منير مزيد و حبيبتي والحلم في بيروت / باريس العرب

Posted on 13 مارس 2010 بواسطة



حبيبتي والحلم في بيروت / باريس العرب
أمس في الساعة 05:35 مساءً‏

ما كتب عن كتاب حبيبتي والحلم

احتفالية الحب والحلم والشعر

أ. سلمى بالحاج مبروك

يبدو الولوج إلى عالم الشاعر منير مزيد و كونه الشعري الساحر بمثابة
رحلة سندبادية خرافية تحملك إليه أجنحة لغته الخيالية المترفة بالصورة
الشعرية المجازية والمتخيلة حيث فجائية الالتقاء بنص يقطر غرائبية من حيث
كثافة الأسطورة وتعدد المرجعيات الثقافية يبشر بتفتح نص الوجود شعرا على
أنطولوجيا شعرية جديدة تلتحم ببراءة الصيرورة لتتحول اللغة معه من مجرد
أداة لتواصل وحتى لممارسة الهيمنة والإخفاء والتمويه ومجالا لفوضى اللوغوس
المعمد بعصر التقنية وتصحير الوجود البشري وتحجير كينونته إلى عالم تتحول
فيه لغته إلى مأوى الوجود ومسكنه. …

ولننصت لحديث ديوانه “حبيبتي والحلم” إنه شبيه بحفلة باذخة من سيلان
العاطفة والوجد عروساها “الحب والحلم” وربما هذا ما يبرر وقوع الشاعر على
هذا العنوان المركب من كلمتين واحدة مؤنثة وهي “حبيبتي” وما تحمله هذه
الكلمة من تخمة عاطفية أريجها عطر أنثى أما الكلمة الثانية هي “الحلم” وهي
كلمة مذكرة وما تحمله من جنوح ذكوري نحو الخيال المجنح والرقص الربيعي في
عالم يتوق إلى ما يجب أن يكون ولسان حاله لا تكن ماهو كائن بل كن ما تريد
أن تكون. هناك في زمن أنطولوجيا الشعر تقيم منازل قصائد من حلم لازوردي
حاكتها “شهوة الإنعتاق” معجزة قصائد””تصعد السماء” وتستقر في جزيرة بلد
الأحلام حيث هو البلد الوحيد الجدير بالسكن. ولعل السؤال هنا ترى من تكون
“حبيبته-هو –الشاعر؟” وخاصة أن الكلمة وردت نكرة؟ لكن هذه النكرة سريعا ما
تصبح معرفة حين ينسبها الشاعر لذاته بحرف ال”ي” النسبة التي تعبر عن
انتماء الشيء وبالتالي ينقذها من تلفان الهوية وهوية الحبيبة هنا تصبح
معرفة لكونها تنتسب لشاعر وكأنه يقول لنا بمعنى آخر”حبيبتي أنا هي التي
سأحدثكم عنها” وهنا يصبح غير المعرف معرفا ويغدو ما كان “بلا وطن أو هوية
” له هوية فالشاعر هويته حبيبته كما الحبيبة هويتها الشاعر فهو هي وهي هو
يبحثان عن أبد حلم يضمهما مكانا., أما إذا انتقلنا إلى الكلمة الثانية من
عنوان الديوان فهي كما أشرنا سابقا كلمة مذكرة وقد وردت معرفة بأداة – ال-
التعريف غير أن هذا التعريف الشكلي لا يعطيها هوية لان كلمة “الحلم” رغم
ورودها معرفة إلا أنها تنقلب إلى كلمة مطلقة ومجهولة وغير محددة جزرها وهو
ما يدفع القارئ إلى التساؤل ماهو هذا الحلم؟ ما نوعه ؟ ومن هنا تتجلى لنا
قدرة الشاعر على اللهو بكلماته لتخضع لمشيئة خلقه هو فيخرج المجهول من
المعلوم ويخرج المعلوم من المجهول. إن عنوان الديوان ذاته يمثل مقلبا
لغويا عجائبيا من لا يتفطن إلى سحريته وانقلاباته الفجائية لا يمكن أن تطأ
قدمه مغارة منير مزيد الشعرية العجائبية .ففهم العنوان هو بمثابة كلمة
السر لولوج مغارة شعر الشاعر على غرار مغارة علي بابا والأربعين لصا …

ديوان “حبيبتي والحلم” هو بطاقة دعوة لكل إنسان لحضور مراسم زفاف
وعقد قران الحب على الحلم وهي دعوة للذين يؤمنون بتطليق عالم الكراهية
والحقد على الإنسانية..

