جمهورية الآداب من فولتير إلى غوغل روبير دارنتون* ترجمة: المبارك الغروسي**

Posted on 14 مارس 2010 بواسطة



زخم طوباوي حالم
 

هل يحقق الانترنيت حلم عصر وفكر الأنوار من خلال تقديمه كما من المعارف
متزايدا باطراد لأكبر عدد من الناس؟ أم أنه يهييء لكابوس تسليم معرفة عامة
لجشع الخواص؟ بفضل محرك البحث غوغل، أو قل بسببه، لم يعد هذا النوع من
الأسئلة ، موضوع تفكير مجرد؛ فخلال السنوات الأربع الأخيرة قام محرك البحث
الشهير برقمنة ملايين المؤلفات المستقاة من ثروة كبرى المكتبات الجامعية
ثم إطلاقها على الشبكة العالمية للمعلومات. اعتبر الناشرون والمؤلفون أن
هذه العملية تشكل خرقا لحقوق التأليف والملكية الفكرية. وقد وصلت الأطراف
بعض مفاوضات طويلة إلى اتفاق سيشكل ثورة في طرق وصول الكتب إلى القراء.

وإذا كانت الحدود القانونية والاقتصادية للفضاء الجديد الذي يرسيه هذا
الاتفاق التوفيقي تبقى غير واضحة المعالم، فإن غاية مديري المكتبات واضحة
تمام الوضوح: فتح أبواب مصنفاتهم وجعلها رهن إشارة كل قارئ في أي مكان
كان. مشروع بسيط في ظاهر الأمر، لكن تعوقه باستمرار الإكراهات الاجتماعية
والمصالح الاقتصادية؛ تماما كما كان أمر مشروع الجمهورية العالمية للآداب
قبل قرنين من الزمن.

كان القرن الثامن عشر وقرن الأنوار يعلن في الملأ ثقة كاملة مطلقة في عالم
الكتب الذي كان يسميه أصحاب موسوعة الأنوار جمهورية الآداب؛ وهي بلاد بلا
شرطة ولا حدود ولا تفاوتات ولا فوارق غير تلك التي تنتج عن المواهب
والكفايات. يمكن لأي كان الإقامة في هذه البلاد ليمارس أحد صفتي المواطنة:
القراءة والكتابة. وللكتاب أن يعبروا عن أفكارهم ويصوغونها وللقراء تقييم
قوة بناها وأسسها. كانت الحجج التي تستفيد من سطوة الكلمة المطبوعة تنتشر
ضمن حلقات مشتركة المركز ووحدها تلك الأكثر إقناعا كانت تنتصر.

خلال هذا العصر الذهبي للمكتوب، كان تداول الكلمات يمر كذلك عن طريق
الرسائل؛ فعند تصفحنا للمراسلات الضخمة لفولتير أو جان جاك روسو أو
بنيامين فرانكلين أو طوماس جيفيرسن –أي ما يعادل خمسين مجلدا لكل واحد
منهم-، فإننا نغوص في قلب جمهورية الآداب تلك. كان الكتاب الأربعة
يتناقشون حول مواضيع حاسمة ومهيمنة في عصرهم من خلال مد جارف لا ينقطع من
الرسائل يربط بين أوروبا وأمريكا مقدما من ذلك الوقت كل خصائص شبكة
معلومات عابرة للمحيطات.

إنني أميل هنا بالخصوص إلى المراسلة بين جيفيرسن “1743-1826” وطوماس
أديسون”1751-1836″؛ إنهما يحبان الحديث في كل شيء، وخصوصا عن الدستور
الأمريكي قيد الكتابة آنذاك الذي ساعد أديسون في إنجازه بفيلاديلفيا في
الوقت الذي كان جيفيرسن يمثل الجمهورية الفتية في باريس. كانا يتحدثان
كذلك عن الكتب؛ لأن الأخير كان يحب التجوال بين مكتبات باريس وغالبا ما
يقتني لصديقه بعض الكتب. كانت “موسوعة” دينيس ديدرو من بين مشترياته؛
اعتقد أنه قام باقتناء مهم؛ لكن الأمر اختلط عليه بين طبعة مزيفة والسحب
الأصلي.

