حوار مهم جدا مع المبدع الفلسطيني منير مزيد

Posted on 28 مايو 2010 بواسطة



حوار مهم جدا مع المبدع الفلسطيني منير مزيد
24 مايو، 2010‏، الساعة 11:13 صباحاً‏

حوار مهم جدا مع المبدع الفلسطيني منير مزيد

حاورته تغريد عطا الله

في البدء عند الحديث مع المبدع الفلسطيني نسأل إلى أيّ المدن الفلسطينية تعود
جذورك ؟ وكيف تتذكر مدينتك الآن ؟

أنا من قرية طلوزة تابعة لمحافظة نابلس . للآسف لم اعيش هناك ، بحكم أن والدي كان في الجيش الأردني. لهذا كل حياتنا كانت في الأردن . زرت طلوزة مع والدتي وأنا طفل صغير مرتين و مرة مع والدي حينما تقاعد من الجيش.
خلال تلك الزيارت كنا نمكث فترة طويلة في الفارعة بحكم إن عمي المرحوم كان يسكن هناك و في منطقة وادي الباذن ..
كل ما اذكره في طلوزة أحراش اللوز ومن هنا جاء اسمها فهي اصلا يطلق عليها تل اللوز وكتبت قصيدة تعرف بـ منير مزيد :

أنا مُنيرُ مَزيَدْ
وُلِدْتُ في أحراشِ اللوزِ والزيتونِ
في أرضٍ أنجبتِ كلَّ الأنبياءِ
أنامُ في رَدْهةِ السماءِ الدافئةِ
خلفَ وجهِ القمرِ اللامعِ في بَهوِ الروحِ

لقبت بشاعر الإنسانية، شاعر الحب والجمال، أنت ماذا تقول عن منير مزيد؟

بالتأكيد هذه الألقاب انبنت على أساس قراءة شعر منير مزيد . صحيح إن أشعاري تنشد الحب و الجمال و الإنسانية وهذا أمر بديهي في ظل عالم يستفحل بشاعة و كراهية و حربا على الإنسان و لكن أحب أن أجمع هذه التسميات الثلاث تحت مسمى مشروع أكبر هو مشروع ” الحلم ” فأنا أحب أن أسمي نفسي “شاعر الحلم ” لأن في الحلم توجد أجمل القصص و الحلم منفتح على ما يجب أن يكون على المشروع أو المستقبل وضمن هذا السياق أصنف نفسي لأن فكرة الحلم تعني أن أسكن مدن الحلم ولأن مدن الأحلام هي وحدها الجديرة بالسكن فكل قصة هي بالأساس قصة حلم و المعروف أن الحلم أكبر من الواقع و مشروعي فعلا أكبر من الواقع .
المبدع الحقيقي هو وحده من يمتلك مشروع الحلم إنه مشروع الأنبياء و الصادقين و لذلك يقصى ويطارد ويغتال كل من يملك حلما لأن الحلم تهديد لواقع لا يعرف الحلم ويعيش على فتات امتهان كرامة الإنسان فأن تحلم هو أن تمتلك رؤية وأن تمتلك رؤية يعني أنك تمتلك مشروعا ومن يمتلك مشروعا فهو يمتلك إرادة الفعل والتغيير ومن هنا يحارب كل مبدع يحمل وعدا حقيقيا بالحلم وانجاز هذا الحلم على أرض الواقع.
كل من حلم أقصوه يقول لوثر كينغ الذي قتل لأجل الحلم من لا يملك الحلم لا يملك الرؤية .

كيف يصف الشاعر منير مزيد تأثير غربته على أسلوبه الأدبي ونمطية تفكيره؟ وما الذي أضافه لك سفرك وتحملك الغربة والتعايش مع أجواء بعيدة عن جذورك كعربي؟