إن الكون الشعري لـ منير مزيد بميتالغويته المتجذرة أنطولجيا في عالم
لغوي جوقته الأساطير حينا والعقل المنفلت أحيانا لرغبة في الرغبة, فها هو
ينشد من نافذة اللاوعي حين يقول في قصيدته “الروح تنحني إجلالا لمشيئة
الحب” “أفكار من اللاوعي/ فوضى عواطف/ ليعلو صوت اللاوعي عاليا متفوقا على
صوت اللوغوس صائحا في حالة إنتشاء ب”ال-أنا”
“أنا الرغبة ” “أنا الجنون”. وكأن الجنون هو جزء من العقل المتمرد على
ذاته حين أصبح عقلا تشييئيا تبريريا هدفه تبرير عبودية الإنسان وإلحاقه
بنظام الأشياء عوض أن تلتحق الأشياء بنظام العقل. وكأننا هنا أمام مدرسة
في التحليل النفسي تكشف عن قناع زيف العقل وادعائاته الزائفة حول
العقلانية والتنوير وتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية فهاهو يعلن في
قصيدته “أبحث عن ذاتي المفقودة” حيث ينشد الشاعر قائلا “سأبقى أغني
وأرقص”/”حتى أكشف حجب العقل”/”وأرفع الستارة/”لتروا البؤس والشقاء “/”حروب
… موت… مجاعات… وطبعا وضع النقاط المسترسلة دلالة على أن عصر الخراب
قد حل وما ذكره إلا نماذج مصغرة يمكن للقارئ أن يتخيل معه هذه القائمة
المطولة من عذابات الإنسان. وكأن لسان حال شعره يهمس لنا “هذا أوان الموت
وموسم الخطيئة” وهو يذكرنا بما جاء على لسان بروميثيوس شيلي”إن القوة
المطلقة خطيئة ” لذلك اقتنع الشاعر منير مزيد بضرورة قهر قوة الظلم,لكن
ماذا أعد لنا شاعرنا لمقاومة طوفان قوة أغلال الإنسان ؟ من يتجول في ثنايا
الديوان وحدائقه الشعرية الغناء التي فاقت عطور كلماتها وغريب روائحها
الفاتنة صور شعرية وكأن لغة الديوان إمرأة فاتنة انطلقت في الكشف عن
مفاتنها فتعجز الطبيعة عن محاكاة عجيب جمالها عجائبية الحدائق المعلقة
البابلية فهاهو يقول في قصيدة عنوانها”القدس حلم العودة” أبني لنفسي معالم
خرافية/”من قصائدي”/أعظم من الأهرامات “/”والحدائق المعلقة “/”من تاج
محل”/”وسور الصين العظيم” فقصيدة منير مزيد هي قصيدة تنضح بالخلق والطرافة
إلى حد تضاهي فيه لغتها عجائب الدنيا السبع سابقا إن لم تتفوق عليها وكأن
بالشاعر ينبه العالم الذي انغمست روحه في المادية والتي صارت لا ترى في
الغرابة والعجيب والأسطوري إلا من كان له تحيز مادي وهو ما يؤكد على غرق
الحضارة في ماديتها وشيئيتها وابتذال جسدها الذي تضخم على حساب روحها غير
أن الشاعر قد أحس فداحة المنحدر الخطر والهاوية السحيقة التي انتهت إليها
الإنسانية بإختزالها وردها كل ما هو من طبيعة روحية في التعين المادي.
فالشاعر هنا ينبهنا إلى أن الأسطورة يجب أن تظل أسطورة من زاوية التخيل
ومن زاوية أن العقل لا يشاهدها بل يبصرها عبر التحرر من صورة المادة
ليرتقي بها لمستوى الصور العقلية إن كل قول في هذا الديوان هو تدشين لقول
جديد وأن تتحول اللغة مع منير إلى أسطورة وعجيبة وأن تصير القصيدة في عرفه
إحدى عجائب الدنيا السبع فهو يدخل علينا تصنيفا جديدا للجمال وينبه
الحضارة التي تغرق في سبات التقنية التي تحولت إلى ميتافيزيقا العصر انه
ثمة متسع للحلم والرمز الذي تأتي به القصيدة وهو عالم ثري ويفيض عن جوانبه
نهر الحياة الممتلئ بمياه العاطفة المقدسة وهو سقاء عذب ماءه كلما شرب
الإنسان منه إلا وتجددت داخله نار الحب والعشق المقدس أفليس هذا برهان
عقلي وشعري قاطع على ضرورة أن يأخذ الشعر مكانته الأنطولوجية الأصيلة
بوصفه يقضة الوجد والعقل ويقضة الإيروس واللغوس في مواجهة باتوس إنسان
الحضارة المريضة بنفي الآخر وكراهيته حضارة تتقن جيدا فن قتل الإنسان
وتتعبد الأشياء. وفي هذا التوجه يعلن عن ولادة شعرية لمدرسة تحتاجها
