استانبول عاصمة الدنيا قبسات من السيرة الذاتية للدكتور أحمد السيد أحمد2

Posted on 23 مارس 2010 بواسطة



استانبول عاصمة الدنيا ..قبسات من السيرة الذاتية للدكتور أحمد السيد أحمد 2 مع الصورفي العام 2007 في شهر حزيران

دعينا لرحلة جماعية خارج البلاد( و باستخدام النقل البري وسيلة للسفر ) من قبل أحد الأصدقاء الأطباء من محبي السفر و قد أختاروا تركيا الجارة وجهة لرحلتنا( كنا حوالي الأربعين من أطباء و مهندسين و معلمين و مهن مختلفة و عائلاتهم )
كان مسار الرحلة يبدأ من معبر باب الهوى  الدولي  الذي يبعد عن مدينتي نصف ساعة شمالا الى مدينة انطاكية (أقمنا ليلة في مصيف  الحربيات)   مخترقين جبال طوروس و صحارى الأناضول مرورا بمدن أضنة و مرورا بأنقرة وصولا الى مدينة استانبول (ثلاث ليال) وبالعبارة الى يالاوا و مدينة بورصة( ليلة) ومنها الى مدينة أفيون و كوتاهية  و من ثم الى محافظة دنيزي ( هتيروبوليس ) ليلة  الجبل الثلجي و النبع الأحمر و منها الى مدينة أنتاليا(ليلتان)  و الى مدينة ألانيا( ليلة )  و من ثم الى مدينة مرسين (ليلتان )  وعبر الطريق البحري عدنا للوطن   مرورا بأضنة
ثم الى مدينة أسكندرون و منها الى انطاكية ثم الى مدينتنا
جهزنا مستلزمات الرحلة البرية من ثياب رياضية و مياه معدنية و مأكولات خفيفةو مكسرات و حلويات و القهوة العربية
لتكون زاد الرحلة الطويلة التي أمتدت اثني عشر يوما و أحد عشر ليلة اقامة في سبع مدن تركية
انطلقنا عصرا الى المعبر الحدودي باب الهوى و بعد القيام باجراءات الدخول و التي استهلكت ساعات لاسباب لا مجال لذكرها لأنها حلت الآن و أصبح الانتقال من سورية الى تركيا وبالعكس  سهل جدا و ميسر
بسبب تلك الاجراءات قرر منظم الزيارة البقاء لليلة في مدينة انطاكية الشهيرة وهي مدينة ذكرت في القرآن الكريم و كانت ثغرا عربيا مهما( و هي مركز الكرسي الرسولي لجميع الطوائف المسيحية المشرقية ) و التي تبعد عن مدينتي سلقين 25 كم
ملف:Antakya16.jpg

( انطاكية لمحة تاريخية )
أنطاكيا (باليونانية Αντιόχεια، بالتركية Antakya، بالإنجليزية Antioch) مدينة تاريخية تقع على الضفة اليسرى على نهر العاصي على بعد 30 كم من شاطئ البحر المتوسط. تتبع لواء إسكندرون السوري سابقا (حاليا هاتاي) في تركيا منذ 1939 م كانت تابعة ل سورية. حيث يعتبر اللواء جغرافيا امتدادا طبيعيا لبلاد الشام.
في سنة 323 ق.م مات الإسكندر المقدوني، وقام كبار ضباطه بالاتفاق على اقتسام إمبراطورية الإسكندر فيما بينهم، فأخذ بطليموس مصر وفلسطين، وأخذ أنتيغون مقدونيا القديمة وآسيا الصغرى، بينما أخذ سلوقس الأول نيكاتور سوريا وبابل وفارس.

قام أنتيغون بإنشاء مدينة الإسكندرونة عند مصب نهر العاصي في سوريا سنة 317 ق.م، بعد ذلك استولى سلقوس نيكاتور على هذه المدينة سنة 301 م وأقام مكانها مدينة سماها أنطاكية على اسم أبيه أنطيوخوس، وعلى نفس المنوال أنشأ مدينة أخرى أطلق عليها اسم والدته لاثوديسيا (اللاذقية)، ثم أنشأ مدينة أفاميا باسم زوجتة على مسافة من اللاذقية إلى الداخل في سوريا.

أحب سلقوس مدينة أنطاكية فأمر بأن ينقل إليها كل ماله قيمة من أنقاض مدينة أنتغونا المهدمة، ومنح سكان المنطقة حقوق مساوية لليونانيين ليشجعهم على الانتقال إليها، فعاشت المدينة سنين ازدهار طويلة حتى صارت درة الممالك السلوقية وعاصمتها من البحر المتوسط إلى حدود الهند. لاحقًا عانى الأنطاكيين من حكم السلوقيين مما دفعهم إلى تسليم المدينة لتكران ملك الأرمن سنة 83 ق.م، ولكن مالبث الروم أن فرضوا سيطرتهم عليها سنة 64 ق.م وهكذا أصبحت سوريا تحت حكم جمهورية روما.