بالتأكيد عندما يكون الإنسان بعيدا عن وطنه فإن آلام الغربة و الوحدة تعذب روحه خاصة إذا كانت الغربة مفروضة عليك و قسرية هذا في جانب منها ولكن آمنت بضرورة أن أحول مصدر ألمي ومعاناتي وأستثمره لخدمة إبداعي فأنا أومن بأن البكاء على أطلال الألم لا يفيد وعوض أن أبكي غربتي حولتها إلى نهر إبداع خالد فأنا لا أومن بالفشل بل أومن بضرورة أن يتفوق الإنسان على ذاته وأن ينتصر لإرادة الحياة ويحول نقاط ضعفه إلى نقاط قوة وما هو سلبي إلى إيجابي فاستثمرت عذاب البعد عن الأهل والوطن بتحويلها إلى خدمة هدف الإبداع أما مدى تأثير غربتي على أسلوب الأدبي فأقول رب ضارة نافعة ذلك أن احتكاكي بثقافة الآخرين وآدابهم ساهم في تقوية مناعتي الأدبية وأغنى تجربتي وأسلوبي وأعطاني رؤية شعرية أكثر عمقا ذلك أنه كلما تعمقنا في معرفة الآخر كلما ازدادت معرفتنا بأنفسنا وتعلمت شيئا مهما أنه هناك وحدة داخل التنوع الإنساني وثمة تنوع داخل الوحدة الإنسانية بحيث أن غربتي عادت على تجربتي الشعرية وأسلوبي بالفائدة الكبرى وساهم ذلك في خلق حيوية كبيرة داخل تجربتي الشعرية و الارتقاء بتجربتي الإبداعية إلى مصاف الكونية حيث تلتقي مختلف الثقافات حتى غدت نصوص منير مزيد تشريعا واقعيا لوحدة إنسانية مبنية على التنوع والثراء والتعدد وكل من يقرأ قصيدة منير مزيد مهما كان انتمائه شرقا أو غربا يجد بعضا منه ومن إنسانيته حاضرة في شعري لأنه سيلتقي بالقيم الإنسانية العظيمة التي تتفق حولها كل البشر وبالتالي فإن هذا الأمر أعتبره مكسبا لثقافتي وجذوري العربية وانتصارا للإبداع العربي وإزالة الغشاوة عمن لا يؤمنون بوجود تجربة عربية إبداعية قادرة على منافسة الإبداع العالمي ..فقد حررت تجربة الغربة ذاتي من تصور الإنسان ذو البعد الواحد الذي يحصر نفسه في نمط وجودي فقير ومنغلق على ذاته وأثرت تجربتي الشعرية وأكسبتها نضجا وتنوعا كبيرا ..

تعددت الأنواع الأدبية التي استخدمتها لتفريغ مضمونك الثقافي والأدبي ، أي تسمية يحب أن نطلقها عليك ، شاعر/ قاص/ روائي/ مترجم؟

إن التجارب الإبداعية عندي هي كل لا يتجزأ وأنا لا أؤمن بوجود فواصل ومسافات بين أجناس الإبداع المختلفة ما دامت هدفها واحد الرقي بالإنسان وبقيمه وكرامته والدفاع عن وجوده بل أعتبر أن أرقى وأسمى مرتبة يمكن أن يرقى إليها المبدع حين يوقع نصوصه ويحسن ختمها ببصمة الكلية وحين تجتمع فيه وتتقاطع كل أنواع الإبداع شعرا وترجمة ورواية و فنون إبداعية أخرى .. ما دام الهدف في الإبداع واحد . صحيح إن الإبداع لا يستطيع أن يغير العالم لكنه يستطيع الإسهام في تغيير وعي الناس الذين بإمكانهم تغيير العالم وانطلاقا من هذا الهدف وهو المساهمة ولو بقدر ضئيل في تغيير وعي الناس الذين سيغيرون العالم نوعت تجاربي الإبداعية لأتيح لقدر أكبر من القراء الإطلاع على النمط الإبداعي الذي يتفاعلون معه أكثر ..

تعددت منظوماتك الشعرية ، فهل استطاع الشعر تحقيق رغباتك في تفريغ محتواك الثقافي والأدبي ؟وماهي رؤيتك الخاص عن الشعر؟

