الخوف

Posted on 30 مارس 2010 بواسطة



لماذا نخاف وكيف؟ –
د. طه النعمة

لماذا نخاف وكيف؟ - د. طه 
النعمة

 

"لدى الناس فسحة زمنية أمدها ست ساعات يمكن أثناءها
"محو" ذكرياتهم المخيفة". هذه الجملة التي تشير إلى بحث نشر مؤخراً في مجلة
"نيجر" تصدرت في منتصف كانون الأول الماضي نشرات أخبار وسائل الإعلام على
ضفتي الأطلسي. ولكن، دون الخوض في تفاصيل الخبر هنا، ما هو الخوف ابتداء؟
وهل نحن بحاجة إلى محو ذكرياتنا المخيفة حقاً؟

الخوف انفعال أولى نخبره أثناء التعرض لخطر واقعي داهم
أو متوقع، والانفعالات الأولية هي الانفعالات الجِبِلّية التي يمتلكها كل
وليد بشري في مقابل الانفعالات الثانوية التي يكتسبها المرء أثناء نمائه من
بيئته. ويتفق كل من روبرت بلوتشك وبول إيكمان، وهما من أبرز دارسي
الانفعالات، على أن الأولية منها هي انفعالات الخوف والغضب والسرور والحزن
والاشمئزاز والدهشة.

الانفعالات ظاهرة قبل- لفظية، أي أنها توجد فينا قبل
تعلمنا الكلام والقدرة على تثمين مشاعرنا والتعبير عنها لفظياً، لذلك فإن
اللفظ قد يلحق بالظاهرة الانفعالية ويستوعبها وقد لا يستطيع، من هنا جاءت،
ضمن أمور أخرى، صعوبة تعريف الانفعالات والمشاعر. كما أن الانفعال صفة
مصاحبة للدافع الأولي (الغريزي) وليس دافعاً بحد ذاته. فالعدوان، مثلاً،
يثير انفعالات من قبيل الغضب والخوف والحسد ونشوة الانتصار على غريم. بينما
يثير الجنس انفعالات من قبيل الافتتان والهيام والغيرة.

لذا يتردد في مجال الانفعالات عدد من التسميات توجب
إعطاء تصور عما سيكون المقصود بكلٍ منها في حديثنا هذا، مع إقرارنا بأن هذه
التصورات، كما هي حال مناقشة الانفعالات عموماً، قد لا تحظى بموافقة
جمعية:

وجدان Affect: هو الجانب الشعوري
الذاتي أو الاستنباطي لحياتنا الانفعالية. وهو الحالة الوجدانية طويلة
الأمد والتي تتصف بقدر من الاستقرار.

كيْف mood: حالة انفعالية قصيرة
الأمد متغيرة ومرتبطة بسياقات ذاتية وعلائقية وظرفية نوعية وخاصة.

مشاعرfeelings: وهي التمثيلات
المعرفية الموعى بها لمحتويات الوجدان والتي يخبرها الفرد في اللحظة
الراهنة. وهي تخص حالة الشخص الذي، عندما يشعر بالشيء، فإنه يلمسه، يتفحصه،
يتذوقه، يمسك به… الخ، بالمعنى المجازي التجريدي وليس الحسي العياني، لذا
فهي بهذا المعنى شكل من أشكال الوعي.

 

 

وظيفة الانفعال

لأي غرض وُجد الكيْف؟ سؤال طرحه راندولف نسّه، المحلل
النفسي ذو التوجهات الإيثولوجية النشوئية، مستطرداً، ما هي الميزة النشوئية
التي مكنت الإنسان من امتلاك شيء مثل الكيف؟ ويقترح نسّه، جواباً عن
سؤاله، وظيفتين للكيف، واستطراداً الانفعال، الأولى: اتصالية؛ مثل إيصال
رسالة تعبر عن الحاجة إلى المساعدة، أو لإيضاح مكانة الفرد في التراتب
الاجتماعي ضمن الجماعة. والثانية، تكيفية؛ وذلك لتحفيز الاستثمار في مجهود
معين، وأيضاً في اختيار توقيت ومكان ذلك الجهد المستثمر. فالكيف العالي
(الانبساطي)، في سبيل المثال، إعلان للغلبة والسيطرة، والكيف الواطئ
(الانسحابي) إعلان للإذعان. والكيف بهذا السياق يساهم في تجنب صراع ليس من
شأنه سوى إلحاق الضرر بالأطراف المتصارعة، وضبط توقيت استثمار الجهد. إذ
عندما لا يكون للاستثمار عائد أو جدوى من المناسب الامتناع عن الاستثمار
وادخار الموارد إلى وقت آخر أكثر ملائمة.