تعرضت المدينة لزلزال مدمر سنة 526 م، ولموقعها الهام وأهميتها الإستراتيجية الكبيرة احتلها الفرس سنة 540 م، ثم دخلها المسلمون سنة 637 م، ولكن الإمبراطور نيكيفوروس الثاني فوكاس عاد فسيطر عليها، وفي عام 1085 م وقعت بيد السلاجقة، وأثناء الحملات الصليبية على سوريا دخلها الفرنجة عام 1096 م بعد أن حاصرها بوهيموند، ليصبح أول حاكم صليبي لها مكونا إمارة أنطاكية وهي أول إمارة صليبية.

ملف:Prise antioche croisés.jpg

وبقيت المدينة في يد الصليبيين في الفترة الواقعة بين القرنين الثاني والثالث عشر حتى قيام الظاهر بيبرس السلطان المملوكي بتحريرها منهم سنة 1268 م، وفقدت المدينة دورها الريادي السابق عقب حملة تيمورلنك على الشام فتضررت كثيرا بسبب هجمات المغول وذلك سنة 1401 م، بعد ذلك استولى عليها الأتراك العثمانيين سنة 1516م، تمكن محمد على والي مصر من بلوغها عندما سيطر على ولاية الشام واستمر سلطانه عليها بين 1830م و1840م. ضرب المدينة زلزال أخر سنة 1872م.

بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى عادت أنطاكية إلى سوريا ليحكمها السوريين بعد أن خرج الحكم العثماني التركي عن العالم العربي، ولكن الحكومة الفرنسية التي كانت منتدبة على سوريا بين 1920 م و1946 م تخلت عن منطقة لواء الإسكندرون لتركيا ومن ضمنها مدينة أنطاكية سنة 1939 م، وذلك تحقيقا لمصالح معينة مخالفةً بذلك بنود اتفاقية الانتداب بالحفاظ على وحدة أراضي الدولة المنتدب عليها، وهكذا تقع هذه المدينة اليوم في الأراضي التركية تتبع محافظة هاتاي، علمًا بأن لواء الإسكندرون في سوريا لايزال يرسم ضمن الخارطة الوطنية كجزء من أراضي البلاد.
لأنطاكية أهمية كبيرة لدى المسيحيين في الشرق، فهي أحد الكراسي الرسولية إضافة إلى روما والإسكندرية والقسطنطينية والقدس وبطاركة الطوائف التالية يلقبون ببطريرك أنطاكية: السريان الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، السريان الكاثوليك، الروم الكاثوليك، السريان الموارنة.

ملف:Antioch Saint Pierre Church Altar.JPG
قالوا عنها

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: وكانت العرب إذا أعجبها شيء نسبته إلى أنطاكية