أحاول التنويع في تجربتي الشعرية وهذا نتيجة إيماني برؤية تنبني على كونية التجربة الجمالية وكليتها وشمولتها و الشعر إحدى بوابات الإبداع الرئيسية ولكنها ليست الوحيدة لذلك أنوع في تجاربي الإبداعية.
أما عن رؤيتي الشعرية فهي تتمثل في الارتقاء أولا بالشعر العربي إلى مرتبة الكونية الإنسانية وأن أوصل عبره حلمي وأؤسس لرؤيتي الشعرية تلك الرؤية التي تميز منير مزيد عن بقية الشعراء فأنا أومن بأن الشعر يحمل بعدا تحرري وهو في عمقه يعد بالجمال والسعادة التي لم تتحقق فتحفز الإنسان على النضال ضد استمرار الاستعباد والاستغلال للإنسان وضد كل أشكال البشاعة المستفحلة في الواقع فتلمس بعدا ثوريا فيه لهذا أعتبر أنني استطعت أن أجعل كل من يعيش في الغرب أو في أي مكان في هذا العالم بأن يشعر بقضيتي العادلة ويلتف حول منير مزيد الفلسطيني المهجر من وطنه و المهجر كذلك من قبل أبناء جلدته ويفهم معنى معاناة الفلسطيني من خلال تجربتي وهذا في حد ذاته انجاز إذ ليس في مثل هذا العصر الذي يسيطر عليه عصابات التشويه للإرث الفلسطيني الثقافي وللإنسان الفلسطيني أن تنتزع اعترافا بنقاوتك وبراءتك وبحقك في حياة عادلة مثل الآخرين إذا لم تمتلك حلما ورؤية وتجربة شعرية قادرة على النفاذ لأعماق الآخرين وتحريك القيم الإنسانية التي يؤمنون بها ونسوها أو لصورة مغلوطة تكونت عندهم عنك والشعر عندي قد نجح في إزاحة هذا التشويه الذي لحق بنا كعرب و فلسطينيين مهددين في وجودنا وقد علمتني تجربتي في بلاد المهجر أن الآخر بإمكانه أن يفهم ويتضامن مع مأساتك إذا أحسنت تقديم نفسك وتبين لي أننا فشلنا في كسب الدعم لقضيتنا المركزية فلسطين لكوننا نعجز عن تقديم أنفسنا للآخر وهو ما أعطى صورة مشوهة عنا وهذه بعض المقاطع من قصيدتي ” ملحمة التوائم اللازوردية ” تظهر و تصور تلك المعاناة :
آه يا حبيبتي
مأساتي
مدن نبذتني .. كرهتني
….
قضيتي ….
وقضيتي أيها العالم المشبع بالزنا
أنا بلا وطن أو هوية
عاشق
وحبي العظيم .. أرضي
اغتصبت
….
حسد أفاقين تغطي قلوبهم
خفافيش و ريح
ظنوا أنهم شعراء
خانوني
رجموني بحجارة الكذب
وتركوني وحيداً مع قدري
مثخناً بالجراح
بلا مأوى ولا قطرة ماء
لأرحل لشتات آخر
أكثر افتراساً و مرارة ….
….
أماه .. ها أنا ذا أغني حبي العظيم
أرضي..
وبوخارست ..الغجريةُ العاشقة
تستمع مسحورةً
تشعر بالغيرة …تتعرى
تظهر لي كل مفاتنها
تشعلُ قناديل الغواية لـ أغني اسمها….
عصافيرها صامتة
وعلى أشجار الحور تَقْرأُ قصائدي
تود لو تعشش وتغرد
في أحضان حبيبتي.. ..

وهذا مقطع ما تتعرض له فلسطين من عملية سطو منظم من قصيدتي ” حكاية فلسطينية ”
يا معبد الزمن
يا من يحتوي قرابين أحزاني
كانت البلابل تشدو على نافذة قلبي
و السماء تُدردشُ مع حقول الزيتون
تهمس في روحي عطرها
قبل أن تتكاثر الأفاعي في أحشاء الزنابق
في عروق الياسمين و الجلنار
و يفترس قطيعُ الذئابِ حملاني البيضاء
الخضراء .. الصفراء .. الزرقاء…. ..
و يسطو القراصنة على قاربي
على كتبي و قصائدي..
على فساتيني المطرزة بالذهب
و شراشفي الحريرية .. ..
أما فيما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من حالة التشرد والضياع من قصيدتي
القدس… و حلم العودة

و ما يُعذّبُني أكثر
أنني ما عدت قادراً على الرحيل
مِنْ شتات لشتات آخر
و حياتي تمضي في العاصفة
خائفة مِن ظلام يغطي سماءها
ترسو على الأخدودِ الجهنميِ …

نصوصك الشعرية تحمل نوعا من الالتفات نحو المرأة فضاء نجومه متلألئة مختفية وراء عطر الحب والأرض والحلم، ماذا تقول أنت؟

