغلبة الفكر الشفهي، والمحلية المفرطة المتلبسة بالعالمية.
علينا أن نناضل ضد احتكار الخلاص ضد احتكار الله ضد احتكار الجنة ضد احتكار الحقيقة، وعلينا أن نتمسك بالخيار القرآني الكريم ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم.
خلص البريدي إلى القول إن السلفية تيار موجود في الإسلام ولكن باختصار الإسلام أكبر من السلفية، والسلفية تقتل الإبداع ومن حقنا أن نتجاوز هذا الوهم إلى قراءة جديدة في الحاضر والمستقبل.
كان من الطبيعي أن تتحفظ البعث على نشر مقال كهذا لأنه يمس توجه بلد عربي شقيق، ولكن ذلك تغير اليوم بشكل جذري، فهذه الرؤية تقدم في قاعة الملك عبد العزيز في الرياض وبرعاية حكومية مباشرة، وتعكس الجدل الدائر اليوم في مناقشة ما كان إلى أيام قريبة جزءاً من التابو الأحمر الذي لا تجوز مناقشته، ولكنه صار اليوم في بؤبؤ دائرة الاتهام في العاصمة التي تبنت لأكثر من قرنين من الزمان ثقافة الفرقة الناجية والآخر الهالك، وأفرزت بالتالي في امتدادها في العالم تيارات غاضبة منتزعة من الواقع والتطور تتقاذف الريب في كل ما هو وطني أو قومي أو حضاري وكذلك في كل سعي يهدف إلى بناء إخاء إنساني مجرد من التمايز الديني.