الثقافة العربية وهذه المدرسة يمكن أن نطلق عليها مدرسة ” الشعفلسفي” حيث
يمتزج صوت المخيلة بصوت العقل وهذا ما يعلن عن ولادة ما سماه هيديقر”الشعر
الأصيل” والقصيدة تغدو هنا الشعر في معناه الجوهري بما هو لا يكتفي بالوصف
بل إنه عملية خلق مستمرة وإخراجه المتجدد من العدم إلى الوجود فالقصيدة
المزيدية قصيدة منفتحة على براءة الصيرورة و هي قصيدة شديدة الكثافة
اللغوية تفعل بالقليل الكثير وتقول في ألفاظ قليلة معاني كثيرة فيكفي أن
تقرأ مثلا قوله في قصيدته “كاهنة النار المقدسة “قوله/”أمشي على الماء”
حتى تشعر بحجم كثافة القصة والإحاءات التي يمكن أن تشي بها وكأنها نوعا من
الهوية السردية التي تذكرنا بقصة المسيح الذي مشى على الماء حتى تشعر
وكأنك أمام شاعر نبي يعيش غربة الأنبياء وما كابدوه من إيذاء ومطاردة وصلب
فيقول “آه يا حبيبتي “/ مأساتي”/ مدن نبذتني .. كرهتني” وهو لعمري من أكبر
المآسي أن تكون بطلا تراجيديا مشبع بالألم والمطاردة ومثخن بجراح الوطن
المفقود “فبعدما عجزت الأرض عن إيوائي /ه/ هو هاهو ي-“أبحث عن من
يشاركني-هو- آلام التشرد وأي مأساة أعظم من تراجيديا الضياع والبحث عن
تأسيس وطن الكينونة حلم ضائع ينقلب إلى رحلة من شتات إلى شتات. هكذا هو
منير مزيد الشاعر البروميثيوسي المكابد بشعره حبا لتقديم أسرار الخلود له
بعد أن سرق وهج القصيدة” الحلم الحب” من جوبتير الحقد, لقد اقتنع منير
مزيد البروميثيوس أنه لا سبيل إلى هزم جوبتير إله الحقد إلا ب-“الحب” نعم
قوة الحب تلك القوة السحرية الرقيقة هي القادرة على الإنتصار على حب القوة
لأنه آمن الحب هو القوة الكبرى في هذا الوجود القادرة على إسقاط مماليك
الحقد المنتشرة في أركان الكون من هنا يحمل كون منير مزيد الشعري بين
جوانح حلمه شهوة
لخلاص العالم من الغواية الشيطانية المنحدرة إلى جحيم دانتي والتي باتت
ترهقه وترهق حبه الضائع في “المدن الغارقة في الوحل البربري” هنا تصبح
لشعر طاقة أخرى ينفثها كسر من أسرار الوجود يغدو معها “الشعر تعبيرا عن
استرداد المخيلة البشرية لحقوقها ” كما يقول بروتون ويتحول الشعراء إلى
قصيدة تقول الوجود قولا تخرجه فيه من التحجب إلى الانكشاف واللاتحجب أو
الأليتيا لعبا لغويا ومرحا وفرحا رغم انتشار الألم وامتداده على مساحات
الديوان لحد تشعر أن الشاعر تمزقه آلام عذاب بروموثية و”أغصانا مثقلة
بالليل”لحد يتوه في سراديب ذاته غربة ووحشة لذلك تجد في بعض القصائد يتقمص
شخصية الغائب الحاضر فهو مرة يتحدث عن نفسه بصغة الأنا “أطفئ شياطين
الأرض” ومرة يدخل في غربة عن ذاته فيتحدث عن نفسه بضمير الغائب “هو” “ينقض
على سديم الغيب حاملا شعلته” هذا التوتر والتمزق ينبع من واقع النفي الذي
يعيشه الشاعر لحد يجعله يبحث عمن يقصص عليه هويته السردية الضائعة بين
أشلاء الإنتماء إلى اللاإنتماء ولم يجد في ذلك غير الزمن يبوحه هذا العذاب
بوصفه تتشكل الحكاية فيه وتتحول إلى أسطورة ترويها الأجيال فقد أودع سر
عذابه لزمن مخاطبا إياه كقوة قاهرة ولا تقهر لأنه وحده له القدرة على
الإفناء وإدخال الإنسان في زمن العدم وبالمقابل وحده يحفظ قصص أساطير
الأولين واللاحقين وما لم تشكلهم الهيولى بعد وجودا مكنونا “يا معبد الزمن
,,, يا من يحتوي قرابين أحزاني ” وكأن الشاعر يطالب بهذه القوة الجبارة أن
تحفظ هذا الألم عبرة للعابرين والقادمين وهو ألم يجعل الشاعر ينفصم جزئين
جزء هونفسه وجزء هارب منه “وأنت أيها الهارب من نفسي” “حياتنا مخمورة
بالقهر /أدمنت أفيون الضياع … ”

