الصليب ينزل عن المسيح :قراءة نقدية في قصيدة “المسيح ” للشاعر العالمي منير مزيد

Posted on 30 أبريل 2010 بواسطة



الصليب
ينزل عن المسيح :قراءة نقدية في قصيدة “المسيح ” للشاعر العالمي منير مزيد

اليوم،
الساعة 04:43 مساءً‏

المسيح

منير مزيد

يصرخ: أنا المسيح

أحيا في الحب

و أتلوا عليكم قصائد الله …

أنا المسيح

أحمل الشمس في راحة يدي

و أطواق الياسمين

من حقي أن أحلم

و من حقكم ألا تؤمنوا….

أنا المسيح

في أذني

تهمس العصافير

في روحي

ينهمر المطر الأرجواني

في قلبي

تنمو أزهار السماء

و في شعري تسكن الروح

و الأحلام….

أتيت إليكم و معي صليبي

أشعاري

أتيت لأحرق قصور حقدكم

و أهدم معابد الشر …

انظروا ماذا صنعت أيديكم

الجائع يفتش عن كسرة خبز

بين الموائد

العاشق يفتش عن حبيبته

بين الحريم

و الشاعر يخبئ قصائده

عن مقص الرقيب …..

أنا المسيح

أنا الطريق و الحق و الحياة


من تعود إدمان القصيدة المزيدية و الكرع من نبع قيمها الإنسانية الفاخرة
والمرصعة بدرر الحب الصافي وتحريضه المتواصل على ممارسة حب الإنسانية فلن
تفاجئه قصيدة ” المسيح ” كثيرا لأنها تنبثق من رؤية شعرية تمتلك مشروعا
إبداعيا واضح المعالم وهي رؤية تسير بتبصر وتعي ما تقول وتقول ما تفعل
وتفعل ما تقول . وهي رؤية تسير في اتجاه تفكيك ” مركزية الطريق إلى الله ”
واعتبار أن التعددية هي واقع موضوعي كثيرا ما وقع تجاهله وليس مجرد ترف
فكري، من هنا نفهم قول الشاعر ” من حقي أن أحلم … ومن حقكم أن لا تؤمنوا ”
وكأنه يعلن من فوق محرابه الشعري أن المدخل إلى الله متعدد بتعدد الثقافات
والناس وكأن الشاعر العالمي منير مزيد قد وعى ذلك المبدأ الذي قال عنه توم
درايفر أن ” ربوبية الله تجعله أكثر تورطا في مسار الخلق وأكثر تاريخية
منا …فإذا كان هناك تاريخ خلاص في المسيحية فهناك أيضا تاريخ خلاص في
أمكنة أخرى تجعل الله أسماء متعددة وهويات مختلفة وتجعله يعمل في كل ثقافة
بطريقة مختلفة ” ولربما لهذا الأمر نسج الشاعر ترتيلته الشعرية عن “المسيح ”
ولكنه بدا المسيح هنا مضيئا بشرقيته لم يكن مسيحا بعيون زرقاء وبشرة بيضاء
بل مسيح بعيني الزيتون وسمرة شمس الشرق تفوح منه بخور الحضارة العربية
الشرقية المسلمة في مزج مذهل لعناصر ثقافية مختلفة،ويظهر حضور النزعة
الشرقية العربية الإسلامية في المقطع التالي ” وأتلو عليكم قصائد الله ”
فنحن نستخدم التلاوة في القرآن أما “الصليب” فهي عبارة مسيحية بامتياز .

هل نحن أمام اكتشاف كولومبي جديد ؟ وأمام ثورة لاهوتية ودينية جديدة على
غرار الثورة الكوبرنيكية؟ لكوننا من جهة أمام تصور شعري يقذف بنا في قلب
وجود ديني يشرع لتعددية دينية من جهة والتمازج الحبي بين الأديان، ومن جهة
ثانية يضعنا أمام جوهرية حقيقية للدين ” لكم دينكم وليا دين ” وعبر عنها
الشاعر بقوله ” من حقكم أن لا تؤمنوا ” وهذا فيه تأسيس لمبدأ الاختلاف وأن
جوهرية الدين الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا بوصفه دين الحرية والاختلاف لا
العبودية والتعصب .

