عباقرة التأليف ( خطيب بدلة )

Posted on 26 مايو 2010 بواسطة



 

عباقرة التأليف

خطيب بدلة – البعث 25/5/2010

قبل
حوالي عقدين من الزمان، وبالتحديد حينما صدر قانون تقاعد الكتاب، أصبح بعض الناس
(الذين كانوا في السابق لا يشترون الكتابة والإبداع بنصف فرنك سوري مبخوش!) ينظرون
إلى أعضاء اتحاد الكتاب العرب بعين الغيرة، والحسد، وضيق العين، والعَذل.. هذا على
الرغم من وجود عبارة واضحة، وصريحة، مكتوبة ومعلقة على الحيطان في كل مكان له علاقة
بالإبداع، تقول: العين البصاصة تُبلى برصاصة!
إن هؤلاء الحاسدين، العاذلين،
المُغرضين- على الرغم من هذا التحذير البَصَّاصي الرصاصي- أناسٌ عنيدون، و(عينهم
ماكنة) لا يخترقُها الرصاص، ويتمتعون، في الوقت نفسه، بحس المبادرة الخلاقة، ولذلك
فقد توكلوا على حضرة الله تعالى، وحزموا أمورهم، وقرروا أن يصبحوا كتاباً مرموقين،
أو غير مرموقين.. يشار إليهم بالبنان، أو لا يشار إليهم بالبنان..
ثم إنهم
شرعوا ينتسبون، جماعات وفرادى، إلى اتحاد الكتاب العرب، دون صعوبات تُذكر..، بقصد
أن يكون لهم- بحسب القانون التقاعدي المذكور- بعد خمس عشرة سنة خدمة في الاتحاد،
راتبٌ تقاعديٌّ لا يتعارض مع أي راتب تقاعدي يتقاضونه من دوائرهم الحكومية التي
عملوا فيها، ولكي يقبضوا، خلال السنة الواحدة، خمسة عشر ألف ليرة سورية تعويض
طبابة.. وفي الوقت نفسه يقيمون أمسيات ومحاضرات يطرحون فيها أفكاراً لا هي من الطبل
ولا هي من الزميرة، ويقبضون أموالاً لقاء (إحيائهم) هذه الأمسيات.. صحيح أنها
قليلة، ولكنها نعمة الله، وعلى قولة المثل: بَحْصة تسند الجَرَّة!
وحينما توافي
أحدَهم المنيةُ، ويحط رأسه ويموت، تقبض عائلتُه المصونة مئتي ألف ليرة سورية تكفي
لشراء قبر على شارعين، تزرع أمامه وخلفه شجرتا سرو وعَفص،.. ولاستئجار سرادق العزاء
مدة ثلاثة أيام، مع ما يلزم من قهوة مرة ومياه مثلجة وسجائر حمراء طويلة.
وفي
اليوم الثالث.. يمكنهم أن يصنعوا كمية مبحبحة من الصفايح واللحم بعجين و(عش
البلبل)، مع مجموعة من البيدونات المملوءة بالعيران الرائب،.. مع بضع صوان من
الكنافة أم النارين، ونقود سائلة من فئة الخمسين ليرة توزع على المهابيل بعد رد
التراب على الأخ الطموح الذي استطاع أن يكون، بعرق جبينه، كاتباً، وعضواً في اتحاد
الكتاب العرب..
وأما المبدعون، و(لنسمهم: المبدعين الحقيقيين لأجل التمييز بين
الصنفين)، فليلعبوا، في تلك اللحظة، دورَ العواذل، مكرهين وغير مُخَيَّرين، ويعملوا
بنصيحة فريد الأطرش الذي طلب من العواذل بصريح أن يفلفلوا، أي أن تلذعهم الفليفلة
الحمراء في حلوقهم، مثلما تفعل في أفواه أهالي مدينة سلقين الجبلية (فتشلفط)
أفواههم، ومع ذلك فهم يحبونها، ويتناولونها طازجة في الصيف، ولئلا يبقوا طيلة
الشتاء من دون فليفلة فإنهم يضمونها في قلائد ويعلقونها على شرفات منازلهم، لأجل أن
تيبس وتتقدد.. حتى إن أحد المسؤولين، في قديم الزمان، زار مدينة سلقين، وقبل أن
يغادرها شكر الأهالي على الزينات والأعلام الحمراء التي علقوها على الشرفات من
أجله، وهو، المسكين، لا يعلم أنها قلائد فليفلة للمؤونة!

مناسبة هذا الحديث أن
أحد عباقرة التأليف الذين جذبهم قانون التقاعد قبل عقدين من الزمان، بعد أن ألف عدة
كتب في موضوعات ما أنزل الله بها من سلطان، خطر له أن يؤلف كتاباً عن الأدب الساخر
في سورية!..
وهو، في الحقيقة، لا يعرف من الأدب الساخر سوى بعض شذرات قرأها في
كتاب المستطرف للأبشيهي، أو كتاب الظرف والظرفاء لأب إسحاق الوشاء، أو في كتاب
أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي، وبعض أشعار ابن الرومي وأبي دلامة.. ويعتقد-
الله يسامحه- أن الأدب الساخر الحديث يكاد ينحصر في مسرحيات غوار الطوشة وهمام حوت.

ومع ذلك لم يقف صاحبُنا مكتوف اليدين تجاه جهله بالأدب الساخر، إذ سرعان ما
اتصل بصديق له يحرر إحدى الصفحات الأدبية في إحدى الصحف المحلية، وطلب منه أن يسعفه
بأسماء الكتاب الساخرين الموجودين في البلاد، وأن ينوب عنه في الاتصال بهم، والطلب
إلى كل واحد منهم على حدة بأن يوافيه بنسخة من كل كتاب ساخر أصدره، مع نسخة ورقية
من ملفه الشخصي (باعتبار أن حضرة الكاتب لا يتعاطى الكومبيوتر ولا الإنترنت ولا
الإميل!)، ولا بأس بأن يخط كل واحد من هؤلاء الكتاب الساخرين نبذة عن المرتكزات
التي يقوم عليها أسلوبه، والظروف والأحوال التي جعلت منه ساخراً.
بعد حوالي شهر
من هذا الاتصال، أعلمه صديقُه بأن بعض الكتاب الساخرين الذين اتصل بهم استجابوا
لندائه، وسوف يوافونه بما طلب على عنوانه البريدي.. ولكن معظم الكتاب الساخرين
المتميزين اعتذروا عن تلبية الطلب.
ضحك المؤلف العبقري في عبه وقال: ذنوبهم على
جنوبهم، نحن أحببنا أن نخدمهم، وهم رفسوا النعمة! على كل حال أنا سأطبع كتاب بما
سيتوفر لدي من مساهمات.. وكل شاة برجلها تناط.
قال له الزميل: ولكن كتابك سيكون
سيئاً، وناقصاً، بسبب غياب الأسماء البارزة عنه.
ضحك المؤلف ضحكة مجلجلة وقال:
ليكن. أنا محتاط للأمر.
قال: كيف؟
قال: سوف أطبع الكتاب، متى ما أنجز، في
اتحاد الكتاب العرب، وكتب الاتحاد- كما تعلم- لا يقرؤها أحد!