لكن الشاعر البروميثيوسي رغم كل الجراح وعذابات البعد عن الحبيبة
الوطن الذي تكررت النداءات عليها في عديد القصائد مستعملا أداة النداء
“يا” ونحن نعلم أنها تستخدم لنداء على البعيد غير أن بعد الحبيبة في
المكان لم يحل بينه وبينها لممارسة الحب جنونا معها لأنها تسكنه فيقول :
حبيبتي/ أنا لا أراك/ إلا أنني أشعر بوجودك هنا / بين أنفاسي …

إن عالم منير مزيد الشعري يحبل بالمتناقضات التي يتردد فيها الإنسان
بين كونية شيطانية وكونية ما فوق بشرية بين المأساة والملهاة بين إنسان
التراجيديا و إنسان الكوميديا بين الحب والحقد بين الصورة والخيال، الواقع
والوهم، العقل واللاعقل، الروح والجسد، الرغبة والموت، الأمل والألم،
الضعف والقوة، الأسطورة والواقع، الله والإنسان، السماء والأرض شهوة الحلم
وحلم الشهوة، الكمال والنقصان، الفلسفة والحدس كل هذه الثنائيات هي حقل
خصب ترتع فيه شعرية القصيدة وتركض وتتغذى من مرعى حدائقها لغة سلسة حالمة
تجري كالماء تتدفق رغبة متجددة أزلية في أن يكون العالم الذي نسكنه ليس
عالم اليوم بل عالم المستقبل عالم ما يجب أن يكون يلتحم فيه الممكن
بالخيال . إن كل كلمة في قصائد ديوان “حبيبتي والحلم ” تمثل قصيدة بذاتها
وواحة خصبة لتلاقح الشعري العاطفي بقوة الفكرة المتأملة لدرجة أن من يقرأ
هذا الديوان يجد نفسه أمام بركان جارف وطوفان جمالية تلامس أعماق الوجد
والوجدان فتعزف على أوتار قلوبنا رغبة في الفرح والرقص والتوق إلى نشوة
اللذة الزاهرة بعشق الكلمات الدافق كنهر الصيرورة هذا الفضاء الاحتفالي
للحب والحلم والشعر يقلب معادلة شعرية سائدة فبعد أن كنا نقرأ الشعر
لنتثقف أصبحنا أمام تأسيس شعري جديد يعلن ناموسه قائلا لا يدخلن علينا إلى
مملكتنا الشعرية هذه ما لم يكن مثقفا حقا لأنك تحتاج لولوج عالم منير يزيد
ثقافة واسعة حتى تستطيع التقاط ماسات شعره والرشف من رضاب بيوت شعر حكمته
لأننا أمام نمط قولي جديد من الشعر لم تتعوده الثقافة العربية الأدبية وهو
ما يسمى بالشعفلسفي حيث تنصهر مقولات التأمل “والعماء” والتفكير ” والعقل”
والتأمل” والعدم والوجود” وهي معجم فلسفي بامتياز مع هذيانات الشعر
اللغوية من قبيل “الحلم “الحب “الخيال “الرغبة “الأسطورة” الله ” وهي كلها
إحالات إلى سيميائية الصورة الشعرية المتقدة بالحركة, إضافة إلى مرجعية
النص الأثيلة التي لم تنقطع عن موروثها الثقافي حيث نجد في بعض المقاطع
ترنم بلغة القرآن فانظر إلى قوله”وإذا الروح انفلقت روحين ” هذا النوع من
التركيب نجده في القرآن وإليك مثلا الآية الأولى من سورة التكوير:”إذا
الشمس كورت” وغيرها من التراكيب الشعرية التي تحاكي روحها وثوبها لغة
القرآن. إن ديوان “حبيبتي والحلم” هو ديوان الحج إلى متون القصيدة المشرعة
أبوابها نهلا من مختلف الثقافات الإنسانية من نصوص مقدسة وأسطورة وحتى
نصوص شعرية يتردد صوت حروفه وصدى تراتيله بين حب سرمد ينشد الإنشداد إلى
المطلق وترديه وإطلالته على واد الهاوية السحيق المتلبس بطين الأرض: بين
الثمالة عشقا وذوبانا في نور المتجلي وحضرته ف-“تتعرى المعجزة في وهج
القصيدة /تذوب أحزاني في نور الله” على إيقاع صوفية الحلاج وابن عربي:
وبين نشوة أبي نواس التائقة لراح الحب وكأسه تشرق القصيدة المزيدية كقصيدة
متجذرة في عمق ثقافتها بقدر انفتاحها على الثقافة الإنسانية المختلفة
فمنها تنصت لنداء الوجود لغة وعندما ينشدك منير مزيد قصيدته فهو ليس
ليجعلك إليه بل ليردك إلى ذاتك ولكن ليس ذاتا فقيرة بل ذات مركبة الهوية
منفتحة على الكونية دون أن تسقط أو تضيع بوصلة انتمائها فأكون آخر بالقدر
الذي أكون ذاتي أشهادا على أن تاج كيان الإنسان جوهره تأصيل الحداثة
انطلاقا من تحديث التأصيل وينهض الشعر كرسالة خالدة بهذه الرسالة
الإنسانية حيث ينتهي الديوان بالتبشير بمشروع القصيدة وبمشروع الشعرية
الفلسفية كمدرسة جديدة تعمل على إنقاذ الإنسان من الضياع في العالم بقول
الشاعر”كل شيء يذوي في العدم /”وتبقى قصيدتي إليك/ “إلى يوم القيامة ” بل
أن هذه القصيدة لها من القداسة ما يجعلها تلعب دور الوسيط بين الإنساني
والإلهي /”تجديها بين يدي الله “/ تشفع لي عند الله كل ذنوبي … “.