صحيح أننا نعيش في قرن الكوارث السياسية الكبيرة والحروب المرعبة
والمؤامرات الدنيئة والتعصب الديني غير أن هذه النازلة التي حلت بالكوكبية
الإنسانية لم تمنع هذا الشاعر المهوس بفكرة الخلاص المطلق والحب المطلق من
أن يبحث من خلال فتنة كتابة الشعر عن طريقة تغوي بممارسة طقوس الحب والخير
وفضائل كلمات مسكونة بهاجس الحب للحب ، علّه يغسل طريق الآلام وينتزع
الأشواك والألغام المنتشرة في الفضاء الإنساني ويعبد للبشر طريقا تتنفس
حرية و تنبت ورود العودة لمعدن الإنسان الإلهي، ولسان حاله ربما يردد “ليت
للقصيدة سحر عصى موسى لتقلب ناموس الكون المشيد على أهرامات عذابات البشر ”
ليت الكلمات هنا تحرض على الحب بدل الكراهية. لذلك نفهم سر ابتداء القصيدة
بفعل المضارع ” يصرخ” واستخدام الفعل بطريقة البناء للمجهول يوحي لنا وكأن
ثمة قصة ستسرد أو رواية ستحكى وأن أحداث هذه الرواية تمتد في الماضي
والحاضر وربما المستقبل . وكأن بالشاعر ينبهنا بل يهز ضمائر الناس النائمة
علها تنتبه من غفوتها ومجونها الأبدي الذي انتهت إليه منذ السقطة الأولى
عبر فعل”الصراخ” فالصرخة هنا جرس كنسي وآذان صومعة ومنبه صوتي يختزن دلالة
المعناة الكبيرة. ذلك أننا عادة لا نصرخ إلا من شدة الألم أو لأن من
نخاطبهم مشغولون عنا وغارقون في متاهة الضياع بحيث ينتصب بيننا وبينه جدر
عدم الفهم لذلك يعلو صوت الشاعر “صراخا حيويا رمزيا روائية شعرية تكتب
رواية معاناتها دون رواية عبر نوافذ نصه الشعري يضفر الشاعر ضفائر قصيدته
من ذاكرة جسد إنسان هارب من مطاردة فولكلور المعاناة الممتد على مراحل
التاريخ الطفولي النزوي، و الذي لم يمل من قرع أجراسه النرسيسية المتخمة
بالأنانية وعبادة الذات مقابل سحق الأغيار.

ولأن الشاعر يحمل على كتفيه أعباء الحضارة الإنسانية وصوت ضميرها المعذب
فهو المسيح هنا ولذلك نجده عندما يبدأ سرد شعرية القصة يعود ليلتحم مع أناه
مجددا ليعلن صراحة “أنا المسيح ” وبما أنه المسيح فإنه يندفع في حركة
سريالية تسابق الزمان والمكان إلى ممارسة نبوءة الشعر عبر ” الصرخة ” صحيح
أن مفهوم الصرخة يقترن بفعل الولادة والولادة يصحبها مخاض عسير وتصبب عرق
الألم ولكنها على كل حال صرخة تعلن عن ولادة جديدة وانبعاث جديد ولكن
انبعاث ذلك الذي ينشئ الحضارة بثمن الألم المتواصل لذلك تعلو صدى كلمات هذه
القصيدة صراخا حادا يخترق جدر الصمت ويمزق عتمة المكبوت عساه يخفف آثار
الخطيئة الأصلية والخطيئة المستنسخة ولعل في بعض الصراخ تفريجا وربما لهذا
الأمر يصدح الشاعر صراخه احتجاجا على مبدأ افتداء اللذة والحياة واستبداله
بفعل الاستغراق في الموت .