المتغير المحيطي الذي من المرجح أن ينظّم الكيف، بحسب
نسّه، هو استشعار الحالة الملائمة في الظرف الراهن، في مثل هذه الحالة
استثمار بسيط يمكن أن تكون له عوائد كبيرة. في الحالة غير الملائمة فإن
الاستثمار مهما كبر سيكون استثماراً ضائعاً. واستناداً إلى ذلك فإن
الانفعالات توجه السلوك المستقبلي للكائن الحي، إذ إن الانفعالات الإيجابية
تعزز السلوك الذي سبقها، بينما تعاقب الانفعالات السلبية ذلك السلوك وبذا
تمنع تكراره أو على الأقل تحد منه في المستقبل. والتعبير الظاهر للانفعالات
بمقدوره أداء دور الكاشف الموثوق به من قبل الآخرين للكيفية التي يرجح أن
يسلكها الفرد، تحت ظروف مشابهة، في المستقبل. ووجود استجابة تلقائية لخبرات
ذاتية داخلية بإمكان الآخرين ملاحظتها، لا بد أن يشير إلى أن هذه
الاستجابة تؤدي وظيفة اتصالية.

لذا فإن للانفعال مظهرين أحدهما نفسي والآخر فسلجي،
فضلاً على أن الانفعالات هي آليات اتصالية بين الرضيع والأم في إطار
الأسرة، وبين أفراد الجماعة في الإطار الاجتماعي الأوسع. وتخدم الانفعالات
أغراضاً تكيفية للكائن الحي، فهي موجهة نحو الخارج لإشعار الآخرين بنواياه،
ونحو الداخل لتهيئة الجسم لفعل ما.

 

البنية الإحيائية لانفعال الخوف

تُشْغل استجابة الخوف مسارين عصبونين مرتبين على
التوالي وكذلك جزئياً على التوازي. ومبدأ وجود مسارين يساعد ليس على تفسير
كيف نستجيب للخطر بسرعة فائقة فحسب، ولكن أيضاً يفسر كيف يكون باستطاعة
أشخاص لديهم بعض أنواع فقدان الذاكرة الاستجابة للأخطار الداهمة رغم
افتقارهم للذاكرة الملائمة لتعرف تلك الأخطار. وهذا الأمر يمكن أن يصبح
أوضح إذا ما ألقينا نظرة على عمل البنى الدماغية ذات العلاقة بالمسارين
المذكورين.

المسار الأول يمارس تأثيرة من خلال العمليات الاستثارية
الأساس؛ وهي العمليات الخاصة بوضع الجهاز النفسي – ومن ثم الفرد بأكمله –
في حالة من الاستثارية المتفاوتة الشدة، المهيئة للفعل، وغير النوعية من
الناحية الكيفية، مشكلة بذلك الأرضية الخلفية التي تنشط على إيقاعها سائر
العمليات الأخرى. وتعمل هذه الفعالية بطريقة التشغيل وإيقاف التشغيل (on off). وهي غير
نوعية بمعنى أن الاستثارة تأخذ نمطاً واحداً وتجري على وتيرة نوعية واحدة،
بغض النظر عن طبيعة المثيرات، إلا أنها متفاوتة في الدرجة أو الشدة.

