تزوجوا من خارج الملة

Posted on 26 مايو 2010 بواسطة



 

لأنهم تزوجوا من خارج الملة

 
ميس الكريدي – الثرى
25/5/2010  


بعد أعوام من زواجها بأستاذها الجامعي، مازالت الفتاة التي أصبحت
اليوم امرأة كبيرة جميلة، مثار سخط طائفي متوقد لا تدري من أين يأتون بالحطب
ليضرموا كل هذي النار.
إن هذه الانتحارية التي قررت وهي في سن الرشد أن تتزوج
بمحض إرادتها من ذلك الشريك الذي تجرأت باسم رباط الإنسانية أن تقترن به، هي أوفر
حظا من عدد كبير من الفتيات، حيث لم يكن الموت بطل مواعيدها المباغتة
فالوالد
غير موجود، والإخوة نفر من الشباب التحقوا بركب العلمانية، وقرروا أن يغفروا رغم
أنف الغاضبين من القرية.. لكنها ظلت خارج الحسابات الاجتماعية للكل باستثناء جريمة
العار التي لو تخطاها الأهل الأقرب، لكنها ظلت شماتة في عيون الجميع واستخفافا
بشباب رفضوا أن يكون الدم جواز سفرهم إلى قريتهم التي قررت حرقهم جميعا ..

الطفلة الجميلة التي تدرس في إحدى مدارس مدينتي، لم تدرك لحد اللحظة جريمة
والديها حين قررا هتك حصون فضائل المنطقة بزواج من طائفتين مختلفتين، ولم تعرف أن
أبواب العائلات من كلا الفرقتين مسدودة في وجهها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا …

الأرملة الفتية التي رحل زوجها، لتجد نفسها في مهب الريح مع أطفال أربعة لا
يعترف بهم أهل الزوج، مازالوا ينظرون لتلك الأم البائسة على أنها اللعنة التي رافقت
ولدهم إلى قبره، وستظل نقطة ضعف في تاريخ العائلة لآخر لحظة..
صديقتي التي
أحبته وأحبها، لكن القرار كان دمارا فقررا الفراق ليعيش كل منهما بذاكرة مخزونة
بجرح وينامان آخر الأمر في أسرة تفقد شرعيتها لأن طيف كل منهما ينام في سرير
الزوجية المقدس منغصا حياتهما ربما للأبد.
الصبية التي قتلت على مذبح الشرف رغم
أنها ملفوفة بوثيقة من قاضي المحكمة الشرعية، ولم يشفع لها دفتر العائلة وطفلين
مسجلين على قيوده..
الشاب الحضاري جدا بدرجة ممتاز الذي رفض الزواج من حبيبته
الافتراضية، واختار أن يجري لها عملية الإجهاض، وبعدها الترقيع ليمنحها وسام الشرف
من جديد فتتزوج شخصا مناسبا من طائفتها، لأن(( اللي ما بياخد من ملتو بيموت
بعلتو)).
جارتنا في الحارة القديمة التي هربت مع طفلتها بعد موت زوجها محرومة
من أن ترثه لأنها لم تغير دينها، ووضعت حملها بمساعدة صديقتها، بعد أن رفضها الأهل
في كلا الطرفين، ورفضوا أمومتها، فهاجرت مع المهاجرين بحثا عن ملاذ وكسرة خبز..

في كل حالة من تلك الحالات كنت قريبة أو بعيدة، عرفت أبطال تلك الحكايات،
وعاصرت أزماتهم أو سمعت عنها، فإذا كان محيطي وحده ينوء بمئات الحالات المشابهة،
فما هو الحال حين نفتح مصراعي الوطن، لنفتش عن زواجات سرية أو علنية تتسرب باسم
الإنسانية فيحاكمها الجميع باسم الصراعات المذهبية التي استحكمت عليها الستائر
الاجتماعية فلم يعد بالإمكان فصل المشكلتين والتحم كل منهما بالآخر ليصير موروثا
عقائديا لا يمكن تجاوزه، وإن تفاوتت الحدة بين مذهب وآخر، وبين دين وآخر.
حين
تحدثنا عن الزواج المدني، كانت هذه المسألة جزءا أساسيا يستلزم الحل، ربما ليست
الحالة عامة، لكن القيد نقيض للحرية، والحر وحده القادر، وحده الذي يملك الخيارات
الصحيحة، ولابد من سقوط مبررات التعذيب البشري، من خلال احترام هذا الحق، لأنه
بالتأكيد من حق المشاعر أن تنتفض لمن تريد، ويكون المعيار دفقة شعورية بشرية.

نحن في الألفية الثالثة، ومازلنا نصارع طواحين الهواء من أجل حق من أبسط حقوق
الإنسان، حق اختيار الشريك بمعيار إنساني وفقط إنساني.
لن أتناول المشكلة
بشقيها الاجتماعي والديني، ولن أتحدث عن أشكال الرفض في كل منهما، وطريقة إدارة
الصراع ضد الشاذين عن تلك القواعد،لأنني أبوح لكم بأسرار معلنة لأشخاص عانوا حقد
المجتمع حين قرر أن يتطاول على صمامات قلوبهم ، فلم يكن الغطاء الشرعي الذي تقدمه
أعتا المحاكم الشرعية قادرا على حمايتهم.
إن تمتع الإنسان هذا الكائن الأكثر
تطورا بملكية مطلقة للعواطف النبيلة، يعتبر بحد ذاته رسالة تتطلب أن نحارب قليلا
لنقرأها على الملأ، صحيح أنه ليس بإمكاننا وضع حلول أو إجابات لأن الموضوع أعقد من
شطحات التنظير البليد، فهو حالة معقدة متشابكة ، بين الموروث الديني والموروث
الاجتماعي لذلك لا يمكن أن تجد لها صدى في الوسط الشعبي، قبل أن يحدث انقلاب قيمي
يعتمد الإنسان معيارا من أجل النهوض الحضاري، فالتجاوزات مهما ازداد عددها ما هي
إلا حالات جرأة فردية ،تقابل يسخط عظيم، وردود أفعال لا يمكن توقعها، وليس في الأمر
مبالغة، هذا إن لم يكن أقل بكثير من الصورة الحقيقية، وصفحات الحوادث على دفاتر
الزمان الذي لم يتغير فينا سجلت جرائم قتل لفتيات خاضوا هذه التجربة على طول البلاد
وعرضها، ولكنها تسجل تحت عباءة الشرف الرفيع

.