يتعلق الأمر هنا بشخصين سيصيران لاحقا رئيسين للولايات المتحدة الأمريكية
ويتحدثان عن الكتاب عبر شبكة معلومات عصر الأنوار: مبهرة هي الصورة. لكن
قبل الخوض في هذا البحر، من المهم جدا أن نسجل أن جمهورية الآداب لم تكن
ديمقراطية إلا من حيث مبادئها. فقد كانت في حقيقة الأمر ملكا للأغنياء
والنبلاء في ظل عدم تمكن أغلب الكتاب من ضمان عيشهم من خلال أقلامهم،
وكانوا يجدون أنفسهم مجبرين على مغازلة ومداهنة الأقوياء والتماس ذوي
المناصب السامية وتسول منصب في جريدة تديرها الدولة، واعتماد الحيلة في
وجه سلطة الرقابة وشق طريق بين الصالونات والأكاديميات، أي حيث تصنع
الشهرة والصيت وحيث تنتهيان. ولما كانوا عاجزين عن مغالطة ومقاومة أصناف
الإهانة التي يكيلها لهم حماتهم، كان هؤلاء الكتاب يأخذون بخناق بعضهم
البعض كما يبرز ذلك في خصام فولتير وروسو. فبعد أن قرأ فولتير كتاب روسو
“بحث في منشأ وأسس التفاوت بين الناس”، أرسل إليه خطابا يقول فيه: “لقد
وصلني كتابكم الجديد ضد الجنس البشري… لم يبدل أحد قط كل هذا الجهد في
الفكر ليجعل منا دوابا وإن المرء لتأخذه رغبة في المشي على أربع عند قراءة
مؤلفكم”.. بعد خمس سنوات سيجيبه روسو: “سيدي، أمقتك”.

كانت الاختلافات الاجتماعية تفاقم الخلافات الشخصية، فكانت جمهورية الآداب
أبعد من تشتغل كفضاء عام قائم على المساواة بين الناس بل تعاني من مرض كان
ينخر كل المجتمعات خلال القرن الثامن عشر: مرض الامتيازات التي لم تقتصر
على عوالم النبلاء والارستقراطيين بل كانت تشمل في فرنسا عالم الفكر،
وخصوصا الطابعون وأصحاب المكتبات الذين كانت تهيمن عليهم هيئات في وضعية
احتكار، كما تشمل كذلك عالم الكتب التي لم يكن لها أن تصدر إلا بعد موافقة
الملك وقبول الرقابة. يمكننا تحليل هذا النظام من خلال الرجوع إلى علم
اجتماع المعرفة وبالخصوص إلى المفهوم الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي
بيير بورديو “Pierre BOURDIEU” عن الأدب باعتباره حقلا تتبع فيه المواقع
المتنافسة قواعد لعبة مستقلة إلى حد ما عن القوى المهيمنة في المجتمع.
لا نحتاج مع ذلك إلى الانخراط في مدرسة بيير بورديو لكي نستنتج أن الحياة
الأدبية ليست مرتبطة كثيرا بقيم فكر الأنوار؛ فبالرغم من مبادئها المضيافة
والمنفتحة كانت جمهورية الآداب تشكل عالما مغلقا لا يستطيع غير أصحاب
الامتيازات بلوغه. ومع ذلك ففكر الأنوار يبدو لي خير ما يمكن الترافع به
لصالح الانفتاح عموما وللوصول الحر إلى الكتاب على وجه الخصوص.

فهل نشهد اليوم داخل عالم المكتبات والبحث والمجال الافتراضي تناقضا بين
المبدأ والواقع كما كان الحال خلال القرن الثامن عشر؟ تحكي إحدى الزميلات
أنها كانت دائما تسمع هذه الملاحظة المجاملة خلال السهرات التي تحضرها: ”
أن يشرف المرء على مكتبة، أمر جميل.. لكن ما معنى أن يكون المرء مسؤولا عن
مكتبة؟” فكانت تقدم دائما نفس الإجابة: “هي قبل كل شيء مسألة مال ونفوذ”
لا يرضى أغلبنا بغير الانضمام إلى المبادئ المؤسسة لكبرى مكتباتنا
العمومية. نقرأ على مدخل مكتبة بوسطن “مفتوح للجميع”، وفوق رخام مكتبة
نيويورك نطالع اقتباس لجيفرسون منقوشا بحرف من ذهب : “أعتبر التربية خير
وسيلة لتحسين قدر الإنسان فوق الأرض وإحياء الفضيلة وضمان سعادة الناس”.