المركز الأساس للعمليات الاستثارية هو التكوين الشبكي
أو اللب الشبكي وتوصيلاته التي تأخذ نمطاً انتشارياً صاعداً- بمساعدة
المهاد – إلى أجزاء الدماغ كافة، وهو يتموضع في جذع الدماغ (الجزء الموصل
بين كتلة الدماغ الرئيسة والحبل الشوكي) لذا فهو يستلم المثيرات القادمة
قبل أجزاء الدماغ الأخرى. وتكمن أهميته من الناحية النفسية في قيامه
بالتحكم في مستوى أو درجة الاستثارة والانتباه والنوم، ومن الناحية
البقائية في أدائه لدور (الناطور) الذي يطلق صافرة التحذير في الكائن لحظة
الخطر لتأمين رد فعل سريع، وإعلان ما يشبه حالة الإنذار داخل الكائن الحي
وتهيئته للقتال أو الهرب بالتوفيق مع الجهاز العصبي المستقل وعمل الأجهزة
الحشوية المختلفة: " الغدد الصماء، الجهاز الحركي، جهاز الدوران، جهاز
التنفس.. الخ"، كيما يستطيع الكائن تقديم أفضل أداء ممكن إن قرر الهرب أو
المواجهة. وهذا المسار ينتج غالباً المظاهر الفسلجية لانفعال الخوف.

وتستطيع القشرة الدماغية الحديثة في الأحوال الطبيعية
كفّ أو إلغاء الاستثارة الشبكية، بواسطة مسارات عصبونية قشرية – شبكية
كافّة، إذا ما أوضح التثمين أو التقييم القشري أن حالة الإنذار لا ضرورة
لها. ولكن لماذا وجد التقييم القشري؟ لماذا لا نتخذ إجراءً في كل مرة
تستثار الحالة الإنذارية فيها؟ لأن التقييم القشري بمقدوره تقدير إذا ما
كانت الحالة تقتضي اتخاذ إجراء ما أم أن الحالة مجرد إنذار كاذب فتقوم
بإطفائه. إن ذلك من شأنه حفظ الطاقة ومنع إهدارها؛ وبذا فإن إجراء – مثل
الهرب – لا يُتخذ إلا إذا كان ضرورياً. وقد ساهمت هذه المنظومة في بقاء
الجنس البشري ونجاحه عندما كان يعيش في بيئته النشوئية أي البرية. ولكن،
إذا لم تكن تلك المسارات تعمل بصورة منتظمة أو عندما تفشل القشرة الدماغية
(بعد التقييم) في إطفاء تلك الاستثارة من جهة، ولكونها منظومة بدائية ليس
بمقدورها التمييز بين الأخطار القادمة من الماضي أو الكامنة في المستقبل أو
حتى تلك غير الموعى بها من الجهة الأخرى، كما يحدث أحياناً، فإن ذلك يمكن
أن يؤدي لاحقاً إلى شعور مستدام بالاستثارة الحشوية والجسمية، وأعراض مثل
تلك المصاحبة لنوبات الهلع.

 

أما المسار الثاني فيتمثل في:

1. النسق الحافي (limbic system)
وتوصيلاته المختلفة مع أجزاء الدماغ الأخرى، وهذا النسق يقع في مركز
الدماغ ويتخذ شكل حرف
C اللاتيني. وهو معني
بالمهام الخاصة بالتكيف الإحيائي أو، بمعنى آخر، البقاء. لذا فهو مكان
(موقع) الغرائز أو الدوافع الأولية الخام وفيه تستثار الخبرة الانفعالية
الأولية. وتؤلف مكونات الجهاز الحافي ما يشبه الحلقة المغلقة. وأول من
وصفها بابتز وأُطلق عليها تسمية الحلقة الانفعالية لبابتز. ولهذه الحلقة
صفتان بارزتان؛ الأولى تتمثل في استطالة المدة التي تستمر فيها الاستثارة
بعد زوال المثير، وهذا ما يجعل الاستجابة الانفعالية تستمر لمدة أطول بكثير
من المدة التي يستغرقها المثير، والثانية أنها لا تشغل أو يوقف تشغيلها
بواسطة التقويم القشري، لسبب بسيط هو عدم وجود مسارات قشرية- حافيّة كافّة
أي أن القشرة الدماغية لا تتحكم فيها، بخلاف العلاقة بين التقويم القشري
والتناشط الشبكي التي سبقت الإشارة إليها.