ذلك هو الحلم الشعري لـ منير مزيد وهو حلم على قاب قوسين أو أدنى من
التحقق لأن قصائده لا يمكن أن تكون إلا صوتا للإنسان وهو ينشد المطلق
ويذهب بكلماته السحرية التي ديوانها الحب لمعانقة العالمية الشعرية التي
انتظرها الشعر العربي طويلا …

ذلك الحلم الشاعري
مقدمة سريعة في المجموعة الشعرية “حبيبتي والحلم”
للشاعر الفلسطيني منير مزيد

الدكتور مقداد رحيم*

يتوزع الحلم على ثلاثة وعشرين نصاً هي قوام هذه المجموعة “حبيبتي
والحلم” للشاعر الفلسطيني منير مزيد، فتتكرر مفردة الحلم في النصوص ما
يقرب من خمسين مرة وفي العناوين سبع مرات، وهو تكرار يسوِّغه عنوان
المجموعة. يحاول الشاعر من خلال تكرير هذه المفردة تجسيدَ الحلم ليصبح
حقيقة مُدرَكة، ولكنْ في وجدانه هو، كما هي الحال في وجدان العرب أصحاب
القضية الفلسطينية جميعاً، ورسم مساحته على قدر ما يسمح به خفق قلبه
العاشق، وهي مساحة تبدو للقارئ المتفحص شاسعة.
أما حلم الشاعر فهو حبيبته، وهي الوطن الأم “فلسطين”، ويتصل بعضهما بالآخر
حتى يبلغا غاية التوحُّد، فيصبح الوطنُ الحلمَ والحلمُ الوطنَ، فلا يجد
نفسه إلا فيه ” ها أنا ذا أتجول في حلم/ أحلم حلماً يتسلل إلى شرفات
الغيب/ ترافـقـني أحزان الحياة الماضية و الآتية”، بل حتى يبلغا التوحد في
ذات الشاعر نفسه في حالة من حالات الحلول الصوفية: “أنا لست أنا/ بل عطر
من أنفاسها الشهية”، فيصبح الجميع شيئاً واحداً، حيث هي المثال الذي تنتهي
عنده الآمال والرغبات في هذه الذات: ” يا معجزةَ الخلقِ الأولى/ يا حلمَ
الرغبةِ/ يا شبقَ المطرِ/ يا وحياً سماوياً في دمي”.
….
وإذْ تتجلى الحبيبة في محض خيال الشاعر بأنوثتها الطاغية لا يجد بداً من
الهيام في جمالها الفاتن، والتعرض إلى بعض تفاصيله الباهرة، وهي تفاصيل
رمزية مثالية تحملها مخيلة الشاعر لتحدد ملامح الحبيبة المقصودة- فلسطين:
حبيبتي
ها هو حلمي اليتيم
يقطعُ يدَ السارقِ
يبحثُ عن أعشابه الشافيةِ في عكا