المرأة هي الأرض و حبيبتي في نصوصي هي فلسطين فلا فرق عندي بين المرأة والأرض لأن كليهما ينجب ويأسس الوجود البشري فأرضنا هي أمنا ومن هنا تجدين هذا الحضور الكثيف للمرأة ..
هذا مقطع شعري كجواب على سؤالك
إن من يعشق عطر الأرض
يصير محارباً
من يعشق أنوثة المرأة
يصير شاعراً
من يعشق الله
يصير زاهداً .. حكيماً

وصفت واقع الثقافة العربي بالواقع السيء ، كيف تطلعنا عن الأسباب الحقيقية لذلك بنظرك ؟

من يقف وراء تعطيل انبثاق ثقافة عربية متماسكة وقوية قادرة على فرض نفسها عالميا و تقديمنا للآخر كمساهمين في صنع الثقافة لا “مدمرين لها ” و كمشاركين في الحضارة الإنسانية لا كمجرد محطات للتزود بالبترول والثروات الطبيعية و مجرد بنوك تتدفق أموالا لحل الأزمات المالية الغربية في حين يحرم المواطن في بلداننا العربي من التمتع بخيرات بلاده و تنتهك حقوقه و من هنا اختارت الكثير من العقول العربية الهجرة إلى أوروبا وأمريكا مفضلة نار الغربة على نار القمع والتهميش والظلم والاضطهاد. ومما لا شك فيه أن من يقف وراء ذلك هم من لهم غاية في نفس يعقوب ومن تتقاطع مصالحهم مع مصالح الإمبريالية الاستعمارية و حتى تسييس الثقافة عندنا يوظف للهدم لا للبناء لذلك نرى استغراق عصابات الثقافة في حروب جانبية لا علاقة لها أصلا بالثقافة ولا أعتقد من يحمل سمة المبدع الحقيقي والغيور على ثقافته وانتمائه وهويته العربية أن يفعل هذا بها لذلك أقول ببساطة أن الثقافة ليست بيد المثقفين الحقيقيين بل بيد تجار الثقافة ….

و هل نستطيع تحديد مشكلة الواقع الثقافي العربي بانحصار الخطاب الثقافي في إطار الخطاب السياسي ؟

أعتقد أن المشكلة أعمق من ذلك لأن المسألة تجاوزت كما قلت لك سابقا أن يكون الخطاب الثقافي قد انحصر في إطار ما هو سياسي بل سأكون أكثر صراحة إذ أرى أن مصير الثقافة ليست بيد المثقفين و المبدعين الحقيقيين فهي لم تعد ملك المثقفين بل بيد الثقافويين من سياسيين فاسدين و الذين يتخفون خلف قناع الثقافة المزعوم و لكون الثقافة مختطفة من مؤسسة الدولة السياسية وليست مستقلة فإنه من الطبيعي أن يتحول المثقف إلى مثقف بلاط مداح لا يرى إلا المحاسن ولا يجرأ على نقد الفساد السياسي حتى لا يخسر ما يمن عليه من بقايا موائد السلطان فالثقافة عندنا ليست نزيهة ومن هنا خسرنا الإبداع وخسرنا السياسة أيضا لأن السياسي الفاسد في خدمة مثقف فاسد مثلما المثقف الفاسد في خدمة السياسي الفاسد وهنا كانت خسارتنا كبيرة وفشلنا ذريعا فلا نجحنا في السياسة ولا نجحنا في الإبداع.. ..

أنت تطالب بضرورة الفصل بين الخطاب الثقافي والإنساني لإنجاح الدور الثقافي في المجتمع العربي ؟كيف تجد ذلك متاحاً وسط سلسلة الصراعات الدولية في الشرق الأوسط ؟

قلت لك أنا شاعر الحلم وأحمل رؤية ومن حقي أن أحلم وأناضل من أجل هذا الحلم ولعل إحدى أركان حلمي هو تحرير الإبداع من الحكم المسبق للسياسي وهذا حلم ممكن ومشروع إذا ما عملنا جاهدين وبرؤية إنسانية تجمعها المصير الموحد للإنسانية وأن كل البشر سيتهددهم الفناء إذا لم يجدوا طريق خلاص مشترك ينقذهم من الصراع العبثي وأعتقد أن الثقافة هي البوابة الرئيسية لإحداث تغيير حقيقي فمن أراد أن يغير الواقع فعليه تغيير وعي الناس وتغيير وعي الناس يكون عبر الثقافة الحقيقية التي تزرع الحب بين الناس وتعطيهم الأمل في وجود خال من الظلم والعذاب … .