و تربطنا مع أهل المدينة القربى و الجوار و النسب و التاريخ و البشر و الحجر و نهر العاصي و كانت مدينتي عبر التاريخ مكان اصطياف أهل انطاكية منذ آلاف السنين و قبل عشرات السنين كانت مدينة انطاكية تتزود بزيت و زيتون و تين وعنب و فواكه و خضروات مدينتي و يوميا ( وأحد أجدادي كان تاجرا ينقل بضاعته منذ الصباح الباكر الى انطاكية )
المهم كانت زيارتي الأولى بعكس بقية الأصدقاء , المدينة نظيفة و جميلة و تشبه كثيرا مدينتي و مدن شمال سورية و كأنك لم تغادر المكان ,  طبعا كنت مزود بعناوين الأهل و الأصدقاء الذين يوروننا في كل عام , لضيق الوقت أخترت أحدهم و هو من أصل تركي أسمه أحمد أفندي( وهو صديق جدي الراحل و له من العمر مايزيد عن الثمانين حولا و لكنه يحتفظ بصحة ممتازة  و هو صانع حلوى شهير جدا في انطاكية و صاحب عدة محلات فيها لم أستطع لقاؤه لأنه كان خارج المدينة في مصيف له , أستقبلني أبناؤه و أنسبائه بترحاب حار و لضيق الوقت أخترنا أن نزورهم في أحد محالهم في وسط المدينة ( منطقة رجل العاصي .. هكذا هو أسمها ) كان المحل مخصص لبيع الكنافة بجبنة و يمكنك أن تختار البوظة بقشطة فوقها
كانت طاولات التقديم على ناصية الشارع المزدحم و الفسيح جدا و الطقس كان يميل الى الحرارة مساء
لكرمهم عزموا كل من كان معنا في الرحلة و قدموا أطباق الكنافة التركية و عليها البوظة بقشطة الرائعة و التي خففت من ارتفاع حرارة الطقس ,
تجولنا في السوق القريبة المغطاة و التي تشبه أسواق الحميدية بدمشق و المدينة بحلب و أسواق القاهرة و سائر المدن العربية
كان الانطاكيون يتكلمون العربية بطلاقة لان معظمهم عرب سوريون و يقبلون  التعامل بالليرة السورية
كذلك زرنا جامع  حبيب النجار
الشهير
و احد الأسواق الحديثة
بتنا ليلتنا في فندق قريب في منطقة سياحية أسمها الحربيات و هي مرتفعة و مليئة بأشجار الفواكه و الغابات و كانت من أجمل ليالي العمر لأن المنظر الرائع من نافذة غرفتنا في الفندق يشبه جبال مدينتي تماما ( و في الحقيقة مكان اقامتي كان لا يبعد عن بيتي في سلقين سوى عشرين كم )
صباحا تناولنا طعام الفطور و كان غنيا جدا و كان زادنا في الطريق الذي سيستغرق 17 ساعة الى مدينة استانبول
تجولنا في الحربيات و مقاصفها و ينابيعها و تحاورنا مع أهلها الذين تفاجئت أنهم يتحدثون بلهجة بلادي تماما
و في مقاصفهم و مطاعمهم يتناولون نفس الوجبات و بالطريقة العربية و السلقينية تماما ( حيث تمتاز الأكلات السلقينية باستخدام الفليفلة الحارة في مكونات معظم الوجبات )
انطلقنا بنا الحافلة منتصف الليل  بعد أن ودعنا الأصدقاء في انطاكية
و مررنا في مدينة أضنة الجميلة و الكبيرة و منها أخترقت الحافلة صعودا و بطريق دولي مأجور سلسلة جبال طوروس التي يفترض أن تكون جزئا من الحدود الشمالية لدولة الملك فيصل الأول ابن الحسين  ملك سورية 1918 – 1920 و تخما للوطن العربي الكبير
لم أستطيع النوم أبدا كما هي عادتي في السفر حيث أصبح أكثر نشاطا و حيوية
الطريق كان يربط بين أوربا و المنطقة العربية و أفريقيا عموما و جنوب تركيا بوسطها و باستانبول  فلنا أن نتصور الازدحام الكبير فيه , كان سائقنا شابا في العقد الثاني من عمره مما أدخل الرعب لنفسي , و كانت مهمته الأولى الى تركيا معتمدا على مرافق من مكتب السياحة و السفر التركي وعلى خبرة قائد الرحلة الذي علمت بعدها أنه كان بحارا زار العالم تقريبا و زار تركيا أكثر من 15 عشر مرة و كان قائد رحلتنا الى لبنان عام 2004 و هو هاو سفر و يعمل الآن في تجارة الأدوية و المستلزمات الطبية لكنه عاشق للسفر و السياحة
جبال طوروس المهيبة العظيمة كانت تغط في نوم عميق ( و معظم الأصدقاء راحوا في نوم عميق )  مع غابات الأشجار المتوسطية الهائلة و لنا أن نتصور أن تلك الجبال
مساحتها تقترب من مساحة لبنان و فلسطين
كانت الاستراحات المجهزة و بأعلى المواصفات محطاتنا المتتالية حتى بدأ الفجر و بدأت نسمات الفجر تستقبلنا ببرودة محببة
تغير المنظر تماما بعد أن تجاوزنا تلك الجبال الرائعة و الغابات المكتظة بملايين الآشجار
على يمين الطريق بدات تظهر الجبال العارية من أي لون أخضر البوادي القاحلة صارت على مد أبصارنا
أقتربنا من قلب تركيا من الأناضول على يمين الطريق ظهرت من بعيد بحيرات هائلة تمتد لاكثر من ستين كم  و في منطقة أقرب للصحراء
علق منظم الرحلة ضاحكا بعد أن قدم فناجين القهوة و النسكافيه أنها بحيرا ت طوز او طز ثم أستدرك و بمرح بان tuz
بالتركية تعني الملح أي أننا أمام بحيرات  الملح الشهيرة طبعا على جوانبها أمتدت الملاحات و مصانع استخراج الملح
فاتني أن اذكر أنني حتى قبل بحيرات الملح لم أشعر بأنني غادرت الوطن ابدا
تذكرت الشاعر أبي فراس الحمداني و قصيدة أنوح و قد ناحت بقربي حمامة التي غناها ناظم الغزالي و قد نظمها أبو فراس مع غيرها في الأسر في مدينة قيسارية و كانت على يمين الطريق و تذكرت أغنية أم كلثوم بكلمات ابو فراس أيضا   أراك عصي الدمع شيمتك الغدر أما للهوى نهي عليك و لا أمر
أقتربنا من أنقرة العاصمة السياسية للبلاد  ولم ندخلها
أنحرفت الحافلة غربا الى استانبول عاصمة الدنيا لنصل في  العاشرة صباحا
للحديث بقية