بنيت جمهوريتنا على نفس القاعدة التي أسست عليه جمهورية الآداب: التربية.
فبالنسبة لجيفيرسن أخذت الأنوار بريقها من الكتاب والقراء ومن المؤلفات
والمكتبات وبخاصة مكتبة الكونغريس و مكتبة مونتيشيلو “حيث أقام جيفيرسن”
ومكتبة جامعة فرجينيا. إن هذا الاعتقاد في القوة المخلصة للكلمات نجده
مسجلا في الفصل الأول من الدستور الأمريكي الذي أخضع حقوق التأليف
والملكية الفكرية – المعترف بها “لمدة محدودة” فقط- للمبدأ الأسمى “لتطور
العلوم والفنون النافعة”. إن الآباء المؤسسين قد اعترفوا للمؤلفين بحق
الحصول على مكافأة مناسبة عادلة لعملهم الفكري لكنهم كانوا يؤكدون على
أسبقية المصلحة العامة على النفع الشخصي.

كيف يمكن تقييم كل من هاتين القيمتين؟ لم يكن مؤلفو الدستور الأمريكي
يجهلون أن مفهوم حقوق الملكية الفكرية “copyright” قد ابتدع في بريطانيا
العظمى سنة 1710 في إطار القانون المسمى “قانون آن” “statute of Anne” إذ
كان هذا التشريع يروم الحد من السلطان المطلق للناشرين و”تشجيع التربية”،
وكان يمنح المؤلفين الملكية الكاملة لأعمالهم لمدة أربعة عشرة سنة قابلة
للتمديد مرة واحدة فقط. حاول الناشرون الدفاع عن احتكارهم عبر الاحتجاج
بحق حصري ودائم للنشر يضمنه بحسب ادعائهم القانون العرفي. لكن المحاكم
خطأتهم نهائيا في مسعاهم ذلك سنة 1774 خلال قضية دونالدسون ضد بيكيت.

وعندما حرر الأمريكيون دستورهم ثلاثة عشرة سنة بعد ذلك اعتمدوا الرأي
السائد آنذاك في بريطانيا، فمدة أربع وعشرين عاما كانت تبدو طويلة كفاية
لحفظ مصالح المؤلفين والناشرين بينما يجب أن تعود الأولوية بعدها للمصلحة
العامة. وفي سنة 1970 استلهم أول قانون حقوق الملكية الفكرية “Copyright
Act” الذي أعد من اجل “تشجيع التربية” النموذج البريطاني عبر تبنيه مدة
أربعة عشرة سنة قابلة للتمديد مرة واحدة.

فما هي المدة التي تدومها ملكية الحقوق الفكرية في يومنا؟ بحسب قانون 1980
“Sonny Bono Copyright Term Extension Act” والمسمى “قانون ميكي” لأن
الشخصية الفأل لوالت ديزني كانت مهددة بالسقوط في الملكية العمومية، بحسب
هذا القانون ينطبق حق الملكية الفكرية على العمل مادام صاحبه على قيد
الحياة ثم سبعون سنة بعد وفاته. هذا يعني أن المصلحة الخاصة للمؤلف وورثته
لا تعتبر أي بعد آخر لمدة تفوق القرن. فأغلب الكتب الأمريكية المنشورة
خلال القرن العشرين لم تسقط بعد في مجال الملك العمومي. أما على الشبكة
العنكبوتية فالوصول الحر إلى تراثنا الثقافي لا يتحقق عموما إلاّ مع
المؤلفات المنشورة قبل الفاتح يناير 1923 وهو التاريخ التي يعود إليه
الناشرون لتحديد حقوقهم، وسيبقى الأمر كذلك لوقت ليس يسيرا إلا أن تتولى
طبعا مجموعات خاصة رقمنة البضاعة وترتيبها وتسويقها لفائدة أصحاب الأسهم
طبعا. أما الآن فنحن أمام الوضعية اللامعقولة والعبثية التي نجد فيها أن
رواية بيبيت “Babbitt” للكاتب لويس سنكلير الصادرة سنة 1922 تعتبر ملكا
عموميا في حين سيبقى مؤلف إلمير غانتري “Elmer Gantry” المنشور سنة 1927
محجوزا بحقوق الملكية الفكرية حتى سنة 2022 2.