رفضك لتسييس الثقافة العربية، يغضب بعض المؤسسات الثقافية وأصحاب الأقنعة المزيفة، كيف تواجه هذا الرفض؟

أردت أن أضع موضوع الإبداع وهدف الثقافة موضوعا أكبر وأشرف يليق بالإنسان وبمنزلته التي فضله بها الله على بقية الكائنات وعندما تكون المسؤولية الإبداعية بهذا الحجم الكبير والصاخب فإنها تستدعي تفكيرا بموضوع أكبر وهو الخير والحب والسلام لكل الإنسانية وأعتبر هذا ما تلتقي حوله حتى الرسالات السماوية ورفضي تسييس الأدب نتيجة أن السياسة قذرة وهي تعتمد الخبث والدهاء وبالتالي تشوه الإبداع وقيمه الإنسانية ومن هذا المنطلق رفضت هذا التسييس لأنك ستجمع بين مشروعين على طرفي نقيض مشروع ينبني على قيم النجاعة والمصلحة والمنفعة المادية ويستخدم مبدأ الغاية تبرر الوسيلة فالسياسة بهذا المعنى لا دين لها ولا أخلاق وهو ما يتناقض مع مشروع الإبداع الذي ينظر للإنسان كغاية لا كوسيلة ويهتم بمنزلته في الوجود ويحتفي بالقيم الإنسانية السامية ومشروع يتأسس على المبادئ الإنسانية الفاضلة الداعية لحب الخير لكل البشر والتخلص من الفردية والأنانية القاتلة والانتهازية وهذا ما أردته فخلف قناع المثقف السياسي يسكن وجه خبيث ومن هنا خشية البعض من هذا الفصل وهو كما قلت ليس فصلا بغية أن يتحول الأدب بلا هدف بل سيكون هدفه أسمى وقيمه أكبر تنبني على الصدق وتؤسس لوجود قيمي ولعيش مشترك بين ثقافات العالم مع احترام كل ثقافة خصوصية الثقافات الأخرى مهما كانت صغيرة أو كبيرة واحترام قانون التنوع الطبيعي وهذا ما أريده في مشروعي الإبداعي. .

نهنئك بمناسبة ترشيحك لجائزة نوبل للآداب ، هلا تطلعنا كيف استطعت الوصول لهذه المرحلة؟

أشكر تهنئتك ولكن يجب أن تعلمي أن طريق نوبل ليس طريقا مكللا بالورد بل هو طريق يقطع بالجد والاجتهاد المتواصل والإيمان بذاتك وبقدرتك على منافسة الآخرين ندا لند وبأنك قادر على التقديم للإنسانية أفكارا جديدة ومبدعة ومشروعا يساهم في تحسين الوضع البشري والدفع بالإنسانية نحو التقدم الإنساني لا الانحطاط ألقيمي. فنوبل بدأت كحلم لأني تعلمت مشروع الحلم وآمنت به وبدا يلوح في الواقع لأني آمنت بحلمي وعلى كل عربي أن يتعلم أن يحلم فلا يوجد شيء مستحيل تحقيقه في الواقع إذا آمنا بأنفسنا واجتهدنا لتحقيق الحلم.

وكيف ترد على القول السائد أن الأجندة الأمريكية والأوروبية صعب ان تمنح فلسطيني جائزة نوبل إلا إذا همّش القضية الفلسطينية وحقوقها من بنود أجندته؟