وهاتان الصفتان؛ الاستطالة الزمنية وامتناع الكف
القشري، مهمتان بقائياً واتصالياً؛ بقائياً لأننا يجب أن نبقى، في سبيل
المثال، خائفين حذرين لمدة تكفي حتى يزول الخطر ونصبح في مأمن منه، أما
اتصالياً فإن الانفعال يجب أن يستمر لمدة كافية كيما يصبح الآخرون
المستهدفون بانفعالنا قادرين على تبينه في قسمات وجوهنا وتموضع أجسامنا
سواء أكان خوفاً أم غضباً أم هياماً.

يعد كل من اللوزة والهيبوكامبس من أهم مكونات النسق
الحافي قدر تعلق الأمر بالانفعالات؛ إذ تقوم اللوزة بتجهيز الغرائز
والانفعالات الأساسية الخام المرتبطة بها، ومنها الخوف. بينما يؤلف
الهيبوكامبوس مع الجسم اللبني، أحد الأجزاء الهامة لمنظومة الذاكرة، ويؤدي
دوراً هاماً في النشاط الذاكري والتعلم، وهما وظيفتان تكيفيتان كما لا
يخفى، وتقوم اللوزة بإخبار الهيبوكامبوس بما الذي يتعين استبقاؤه وخزنه،
آثاراً ذاكريةً مهمةً للبقاء، بما في ذلك مصادر الخطر المخيفة، وما الذي لا
يستحق سوى الإهمال.

2. يؤدي تحت المهاد دوراً مهماً في التعبير عن
الانفعالات من خلال تأثيرة القوي، الآني والبعيد الأمد، في نشاط الغدة
النخامية والتي تقوم، إضافة إلى دورها المباشر عن طريق هرموناتها الخاصة،
بقيادة وتنظيم باقي الغدد الصم. وتأثيره غير المباشر في عمل نوى بعض
الأعصاب القحفية وبعض المخرجات الشبكية والأتونومية. كما ينظم تحت المهاد
بالتنسيق مع النسق الحافي من جهة والغدد الصم من الجهة الأخرى، الوظائف ذات
العلاقة بالبقاء، مثل الشهية للطعام والشراب والجنس والعدوان، وكذلك
الاستجابة للخوف والغضب والاشمئزاز، فضلاً عن تنظيم النوم ودرجة حرارة
الجسم.

3. الفص أمام – الجبهي (prefrontal lobe): هو ذلك الجزء من القشرة الدماغية الذي يقع فوق
محجر العينين والمسؤول عن عمليات معرفية عديدة منها مراقبة الذات وإخضاع
العمليات النفسية للمعايير المنطقية والاجتماعية. وقد بينت البحوث الحديثة
أن هذه المنطقة الدماغية تؤدي دور "الرقيب" على الدوافع والرغبات
والانفعالات أو الكابح لها، بعد تقويم الاستثارتين الشبكية والانفعالية
وتثمينهما وإعطاء مغزاهما المعرفي، من خلال تواصلها مع أجزاء الدماغ التي
تولدها مثل التكوين الشبكي واللوزة، وذلك بتفعيل أو تعطيل الاستجابة
الحركية للبعض منها، كما سبقت الإشارة، ومنع بعضها الآخر من بلوغ الوعي أو
الشعور (كبت؟).

ويؤدي المحور المؤلف من النسق الحافي وتحت المهاد والفص
أمام ـ جبهي دوراً كبير الأهمية في الاستجابة للكروب stresses الناجمة عن الرضّ النفسي والتكيف أو عدم التكيف
لها.

 

 

الخوف وتداعياته

قسمات الخوف البادية على الوجه هي عادة العلامات
الانفعالية الأولى التي نلاحظها في الآخرين. وأبرز تلك القسمات تتمثل في
عينين متسعتين وحاجبين مرفوعين وشفتين مسحوبتين إلى الخلف باتجاه الأذنين.
وهذه القسمات عامة في بني البشر على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم لذا تسهل
قراءتها عليهم جميعاً. أما الهدف الذي تحققه مثل هذه القسمات وغيرها، مثل
شحوب الوجه أو تورده، المرافقة للانفعالات فهو، كما سبقت الإشارة، هدف
اتصالي، أي إبلاغ الآخرين بما نشعر للحصول على مساعدتهم أو لتحذيرهم من
الأخطار أو للتقرب منهم وما شابه.