إن الانتقال من المبادئ الكبرى التي أعلنها الآباء المؤسسون إلى أخلاق
الصناعة الثقافية اليوم هو سقوط من سماء فكر الأنوار ومثله إلى مستنقع
الرأسمالية الشاملة. ولو استخدمنا علم اجتماع المعرفة لتحليل الأزمنة
المعاصرة –على طريقة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو- لاستنتجنا أننا
نعيش في عالم تحكمه ميكي. فجمهورية الآداب قد دخلت عالم الاحتراف على شكل
جمهورية المعرفة، وهاهي اليوم تفتح أبوابها للهواة، في المعنى السامي
للكلمة، أي لمحبي المعرفة بين المواطنين البسطاء. ويتم هذا الانفتاح على
مستوى شامل من خلال الوصول إلى المقالات المرقمنة الموضوعة مجانا على
مواقع الكترونية مثل مواقع : Open Content Alliance أو Open Knowledge
Commons أو OpenCourseWare أو Internet Archive أو على مواقع تصرح بأنها
هاوية مثل موسوعة ويكيبيديا.

إن ديموقراطية المعرفة صارت في المتناول على الأقل في ما يتعلق بالوصول إلى المصادر. فهل يمكن أن يصير حلم أهل الأنوار واقعا؟
من حق القارئ أن يتساءل هنا إن كنت بصدد الانتقال من عادة أمريكية محضة هي
النحيب والنواح إلى عادة متجذرة من عاداتنا الغريبة التي هي الحماس البريء
والساذج. افترض أن هناك وسيلة للتوفيق العادتين ضمن مسار جدلي لولا أن خطر
التبضيع والتسويق يخيم علينا. فحين تنظر مقاولات مثل غوغل إلى مكتبة من
المكتبات فإنها لا ترى فيها بالضرورة معبدا للمعرفة، بل منجم محتويات
للاستغلال تحت السماء المفتوحة. يمكن لمحفوظات المكتبات التي بنيت خلال
قرون بجهود جبارة ونفقات هائلة أن ترقمن على مستوى كبير وبتكلفة يسيرة لا
تتعدى ربما بعض الملايين من الدولارات، مبلغ زهيد على كل حال إذا ما
قارناه بحجم الاستثمار الذي تم توظيفه لبناء المكتبات.

إن هذه المكتبات وجدت لإنعاش مصلحة عامة: “تشجيع التعلم” وجعل التعليم
“مفتوحا في وجه الجميع”. لكن المقاولات تنشئ لكي تدر الأموال على
المساهمين، وليس في الأمر ضير دون شك لو اعتبرنا أن اقتصاد الربح يفيد هو
أيضا المصلحة لعامة. لكننا لو رخصنا بتسويق ثروات مكتبات فإننا نجازف بعدم
التمكن من تجاوز تناقض أساسي. فرقمنة المحفوظات وبيعها على الشبكة
العنكبوتية دون الاهتمام بجعل الوصول إليها حرا في وجه الجميع يعني تكرار
الخطأ الذي تم ارتكابه مع المجلات العلمية التي ترك أمر تسييرها وإدارتها
لناشرين خواص، لكن الخطأ سيكون هذه المرة على مستوى أوسع للغاية لأن الأمر
سيجعل من الانترنت أداة تخصيص “خصخصة” المعرفة العامة. ليس هناك من يد
خفية من شأنها أن تخفف الهوة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وحده
الصالح العام مؤهل للقيام بهذه المهمة، لكن من يمثله؟ أكيد أنهم ليسوا
أولئك المشرعين الذين تبنوا “قانون ميكي”.

ليس بالإمكان سن قوانين بناء على مفاهيم فكر الأنوار، لكن من الممكن تحديد
قواعد تضمن حماية المصلحة العامة. والمكتبات هي التي تمثل تلك المصلحة.
إنها ليست مقاولات لكن عليها أن تقلص تكلفتها وتحتاج لمخططات عمل. وتذكر
استراتيجيتها بالشعار الذي استعمله ممون الكهرباء كون إديسون عندما كان
يفتح شوارع نيويورك لربط البنايات بالشبكة الكهربائية:” أن نحفر، ذلك واجب
علينا”؛ وهو شعار لو كيفناه مع المكتبات لصار:” أن نرقمن، ذلك واجب علينا”
لكن ليس بأية طريقة. يجب أن يكون ذلك خدمة للصالح العام، أي مع حماية
مسؤولية المحتويات أمام المواطنين.