هنا يصرخ الشاعر ألمه وآلام كل البشر الألم الجسدي والروحي و غفلة الناس عن
جرائمهم وهذا ما سيتوضح في المقطع الأخير من القصيدة حين يتوجه الشاعر
المسيح مخاطبا الإنسانية بفعل الأمر ” أنظروا ماذا صنعت أيديكم ” إننا أمام
محاكمة ومحكمة للضمير الإنساني الميت الذي بات لا يستحي من نهمه المفزع
لتجنيد” التناتوس ” أو غريزة الموت في خدمة مشاريع القوى المدمرة للحياة.
مفتونة أيما فتنة بلعبة غواية الهاوية . ولعل الدين هو تلك المنطقة الحرة
المفضلة لممارسة رهاب الانسانية بكل حرية ومشروعية وفيه تعشش خرافة أن طريق
الجنة معبد بالجثث ولسان حال شياطين الأرض ” أقتل لكي تكون ” وكلهم عطش
لسفك الدماء .

من هنا تنتشر كلمات القصيدة من خيال شاعر مسكون بصور فردوسية عن عالم متحرر
بدائي وبدئي مضاد لوضع بشري متلبس بالجريمة وهاهو يسرد عليهم أمام جزيرة
الآلهة ومحكمة الحب والرحمة والذكرى التي تنفع الشياطين قبل المؤمنين ليقول
صرخته التي تصرخ عذاب البشر ” الجائع يفتش عن كسرة خبز …والعاشق يفتش عن
حبيبته… والشاعر يخبئ قصائده عن مقص الرقيب ” وهل ثمة أعظم من هذه
الجرائم إنها الجريمة التي تعتدي على أبسط حقوق الإنسان.

فالخبز يرمز لغريزة البقاء أو الحياة عند الإنسان في بعدها الطبيعي الغريزي
المادي و”الحب ” يرمز لاستمرارية النسل البشري من جهة ولإرضاء حاجة
الإنسان للاجتماع روحيا بشبيهه وبأ غياره أيضا أما الرقابة على القصيدة فهي
ترمز إلى تدهور الحرية تلك القيمة التي دونها لا يكون الإنسان إنسانا .

فأي انحطاط وصلنا إليه أمام هذه المحاكمة الشعرية التي تكشف عورة البشرية
فهل من المعقول أن ندمر حريتنا وحقنا في الحياة والوجود ببلادة المجانين
ولا ننتبه ؟

صحيح أن حجم المعاناة كبير ولكن كعادة الشاعر البطل لا يرضخ إلا لفعل
الولادة العذرية بما هي فعل إرادي تجاوزي ينهال على أوثان العبودية
المنتشرة في حضارة الإعياء بكلمته الحرة وأشعاره الصافية صدقا أليس هو ”
المقيم في الحب ” ؟ “ويحيا في الحب ” كما يقول ومن هذا المنطلق هو قادم
بيسامينه ووروده ليعلم العالم فن الحب و يجتث عراءها القيمي وينتزع آثامها
ويعلمها كنبي متمرس فنون قطف الربيع والمحافظة على نضارة زهرة الحضارة
الإنسانية وهذا ما عبر عنه الشاعر منير مزيد في المقطع التالي “أتيت لأحرق
قصور حقدكم … وأهدم معابد الشر ”

عساه يشيد مكانها قصور الحب ومعابد الخير ويؤثث إستيطيقا الوجود بقصائد
الحب والجمال فينزل الصليب عن المسيح عندما تعود الإنسانية إلى رشد الحب
…وما أعسره من مطلب في ظل زمانية مشبعة بفوضى الكراهية ….
لعل هذه القصيدة كتبت للذين لم يولدوا بعد لعلها تخص الغد ……

الشاعرة التونسية سلمى بالحاج مبروك