أين أنت ..؟ للشاعرة خولة عبد الكريم

Posted on 22 أبريل 2010 بواسطة



 

أين أنت ..؟

وأظلُ تعذبني ملامح الآخرين

تعذبني بلغتي وحروفي، حين تَهمسُ بتفاصيلك …

فكيف أُسكتها أجبني..؟

وأنا من تنبُشها نبشاً بعند طفل مدلل أرعن،

فإن لم أجدها .. أوجدتُها رُغماً من حيث يشبهون أو لا يُشبهون ..!

ورسمتُها على الوجوه بماء العين

ثم أذيبها الحرف حرفي من ضوءِ النهار البكر لتقولك سُمرة ذهبية،

ومن صوت الضجة الممدد جسداً مارداً فوقَ مدن مُمردة..

ومن صخب النبض المجنون ..

وإذ بكل الشخوص/والملامح/ الأشياء تفاصيل حادة ..

تصطبغ حروفي وضوئي وجنوني وملامحك ..

ثم تسأل “أين أنت” !



وأتيه بين شظايا الوقتِ ..

هروباً مترعاً بزمنكَ، خلف كلمتين،

كل ما تملك يميني ويساري .. “أين أنت ؟” ..


كيف البراءة والذنب ..

أعتراف بأن جميع ما يُعايشني حياً أو جامداً/ميتاً في مدارج الروح أوالبصر

يختلس نبضاً مني بـ” أين أنت؟”..

ثم يتغشاني نبضاً طارقاً بـ “أين أنت” ؟

فمن البريء أو المذنب ومن الحي والميت .. لستُ أدري ..


ولازلتُ هنا.. ولا زلتَ كلَّ الأشياء ..

تناظرُ تلاشيَّ في رقصةِ الفقد نشوةً ..

وتَستعذبُ ألسُن احتراقي إذ تَهدر مختالةً موجعةً بـ”أين أنت؟” ..



وأكون صيداً سهلاً، بل سهلاً جداً

لا يُكلِف الزمن شيئاً كثيراً ليطرحني حزناً كل شطرٍ من نفس..

ثم ليصلب رايتهُ فوق أطلالِ من رماد ترفرف انتصارها بـ”أين أنت”!

فلا أجدني إلا عنوةً في لحظة الوقتِ الأخيرةِ .. تتنهدني زفرةٌ منتحرة ..

لأكون آخر أنفاسها بـ” أين أنت؟” ..



لا شيءَ يحويني في قارورة عشقٍ ..

لتتعطر بي الدروب القادمة من أعتاب أبواب لم أطرقها البتة ..

حيث لم أصلها !

إلا أنها لا بد تخصك حين تنهال تحمل ريحك لقارورتي فتتخم..!

وتتعطر بي منعطفات تُخبئُ حلم ضحكة متوارية لم تولد بعد ..

ولمعة دمعة فرحة لازالة قيد منعطف حلم..!

لا شيءَ يحويني في قاروةِ عشق..

ليتعطر بي المدى المفتوح آخر تلة تقع مرمى النظر ..

حيث تغفوا الشمس كل يوم حين تثمل ..

أقول لا شيءَ يحويني قارورة عشق

غير انتظارك بـ “أين أنت”!



لا شيئ يُعلقني على حواف قصيدة

تُغني هذياناً مفرط الجُنون غير صمتك..

وفي عينيك تغرد بلابل.. تقولُ كل شيء،

كل شيء فوق استطاعةِ إدراكي ..

فلا أعي أكثر من وعي طفلة تسمع حديث النجوم..

تلقي في روعها أن أحفظي كلمتي نجاةً/حياة…

فتحفظها كنقش على حجر “أين أنت” !



أنا لا أُطيع ما تُملي علي عيناك من حيث تَسكنني،

ولا أُطيع تشريعَ بلابلك النَغمَ الظالم، لا أطيع وأكفر ملء الروح،

أتمرد نعم … في حال كنتُ أعي لنفسي تماماً..

لكني دائما لا أحسب حساب سحرٍ باتر

متعلقٌ تميمةً عمرها لا أدري كم سنواتٍ .. من الشوق ..

أقوى مما جمعتُ لها من سرابيل

وأكثرُ جموحاً مما ينفثُ الفجر في صدر النهار العاري ضوءاً وحياة،

إذا فالحقيقةُ أني لا أملك إلا أن أخلع الوعي وأتركني لسحرٍ من لدنك ..

بـ “أين أنت” ..!




يا هذا قلبي محشوٌّ جرةَ خزف ..

هاجعةً قارةً في قعر بحر لجيٍ يأبى الغضب،

لا لِشيء..

إنما ليَتسعَ عرضَ العذابِ بهدوءٍ وأناة..

من دون أيّ فرصةً للبوح،

سوى هديرعلى مهل يَكظم كل اللغات،

فبين الصمت و الدوي إن تلظى القلب أو انطفى ..

لن يُطلقَ السندباد المارد من قمقمه ..