سيبدو الأمر ساذجا لو تمت المماثلة بين الشبكة المعلوماتية والأنوار. إن
الشبكة تسمح بنشر المعرفة على مدى أوسع بكثير مما كان يرجوه جيفرسون.
فعندما كانت شبكة الانترنت تبنى خطوة فخطوة، ورابطا تشعبيا فرابط تشعبي،
لم تقف المقاولات جامدة تتابع الأمور على الرصيف ، بل حاولت السيطرة على
المسار، والاستيلاء عليه وامتلاكه. زاحمت بعضها البعض وتنافست بشراسة
كبيرة جعلت أقلها جلدا تختفي. قاد صراعها من أجل البقاء إلى خلق
أوليغارشية “أقلية حاكمة” ذات سلطة وقوة متناهية وذات مصالح تخالف بشكل
محسوس مصالح الجمهور.

لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي في انتظار أن تفرض المجموعات الخاصة على
الملك العمومي تضحيات باهضة. أكيد أنه يجب علينا رقمنة الأعمال، لكنه
علينا بالخصوص دمقرطتها، أي تعميم الوصول إلى تراثنا الثقافي. كيف يتم
ذلك؟ من خلال إعادة كتابة قواعد العمل ومن خلال لحق المصالح الخاصة
بالصالح العام عبر استلهام رؤى الجمهوريين الأوائل لتأسيس الجمهورية
الرقمية للمعارف.

من أين جاء هذا الزخم الطوباوي الحالم؟ من غوغل. منذ أربع سنوات بدأت هذه
الشركة برقمنة كتب تضمنتها فهارس المكتبات الجامعية واضعة على الشبكة
أعمال بحث في نصوصها الكاملة، وجاعلة في متناول الجمهور عناوين سقطت في
الملكية العمومية دون طلب فلس مقابل ذلك للهواة. لقد صار على سبيل المثال
ممكنا وبالمجان مطالعة وتحميل نسخة رقمية من النسخة الأصلية لرائعة
الروائية جورج إليوت “ميدل مارتش” الصادر سنة 1871 والموضوعة بمكتبة
بودليان بأوكسفور. الجميع استفاد من هذا الأمر بما في ذلك غوغل التي تقبض
دخل الإعلانات المنشورة بصورة خافتة على صفحة البحث في الكتب للموقع
“Google Book Search”.

لقد قامت الشركة برقمنة عدد في تزايد مستمر من الكتب المحمية بحقوق
الملكية الفكرية ووضعت مقاطع منها على الشبكة لتسهيل البحوث للمبحرين.
لكنه في سبتمبر وأكتوبر 2005 باشر لفيف من المؤلفين والناشر الذين أرعبهم
هذا الأمر عملية جماعية ضد غوغل باسم الدفاع عن حقوقهم المالية. وفي
الثامن والعشرين من اكتوبر 2008 وصل الطرفان بعد مفاوضات متناهية إلى
اتفاق يحتاج اليوم إلى موافقة محكمة نيويورك3.

* حاسوب واحد للمستعملين

يقتضي الاتفاق خلق شركة باسم سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب “Book Rights
Registry” تتكلف بتمثيل مصالح المؤلفين والناشرين مالكي الحقوق الفكرية.
وستجعل غوغل الوصول إلى قاعدة بياناتها الضخمة خدمة مؤدى عنها، وهي قاعدة
بيانات مؤلفة بداية من عناوين نفذت نسخها من السوق والتي توفرها المكتبات
الجامعية. سيمكن للثانويات والجامعات والجماعات المختلفة الارتباط بها من
خلال شراء “رخصة مؤسسة”. ستمنح رخصة أخرى، تسمى “رخصة الارتباط العمومي”،
للمكتبات العمومية تسمح بالوصول مجانا لقاعدة البيانات لكن من خلال حاسوب
واحد. وبخصوص حالة رفض مستعمل غاضب انتظار دوره للاستفادة من الحاسوب
المطلوب، تم التفكير في خدمة مؤدى عنها على المقاس “رخصة المستهلك”.

من ناحية أخرى تلتزم شركة غوغل بالتعاون مع سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب
“Book Rights Registry” بهدف توزيع المداخيل المحصلة بهذه الطريقة، أي
بنسبة 37 بالمائة للشركة و63 بالمائة لأصحاب الحقوق الفكرية.