انطلاقا من إيماني بالعمل وبقدرة المبدع على تغيير الواقع إذا ما آمن بمشروعه و أصر على انجاز حلمه فإني سأعتبر هذا القول مجرد حكم مسبق وسأبذل كل الجهد لأكون مبدعا بمقاييس عالمية وهذا ما تحقق الآن ولنترك البقية للأيام هي من ستختبر بمدى جدية نوبل ومدى صدقيتها في أنها تمنح للمبدعين فبعد أن حصلت على تأشيرة الإبداع العالمي بشهادة كبار أدباء وشعراء ونقاد العالم وهذا هو الأساس فإني سأظل أحلم بالنضال من أجل أن تتحول نوبل إلى جائزة تكافئ المبدعيين الحقيقيين وتحييدها عن الأجندات السياسية المرتبطة بالمصالح وربما لهذا الأمر أرفض خلط الثقافي بالسياسي فنوبل ليس غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة من أجل إنصاف كل شعوب العالم وإعطاءهم الفرصة في ممارسة حقهم في الاعتراف بهم كثقافة أصيلة وفي أن تتحول ثقافة كل شعوب الأرض إلى ثقافة عالمية إذا ما أثبتت جدارتها..حتى نتخلص من تلك الرؤية المركزية التي تقسم العالم إلى مركز وأطراف وشعوب متخلفة وأخرى متقدمة . ..

قلت ” أنا كفلسطيني لا أستطيع الوصول لنوبل إلا وسط جو دعم إعلامي قوي” و وسط ما يعاني منه المثقف العربي من تهميش وعزل من قبل مجتمعه العربي ،فهل لديك خطة محددة لتأمين جو إعلامي ؟ وماهي أبرز ملامح الخطة؟

من كان حقا يؤمن بضرورة الدفاع عن فلسطين وعن هويتها العربية فإن بوابة الدفاع هي الثقافة لأن الثقافة هي الحصن المنيع لكل هوية وإذا ما تهاوت الثقافة انهار حصن هذه الهوية وسالت دماؤها فالاستعمار يبدأ بتدمير الثقافة ومسخ هويتها ليتمكن من محوها من الوجود وهذا ما حصل مع الولايات الأمريكية المتحدة في حربها على الهنود كان أمامها مسح كل الخارطة الأمريكية من كل علامة ورمز تنبني عليه ثقافة الهنود الحمر ثم إبادة الهنود الحمر وهكذا وقع اجتثاث الهوية الثقافية لأمريكا الهندية لتبنى على أنقاضها إمبراطورية بملامح ثقافية جديدة . فالصراع الذي يقصي شعبا ما نهائيا من الوجود هو صراع ثقافي ومن هنا تأتي ضرورة أن يتبنى الإعلام العربي مسؤولية الدفاع عن الهوية الفلسطينية العربية فإذا أنا تمكنت بمجهوداتي الخاصة من أن يصبح أسم منير مزيد يتردد في العالم الغربي كمرشح لنوبل فهذه الفرصة التاريخية لا يجب إضاعتها خاصة وقد أصبحنا معروفيين بأصحاب الفرص الضائعة إذ ما نربحه باليد اليمنى نبذره باليد اليسرى لأنه لم تتوضح بعد أدوات نضالنا الإستراتيجي . فعلينا أن نفهم أن أشكال النضال في سبيل القضية متعددة وعلى كل من آمن بقضيته أن يدافع عنها من الموقع المتاح الذي يحتله فيجب تجنيد كل الوسائل للمقاومة واثبات الوجود والثقافة والأدب والإعلام إحدى الوسائل الممكنة والمتاحة التي يجب تشغيلها في هذا الاتجاه ومن هنا أقول على الإعلام العربي أن يستغل هذه الفرصة التاريخية وينظر بعين المصلحة العامة لا الضيقة فأوطاننا في حاجة إلى هذه الرؤية التي تقدم مصلحة القضية والشعب والأرض على المصالح الآنية الضيقة إذا كان إعلامنا فعلا حريصا على تثبيت الهوية الثقافية العربية لفلسطين وجادا في الدفاع عن مقدساته لأن كما قلت صراع الوجود هنا هو ثقافي بالأساس ..ونحن أمام معضلة كبير “أكون أو لا أكون”…..

ترشيحك للجائزة هو بحد ذاته فخر لكل عربي واعتراف بفلسطين وجودا وحضارة ، فكيف تتوقع رجع صدى حصولك على الجائزة _ان حصل الأمر _ على القضية العربية والفلسطينية عالمياً؟
وهل هذه ستكون أولى خطوات تقدم الفنان الفلسطيني نحو العالمية؟

مهم جدا أن يصل فلسطيني أمام محفل ثقافي عالمي وينتزع اعترافا منهم بعالمية ثقافته العربية الفلسطينية فهذا اعتراف بأن ثمة شعب تاريخي يمتد جذوره على آلاف السنوات وهذا الشعب هويته تظهر في أرضه القادم منها فلسطين ومن هنا سيدرك العالم أن فلسطين ليست “أرض بلا شعب كما تدعي الحركة الصهيونية ” بل لفلسطين شعبها العريق وهو شعب مبدع أنجب الأنبياء وينجب الشعراء الكبار وهو قادر على منافسة الثقافة العالمية واثبات وجوده وتجذره التاريخي ..