الخوف المعقول ليس أمراً مقبولاً فحسب بل هو ضروري، إذ
إنه يساعدنا على البقاء سالمين بواسطة تمكيننا من تلمس الخطر في الوقت
المناسب لاتخاذ الاستجابة الملائمة له. ولكن الخوف يمكن أن يتفاقم ويخرج عن
السيطرة إلى درجة يمكن أن نصبح معها عاجزين عن مواصلة أنشطتنا الحياتية
الاعتيادية.

وفضلاً عن الخوف المبالغ به أو الخارج عن السيطرة، فإن
الخوف الخفي يمكن أن يتخذ في حياة الأفراد وسلوكهم صوراً شتّى؛ كما هو حال
الذين لم يحصلوا على ما يظنون كفايتهم من الحب والاهتمام فيقومون بتخريب
علاقاتهم الحميمة خوف تكرار خيبات الأمل، والذين لا يستطيعون طلب الحب من
الأشخاص موضع حبهم واهتمامهم خوف الألم الذي يسببه عدم حصولهم سوى على
الإهمال أو النبذ، والذين اعتادوا الظهور بمظهر الصلابة والقوة المبالغ
بهما، كي لا يلحظ الآخرون أي ملمح لضعفهم، يخافون ظهور أية علامة تدل على
ذلك الضعف في سلوكهم، والذين اعتادوا الخوف من غضبهم لاعتقادهم بأنه يمكن
أن ينفجر مدمراً فيلجؤون إلى تبريرات معقلنة لتفادى الغضب حتى في المواقف
التي يكون فيها الغضب ضرورياً وصحياً. لذا فإن التعقيدات أو المشكلات التي
مر المرء بها على امتداد حياته ولم تجرِ تسويتها يمكن أن تسبب مخاوف خفية
معوقة أو غير واقعية أو مبالغ بها أو ما يطلق عليها اضطرابات القلق ومنها
اضطراب القلق العام والرهاب.

واضطرابات القلق بأنواعها تمد جذورها في أرضية الخوف،
وهي من الاضطرابات الشائعة في كافة الأعمار من كلا الجنسين، ويعتقد أن 18%
من الناس يعانون من أحد أنواع القلق. وأهم أعراض القلق العام تتمثل في خوف
مستدام من مصدر يجهله الشخص نفسه مع تطيّر وتوقع الأسوأ في كل لحظة. أو خوف
مبالغ به كثيراً من أمور معروفة للشخص تؤدي به إلى بذل جهود مضنية في
تجنبها حتى لو أدى ذلك إلى التأثير سلباً على أنشطته اليومية الاعتيادية،
وهذا النوع من الخوف يسمى رهاباً (فوبيا). ومن الرهابات الشائعة الرهاب
الاجتماعي، وأهم مظاهره هي أن الشخص ينتابه شعور بالتطيّر ورفرفة أو فراغ
في المعدة والخفقان والتعرق قبيل التحدث أمام جمهرة أو الشعور بالرهبة
الشديدة عند دخول غرفة مليئة بالغرباء. وعلى الرغم من أن التقدم نحو منصة
الكلام، في سبيل المثال، قد لا يبدو وكأنك مراقب من قبل مجموعة متربصة من
الأعداء حاملي الهراوات والموشكين على سحق جمجمتك بعد أن خرقت خطأً حرمة
حوزهم ولكن الاستجابة النفسية والجسمية هي واحدة في الحالتين مع فارق ربما
في الدرجة، وجذور هذا النوع من الخوف لها علاقة بالطبيعة البشرية، إذ أن
التخوف من الغرباء لدينا سابق على الثقة بهم، نحن عموماً نتخذ موقف التخوف
ابتداء من الغريب وعليه تقع مسؤولية تخفيف موقفنا ذاك ومن ثم كسب ثقتنا،
وهذا موقف منطقي من وجهة نظر بقائية، لذا فإن خشية الغرباء والحذر منهم،
بحسب بعض الباحثين، مبرمجة في جيناتنا. ولكنها تأخذ نمطاً مبالغاً به عند
بعض الأشخاص، بعض هذه المشاعر والأحاسيس تبلغ حداً يدفع المرء إلى التهرب
من تلك المواقف – حضور الاجتماعات ومجالس التعزية، في سبيل المثال – أو
تجنبها تماماً، والشعور بالرعب لمجرد التفكير فيها أحياناً، وما يزيد من
صعوبة موقف الشخص أنه يجهل تماماً سبب كل ذلك.