وبالموازاة تواصل الشركة وضع أعمال من الملكية العمومية على الشبكة والتي
ستضل قابلة للتحميل مجانا. فبين السبعة ملايين عنوان التي تقول الشركة
أنها رقمنتها يجب اعتبار مليون كتاب “عمومي الملك” ومليون كتاب آخر تحت
حقوق الملكية الفكرية وما تزال متوفرة في السوق، وخمسة ملايين كتاب محمية
الحقوق كذلك لكنها نفذت من الأسواق أو مفقودة. وهذا الصنف الأخير هو الذي
سيشكل كتلة الأملاك القابلة للتسويق عن طريق “الرخصة” ستظل الكثير من
الكتب محمية الحقوق مع ذلك خارج قاعدة البيانات الشاسعة هذه إلى أن يقرر
مؤلفوها أو ناشروها أو أصحاب حقوقها الفكرية أمرا آخرا. ستواصل هذه الكتب
تداولها في السوق بشكلها الورقي على الطريقة القديمة كما ستكون موضع تسويق
بالشكل الرقمي إما ليتم تحميلها عبر “رخصة المستهلك” وإما لتكييفها على
شكل كتب الكترونية “e-books”.

باختصار شديد، بعد قراءة الاتفاق بين غوغل والمؤلفين والناشرين وبعد
التشبع بفلسفته – والمهمة ليست يسيرة لما كانت الوثيقة تمتد على مائة
وأربع وثلاثين صفحة وخمسة ملاحق- يقف المرء فاغرا فاه: إنها أساسات ما
يمكن أن يصير أكبر مكتبة في العالم. هي مكتبة رقمية فعلا لكن يفترض أن
تنتصر نهائيا على أشهر المؤسسات الأوروبية والأمريكية. وزيادة على ذلك
سترتقي غوغل إلى مرتبة أكبر بائع كتب في الكوكب وستجعل امبراطوريتها
الرقمية موقع أمازون Amazon الشهير في مرتبة متجر الحي في المجال.

كيف للمرء أن لا يكترث لأفق رؤية كنوز كبرى المكتبات الجامعية الأمريكية
في متناول نقرة كل المبحرين على الانترنيت عبر العالم؟ فهذا السحر
التكنلوجي لغوغل لن يمكن القارئ من الوصول إلى الكتب التي يريد فقط، يل
يفترض أن يفتح إمكانات بحث لا تنضب.

فتحت بعض الشروط سيكون بإمكان المؤسسات المشاركة في المشروع استعمال نسخ
رقمية للمؤلفات المفقودة أو المعطوبة أوالتالفة من أجل تجديد خزاناتها. من
ناحية أخرى تلتزم غوغل بتقديم النصوص بشكل يجعلها في متناول القراء ذوي
الإعاقات المختلفة.

بكل أسف لن يكون بإمكان وعد غوغل بتمكين المكتبات العمومية من الوصول
إلى الوثائق عبر جهاز حاسوب واحد أن تلبي الطلب خاصة بالنسبة للمؤسسات
التي تشهد أكبر إقبال. كما أن المسألة بالإضافة إلى ذلك محاطة بتقييد يقضي
أن القراء الراغبين بطباعة نص محمي الحقوق لن يتمكنوا من الأمر دون مقابل
نقدي. ذلك لا يمنع أن صغار المكتبات البلدية ستمتلك رصيدا افتراضيا أهم
مما تملكه المكتبة المركزية الكبرى في نيويورك. أجل، بإمكان غوغل أن تحقق
حلم فكر الأنوار.
لكنها هل ستفعل؟ كان فلاسفة الأنوار يعتبرون حالات الاحتكار أهم عائق يحول
دون انتشار المعرفة وكان يلومون في ذلك جمعية الطابعين في نيويورك وهيئة
باعة الكتب في باريس اللتان كانتا تقفان بقوة ضد حرية انتقال الكتاب.

* حصانة ضد كل أنواع المنافسة

غوغل ليست هيئة ولا تتصور نفسها كشكل احتكاري، بل إن هذه الشركة تتبع هدفا
محمودا وهو إنعاش الوصول إلى المعلومة لكن الاتفاق الذي وقعته يجعلها
تتمتع بعصمة ضد كل شكل من إشكال المنافسة، فأغلب المؤلفين والناشرين الذي
يملكون حقوقا فكرية يقعون تلقائيا تحت غطاء هذه الوثيقة. يمكنهم بطبيعة
الحال الخروج من المعاهدة لكنهم مهما فعلوا فلا يمكن لأي مشروع رقمنة أن
يرى النور دون موافقة كل أصحاب الحقوق وهو ما يعني أنها مهمة مستحيلة.
فإذا ما بارك القضاة هذه العملية – وهو مسار قد يأخذ سنتين إضافيتين- فإن
العملاق الكاليفورني سيكون له السيطرة المطلقة على كل الكتب الصادرة في
الولايات المتحدة الأمريكية تقريبا.