قلت ” أنا لن أقبل لفلسطين شعباً أحمقاً ” هل هذه دعوة لنشر حضارة فلسطين التي عمرها آلاف السنين في العالم بكل الطرق المتاحة وعدم حصرها في حيز سياسي ؟

بالتأكيد ما تفشله السياسة يجب البحث عن إنجاحه بوسائل اخرى والإبداع والثقافة هي إحدى الوسائل بل هي الوسيلة الأنجع والأبقى لنشر الثقافة الفلسطينية فبعد انتهاء الحروب ما يخلد ويبقى هو الثقافة التي هي عنوان تعرفنا على هوية شعب وحضارته فالثقافة تخلد هوية الأرض والشعب وتثبتها فنحن نعرف انكلترا بشكسيبر وإيطاليا بدانتي واليونان بهوميروس وسيعرف العالم فلسطين بمنير مزيد ..

قلت ” نحن الذي نقصي ثقافتنا عن العالم أكثر من العدو نفسه ، وان العدو بطبيعة الحالة يريد اثبات وجوده ” كيف رفضت الإقصاء؟؟ وهل مجموعة ” وجوديات ” أكثر مجموعاتك الشعرية معالجة لهذه الجزئية ؟

بالفعل إن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه وتحررنا من الجهل يضعنا أمام الثقافة التي هي كما قلت أداة أساسية لإثبات الوجود وحتى مقولة صراع الحضارات أساسها ثقافي بكل ما تشمله الثقافة من تنوع من دين ولغة وفن وعلم وغيرها من الأنظمة الرمزية ومن أراد أن يحصن نفسه من الاندثار فعليه أن يخلق ثقافة قوية ومنافسة تفرض نفسها على العالم فالتغيير لا يحصل بمجرد الكلام والأماني بل بالفعل والبناء الثقافي المختلف .
كل شعري يطرح هذا الهاجس لأني كما قلت لك أنا أحمل حلما ومشروعا والمشروع يقتضي المواصلة الدائمة للتخطيط لنفس الهدف حتى يتحقق و كتابي ” وجوديات ” نوعا ما يعالج هذه الجزئية لأنني كتبت هذا الكتاب بعد أن
هاجرت من الأردن بسبب الظلم والأذى الذي لحق بي من مؤسسات العهر الثقافي هناك .

ترجمتك للشعر في الانطولوجيا، قدمت من خلال فتح باب التلاقح الثقافي بين الشعوب، وتعتبر إنجازا متميزا من قبل فرد مثقف وواع بما تمر به الأمة العربية، هل وجدت الدعم المطلوب من قبل المؤسسات الثقافية المعنية ماديا ومعنويا؟

للاسف لم أجد أي دعم من أي مؤسسة بل كان جهدا فرديا لوجه الإبداع خالصا ولوجه خدمة الثقافة العربية وتقديم أنفسنا كند للثقافات العالمية الأخرى حتى أحرر نظرتهم الدنيوية لنا ورغم هذا الصدق والتضحية فقد هاجمني العرب وهاجم المشروع و كأني اقترفت أبشع جريمة و انهالوا علي بالشتم والقدح والذم و كل ما بقي المطالبة باعدامي

تقول ” نعم لتوظيف الأدب لأجل القضية ، وليس القضية لأجل الأدب ” كيف حققت هذا من خلال نصوصك الشعرية وهل هذا سر بقاء الشعر ووصوله لمرحلة العالمية

جعلت الأدب الرفيع الذي يتمتع ببناء متماسك وجمالية كبيرة فوصل وعندما تفرض رؤية متقنة في الإبداع وتفرض نصك كنص مبدع فإن موضوعه يتسلل إلى القارئ دون استئذان وبهذه الطريقة جعلت الإبداع يخدم القضية عكس من يستعملون أدبا ضعيفا من حيث الجمالية ويوظفون فيه موضوع القضية فتخدمه القضية وتحوله إلى مبدع وشاعر عظيم رغم أنه لا يفهم ولا يفقه في الشعر والإبداع شيئا فيطفو الإبداع الرديء وهنا تتم الشهرة عبر توظيف القضية فتضيع القضية ويضيع الإبداع ..