كثير من الخوف يُكتسب في مرحلة الطفولة، لا شك أن
المحافظة على سلامة الطفل تستدعي تعلمه الخوف من الأخطار التي تعرض تلك
السلامة للخطر، ولكن يجب على البالغين، خصوصاً الوالدين، حماية الأطفال من
اكتساب مخاوف غير ضرورية من شأنها أن تؤلف عبئاً يعيق نماءهم النفسي
السليم. وأيضاً مساعدة الأطفال في تجاوز مخاوفهم أو على الأقل تخفيف وقعها
عليهم، وفيما يلي بعض التلميحات بهذا الخصوص:

– تجنب المبالغة في ردود الأفعال تجاه مخاوفك الخاصة
قدر المستطاع لأن الطفل ينشئ استجابة خائفة متفاقمة بواسطة ملاحظة استجابات
الوالدين، بشكل خاص، لمخاوفهم.

– عدم التقليل من شأن الطفل بسبب مخاوفه أو توبيخه أو
إطلاق الكنى غير المناسبة بسببها، وعلينا تذكّر أن هذه المخاوف حقيقية
تماماً وجدية جداً بالنسبة له.

– تحدث مع الطفل بهدوء وتفهم حول مخاوفه في حالات
المخاوف التي لا أساس معقول لها وحاول مساعدة الطفل على تفهم أن هذه
المخاوف رغم جديتها لا أساس لها.

– لا تجبر الطفل على الدخول في مواجهة مع مخاوفه.

– شجع الطفل على التعامل مع مخاوفه بخطوات متدرجة
متصاعدة مع الوقت في أجواء مطمئنة مع زيادة التعرض التدريجي (الخوف من
الماء، مثلاً، في أول مرة يغطّس فيها في حوض السباحة).

– لا تشجع الطفل على تجنب ما يخيفه، إذ إن السماح للطفل
بالتجنب التام للأمور التي تخيفه من شأنه أن يديم تلك المخاوف أو أن
يجعلها أسوأ.

– عندما يبدأ الطفل بإظهار قدرة على فهم الأفكار
المجردة يفضل التحدث معه عن أن كل إنسان يمكن أن يخاف في بعض المواقف التي
تستدعي الخوف، كي لا يتولد لديه تصور بأنه الشخص الوحيد الذي يخاف.

نحن كثيراً ما نقوم بإنكار مخاوفنا والتحول تلقائياً
للاختباء خلف الغضب أو الإدمان أو التجنب أو الانسحاب والانكفاء أو خلف أية
سواتر متاحة أخرى. ما هي إذن الطريقة الملائمة للتعامل مع مخاوفنا؟ غالباً
ما تكمن الخطوة الأولى في تعرف الخوف على ما هو عليه؛ أي تعرف الخوف خوفاً
والاعتراف به. من هنا تبدأ عملية التغيير إذ يصبح بمقدور المرء تفحص
مخاوفه بصورة أكثر عقلانية والنظر فيما إذا كان هناك ما يستدعي الخوف حقاً،
وبذا ربما يكون بالإمكان الاستعاضة عن خبرة الخوف بشيء آخر بدلاً من بقاء
المرء حبيس خوفه، الذي يمكن غالباً التعاطي معه عندما يصبح في مجال وعينا.
إن لم نستطع التخلص منه رغم ذلك، عندها قد تمسّ الحاجة إلى عون احترافي
لاستكشاف وتفحص الرضوض النفسية التي ساهمت في تثبيته.

 

هوامش:

يمكن تشبيه الاستثارة الانفعالية بكرة لعبة الروليت،
عندما تطلق ليس بمقدور أحد (بحسب قواعد اللعبة) إيقافها ما لم تتوقف ذاتياً
نتيجة قصورها الذاتي.

 

المصدر : الباحثون 33 آذار