هذه النهاية لم تكن مستبعدة فقد كان بالإمكان خلق مكتبات رقمية وطنية،
تشكل النظير الحديث لمكتبة الإسكندرية التاريخية. فعندما كانت السلطات تغط
في نوم عميق، بادرت شركة غوغل ولم تبحث عن الترافع أمام المحاكم بل مسحت
ضوئيا كتبا وأنجزت ذلك بشكل فعال جعل لعاب الآخرين يسيل على الأرباح التي
ستجنيها. سنجانب الصواب إذا انتقصنا من طموح المؤلفين والناشرين في تحصيل
الحقوق الواجبة لهم كما علينا الحذر من التسرع في الحكم على حجج عمليتهم
الجماعية ضد غوغل. ولكن بانتظار إصدار الحكم من قبل قضاة نيويورك، لا جدل
في أن الاتفاق يقوم على توزيع الأرباح وليس الدفاع عن الصالح العام.

ومن الآثار غير المتوقعة لهذه القضية أن غوغل ستجد نفسها بالفعل في وضع
احتكار من نوع آخر، احتكار ليس موضوعه الفولاذ أو الموز بل الوصول إلى
المعلومة. فليس للمقاولة أي غريم جدي. تخلت شركة ميكروسوفت منذ عدة شهور
عن مشروعها الخاص برقمنة الكتب أما باقي الشركات الموجودة في السوق مثل
Open Knowledge Commons أو Internet Archive فلا تكاد تشكل ما يمكن ذكره
أمام غوغل. فهذه الاخيرة وحدها تمتلك الوسائل الضرورية لرقمنة المؤلفات
على مستوى بهذا الحجم من الضخامة. وبفضل الاتفاق الذي تفاوضت بشأنه مع
الكتاب والناشرين يمكنها أن تضع كامل قوتها المالية دون أن تبرح مجال
القانون.

إن ما قامت به غوغل حتى اليوم يوحي بأن الشركة لن تسيء استغلال نفوذها،
لكن ما الذي سيحدث عندما يبيع المسيرون الحاليون أسهمهم أو يحالون على
التقاعد؟ تمنحنا التعريفة الحالية للوصول إلى قاعدة البيانات الرقمية أولى
عناصر الإجابة عن هذا السؤال. فهذا الاتفاق بالصيغة التي انتهى إليها تترك
للشركة كامل الحرية في إعادة التفاوض حول أثمنه الرخيص مع زبنائها رغم
أنها تعهدت بالتزام مبدأين عامين:
“1- مطابقة الدخل المحول لفائدة أصحاب الحقوق الفكرية بخصوص أي مؤلف على مؤشر السوق؛
2- ضمان الوصول الواسع للجمهور، خاصة بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي”

ما الذي سيقع لو فضلت مؤسسة غوغل أرباحها على حساب جمهورها؟ لن يقع شيء
بحسب مقتضيات الاتفاق. وحدها شركة سجل الحقوق المتعلقة بالكتاب “Book
Rights Registry” المتدخلة باسم أصحاب الحقوق يمكنها فرض تعريفات جديدة
على الشركة، لكن ذلك لا يبدو كثير الترجيح أن تقوم بمعارضة أثمنة مرتفعة
جدا. يمكن أن تختار غوغل تعريفة كريمة، لكن لا شيء يمنعها من اعتماد
استراتيجية تشبه تلك التي اعتمدها ناشرو المجلات العلمية: أي البدء بإغراء
الزبون من خلال عرض جذاب ثم ما إن يبلع الصنارة حتى ترفع الأسعار إلى أعلى
ما يمكن.

يرد أنصار التبادل الحر أن السوق سـتضبط نفسها بنفسها. إذا غالت غوغل في
أثمنتها فإن الزبناء سيلغون اشتراكهم فتنزل الأسعار بالنتيجة. لكن ليس
هناك ترابط مباشر بين العرض والطلب في الآليات التي تتولى منح الرخص
المؤسساتية على الأقل ضمن منظور الموقعين على الاتفاق. لن يكون التلاميذ
والأساتذة والمشرفون على المكتبات هم من يدفعون.