فلا سندبادَ أصلاً .. ولا شواطئ هناك ..!

البحر الآن أكثر هدوءً مما ينبغي ..

هو فقط يُرسل مداً جازِراً معه كل صوتٍ إلا هديراً يُتمم “أين أنت”!


ولا يطلق السندباد القلب ..

فلا سندباد أصلاً

ولا شواطئ..

والقلبُ في قلبِ جرة في قرارةِ بحرك المكين ..

لا ينشق بغير عصى تضربُ بـ “أين أنت”..!



لا تلمني

إذ أَفرغُ من الصوتِ والصمتِ وهناً..

حين يئنُ الوقتُ بالسؤال المستشري جسد عقارب الساعة مرضاً ..

أين أنت ؟



كيف أستلهمُ من النور العيش..

قل لي حباً بالله ؟

وهو إذا ما الفجر تَنفس زَفرها .. ” أين انت” !….



كيف مِن تَساقُط الفُصول من كَفيّ

يَظل خريفها وصوت الريح

إذ يَعبثُ لاهياً بورقةٍ صفراءَ تُشبهني ..

يُوشوشها بمكر “أين أنت” ..!



لا شيئ فيَ يا صاح..

غيرَ انهياراتٍ ثم وقفات صاعدة،

وبين هذا وذلك أترنح بك وأتعلق

حين تمدُ الدنيا كفها غيثاً بـ “أين أنت” !..


عقلي هنا متمرد من دوني، متلعثمٌ في فمِهِ تُراب،

تُربكهُ النظرات، تُربكهُ الهمسات،

ولست سوى فكرةً تقبعُ في الزاوية أقصى الوحدة،

تلوكُ ما يُمليه عليها دماغ مجنون

لا يَعرفُ شيئاً غيرهما /فكرتين/ ” أنا ” وأين أنت”..!

فذاك طعم ضياعٍ مُبهم،

فهل سمعتَ بفكرتين تشبكان الوجع خطوات

وتلقي كلاً منهما رأسها على كتفَ الأخرى شقوة..

ثم تمتدانِ سفراً دائم إلى ذاتِ النُقطةِ لا غيرها..

حيثُ “أين أنت”..!



ها أنا أتخلصُ من جميع انتصاراتي المزعومة

في كسر أداة السؤال ودالتها ،

وأبيعها للخسارة بسخاء مفرط،

وأعلن توبتي إذ تَسلَّقني العصيانُ ذاتَ ذهول بطيفك،

ها أنا أتوب إذ أوجهُ صمتي إلى مقلةِ الموتِ

سؤالاً حتى الموت .. فقط أين أنت ..؟




هل تعرفني الأرصفة؟

أ تسمع نبضي أم تجهل؟ .. لا أدري ..

كل ما أدريه أني لكل موضع قدم وطئه عليها بشر..

أفصحتُ عن دمعةٍ

من دون حتى أن تسألني مربعات الرصيف الملونةِ ” أين انت” ..!




والساعة تجري لا ترحم ..

محضُ شرود أنا.. يفسره إذ يفسره هذيان بك ..

كشوكة في حلقي أنا ..

كحياةٍ صماءَ .. خُلقت للتو .. وعاشت للتو ..

وماتت لحظة نَطقت في وجهها أولَ أشعة ضوء “أين أنت” ..



الحروف يا صديقي تتبعثر ..

وتتشاقى وتغيظني جداً،

إذ تعرف ما بي ..

وتأبى أن تقولَ غير ما لا أريد أن أسمع .. “أين أنت” ..!



وجع وجع ..

والضلوع تذوب، وأنا أجمعُ النجوم كل ليلة أمضغها ولا أشبع،

وأعجن ماهية الليل في معيني،

أخمرهُ بالصبر الذي ما انفك يسأل .. “أين أنت” ..!




تدري ..!

كم جميلة .. وتواسيني بذكرك، كم جميلة وأتلها بها عني..

كم جميلة ونتجادل روايات وحكايا طويلة كخيط دمعٍ لا ينتهي..

أنا وهي ” أين أنت “… !


ها أنت والفراغ ماثل هناك حيث يتسلى بقتلي

حين سُخفاً أحاول أن أملأه

فلا أجد فسحة غير تجأر”أين أنت” .. !


كل الأشياء يا صديق تُضمر صوتها وتبتلعُ الكلام عني..

وأنا أسمعها نفسَ الصدى

أضمرهُ معنىً مرتلاً أوحد ولا أغنيه إلا لك ..بـ “أينَ أنت” ..!



(أين أنت) .. لو تعرف كم هي رحيمة ..

إذ تومي لي بحنوٍ كثير أن ثمة مكان/ زمان يحتويك .. في هذا الكون ..


ولأنها لا تعرفُ أبداً بأن لا مكان ولا زمان يحتويك .. !


لذا

سأكون رحيمةً مثلها ..

ولا أفجعها بأنك لستَ في المتنِ هنا ولا في الحاشية ..

فلا نص لك أصلاً ولا عنوان !


فأين أنت