هل تتوقع تغييرأ على مستوى الدعم العربي للمثقف العربي خارج وداخل المنطقة العربية؟

سأكون متشائما لا أتوقع منهم شيئا لأن الثقافة آخر اهتمامتهم ناهيك عن محاربتهم للإبداع فهم لا يرون حقيقة ما يحدث في العالم ولا يريدون أن يروا حجم المأساة التي وصلت إليها حضارة العرب من ارتفاع بنسبة الامية وتفشي الفقر و ظاهرة التعصب و الانغلاق ربما انشغالهم في البحث عن السلطة و المال و الشهرة حتى و لو كان على حساب الإبداع و المصالح الوطنية وفي نظرهم بأن الإبداع يهدد تلك المصالح والغنائم التي تم نهبها من قوت الشعوب مما يجعلهم يصرون على ابقاء الوضع كما هو عليه فليس هناك أدنى رغبة لديهم في التغيير لان التغيير يضر بمصالحهم الفردية والفاسدة .. .
قصتي و تجربتي تقول لي ببساطة: الشر يأتيك من المؤسسات الثقافية العربية وهي العدو الأول و الأخطر على أي ثقافة تريد الارتقاء بالإنسان فلو نظرنا إلى شاشات التلفزة العربية نرى كيف يروج للثقافة الاستهلاكية و السطحية و عدنا إلى زمن داحس و الغبراء حتى باتت الثقافة تلعب دورا محوريا في تخلف شعوبنا وتفشي كل تلك الظواهر
مفاهيم التحضر والإبداع يتم اغتيالها تحت مسميات و شعارات زاهية الألوان إلا أنها معاول هدم …

للشاعر دائما قصيدة أقرب إلى نفسه، ما هي القصيدة الأقرب إلى نفسك… أم لم تكتبها بعد ؟

أعامل قصائدي مثل أطفالي فأنا أحبها كلها حتى وإن تفاوتت كما قيل لأحد الحكماء : أي الأولاد أحب إليك ؟ فقال: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يشفى والمسافر حتى يعود .

حصلت على تكريم من قبل جهات أوروبية ، ولم تكرّم من قبل جهات عربية ،وحدثتني عن دعم أوروبي لك هذه الفترة نحو نوبل؟ فكيف تصف شعورك ؟وماهي رسالتك بهذا الخصوص؟

أنا كنت صادقا في عملي و مخلصا و مكابدا مجاهدا وقد فرضت نفسي بهذا الصبر المتواصل والإصرار على السير في درب الإبداع الحقيقي على انتزاع اعترافهم بي لأن هناك ثقافة في الغرب نفتقد إليها نحن العرب فإذا ما أقنعتهم بجدارتك احترموك لأنهم يقدرون الإبداع وينظرون إلى المسألة على أن الرجل المناسب في المكان المناسب أما نحن العرب فساد المؤسسة الثقافية والسياسية تمنع من تحقق مثل هذا الهدف فنحن لا زلنا نبني وجودنا على الصدفة والفوضى والمجاملات ومن هنا لم احصل على الدعم العربي لأني أرفض الفساد وتقديم المصلحة الذاتية على مصلحة شعب وحضارة بأكملها .

هل تستطيع ثقافتك الرومانية أن تلغي هويتك العربية خاصة أن رومانيا هي التي احتضنت تألقك الأدبي؟

أنا عربي بالأساس ولأني عربي أصيل فإن شيمة العربي وخصاله الحقيقية هو اعتزازه بانتمائه وثقافته وعدم نكران الجميل بمعنى لا يتعارض اعتزازي بكوني فلسطيني عربي مع الاعتراف بفضل رومانيا والشعب الروماني في احتضاني وإلا سأكون ناكرا للجميل .

ما هي كلمتك الأخيرة ؟

الكلمة الأخيرة أتمنى أن ننهض كعرب من سباتنا الحضاري وأن نسارع في بناء ثقافة قوية قادرة على تحدي المستقبل وبناء جيل مبدع يتمتع بالكرامة والحرية والوطن الذي يحترم إنسانه ويغير على ثقافته وانتمائه.