هي المكتبات التي ستدفع ولو فشلت في إيجاد التمويل الضروري لتجديد
اشتراكها فإنها ستجازف بتأجيج الاحتجاج ضدها من قبل القراء الذين سيكونون
قد صاروا “مدمنين” على خدمات غوغل. وسيفضلون آنذاك الاقتطاع من مصاريفهم
الأخرى، كتقليص مقتنياتهم من الكتاب الورقي على سبيل المثال كما فعلوا
سابقا عندما رفع الناشرون رفع أثمنة الدوريات المتخصصة.

في غياب إمكان توقع ما سيأتي به المستقبل، يمكننا الاكتفاء بمراجعة
مقتضيات الاتفاق واستنتاج بعض الفرضيات. لو جعلت غوغل الوصول إلى الثروة
المتراكمة لكبرى المكتبات الامريكية مقابل ثمن معقول، لن نبخل بتصفيقات
الإشادة. لكن أليس الوصول إلى متن ضخم من العناوين بمقابل مرتفع أفضل من
أن لا نصل إلى أي شيء؟ لا شك في الأمر، لكن اتفاق خريف 2008 قلقل العالم
الرقمي بتركيزه كل السلطات في أيدي مقاولة واحدة.

فإذا ما استثنينا ويكيبيديا فإن غوغل تحتكر الوصول إلى المعلومة على
الشبكة لأغلبية الامريكيين، سواء بحثوا عن مقال أو صورة أو آلة غسيل أو
تذكرة سينما. هذا دون احتساب الخدمات الملحقة بمحرك البحث الاشهر: : خدمة
الكرة الأرضية “Google Earth” ، خدمة الخرائط “Google Maps” خدمة الصور
“Google Images” خدمة مختبرات “Google Labs” خدمة الفنون “Google Arts”
وخدمة المال “Google Finance” … وباقي التفرعات قيد الإنشاء. في يومنا
الحاضر خدمة البحث عن الكتب لغوغل على وشك تدشين أكبر مكتبة وأهم متجر
للكتب في التاريخ.

فمهما كانت طريقة تأويل هذا الاتفاق، فبنوده تتداخل بطريقة متشابكة معقدة
تفرض نفسها ككتلة. أما اليوم فلا غوغل ولا المؤلفون ولا الناشرون ولا
محكمة مقاطعة نيويورك قادرون على إحداث تغييرات تستحق الذكر. إننا أمام
منعطف عظيم في تطور ما نسميه بمجتمع المعلومة. فإذا لم نعد التوازن لميزان
الأمور، فإن المصالح الخاصة ستجرف نهائيا في القريب العاجل الصالح العام.
وسيكون حلم الأنوار أبعد عن التحقق من أي وقت مضى. **

* كاتب وناقد من تونس
**ROBERT DARNTON La bibliothèque universelle, de Voltaire à Google, Le
Manière de voir, 109 / Février – mars 2010, ، عن مجلة Manière de voir
الفرنسية عدد فبراير مارس 2009
1- مؤرخ وأستاذ بجامعة كارل بفورزهايمر ومدير خزانة هارفارد
2- مدد قانون 1998 ملكية حقوق الملكية الفكرية لمدة عشرين سنة بشأن
الأعمال الصادرة بعد فاتح يناير 1923. لقد تم رفع هذه المدة إحدى عشرة مرة
خلال الخمسين سنة الأخيرة مما شكل مسألة مزعجة لاهل القانون ومؤسساته. حتى
سنة 1992 كان على أصحاب الحقوق أن يطلبوا بأنفسهم تجديد الحماية. صارت هذه
المسطرة تلقائية بالنسبة للكتب المنشورة بين 1964 و 1977 لكن بشرط أن
يمتلك المؤلفون حقوق تأليف لمدة خمسين سنة بدءا من تاريخ موتهم. مدد قانون
1998 بعد ذلك هذه الحماية عشرين سنة إضافية.
الكتب المنشورة بعد سنة 1963 بقيت محمية في الوقت الذي يبقى عدد كبير من
المؤلفات –التي يستحيل معرفة عددها بسبب عدم اكتمال المعلومات عن المؤلفين
وورثتهم- الصادرة بين 1923 و 1964 محميا أيضا بحقوق الملكية الفكرية. راجع
في هذا الصدد: Paul A. David et Jared Rubin, ” Restricting access to
books on the Internet : Some unanticipated effects of US copyright
legislation “, Review of Economic Research on Copyright Issues, vol. 5,
n° 1, Christchurch “Nouvelle-Zélande”, septembre 2008
3- يمكن الاطلاع على النص الكامل على صفحات غوغل ضمن قانونها للبحث في الكتب http://www.googlebooksettlement.com/agreement.htm