وبياراتِ يافا المقدسةِ
يصلي في مساجد القدس وكنائسها
ترافقه الملائكةْ
وأزرعُ تشردي
أشجارًا
راسخة جذورُها
وأغصانها
عالية
تعانق السماء …
….
كما تتجلى عذابات العاشق وأولها الفراق:
حبيبتي ..
شفافيةُ الظل
الحلم
تخطو بكامل السحرِ
على سطوح مخيلتي
تحملني إليكِ
لـ أرتلَ آياتِ الحبِ…
….
منذ مولدي
أعيش في دوامات الشتات
تطاردني أشباح القتـل..
…..
انقضى عمري ..يا حـبيـبتي
في الرحيل بين حلم و حلم
أُرَّتِلُ للتشرُّد
للشتـات صَلاتِي
علِّي أحظى يوماً بقراءةِ صحف الخلاص……
………
قبِّلْي دموعَ عاشقٍ
عاشَ على انتظارِ انبعاثك
……..
و ما يُعذّبُني أكثر
أنني ما عدت قادراً على الرحيل
مِنْ شتات إلى شتات آخر
و حياتي تمضي في العاصفة
……..
غير أن الأمل غير مستبعد بلقائها، وعودة الحق إلى نصابه: ” ستهلكون/ كل
طفل فلسطيني /صار المسيح/ ومريـم بصبـر الأنبياء/ تستعد للأذان للصلاة في
القدس”، وهو بذلك يحاول الإفادة من الموروث الديني والثقافي الذي تحمله
هذه الحبيبة في صدرها المثخن بالجراح، لتبشر نصوصه الإبداعية بالإثمار،
وتزداد أجواؤه الشعرية ثراء، فنراه يُوحي إلى بعض التفاصيل إيحاءً، وينص
على البعض الآخر نصَّاً، أو يُجري تعديلاً طفيفاً للبعض الثالث ليتواءم
وما يريد الإفصاح عنه، كما في قوله:
أيتها الروح المجللة بالدم
آن الأوان
لـ تصنعي لـ حلمِي معجزة
بعدما ألقى الإخوة حبيبتي
في غياهب الجبّ
و يريدونني إما أخرساً أو قتيلاً..

فيلتبس أمر القدّيس يوسف بحبيبته نفسها، وهو في كل الأحوال لا يتخلى عن
المناجاة الدافئة والحوار الحالم مع كل ما تحمله نصوص هذه المجموعة من
الأسى والمرارة، فإذا قال:
حبـيبـتي
في حضنك الغجري
مساء
يصب حكاياه في كأسي
قصائد
تشعل أشواقي لـ قمر
ينـزف ليل نهار
كُلّ أحزان الكون….

يطل من سماء القصيدة
يناديني
يرتل ترانيم عصافير مهاجرة.

أردفَ ذلك بقوله:
تهرب خوفا من المشانق
من وطن بات يكره الغناء
و يعشق النعيق و النباح ….
فيرسم في الصورة الواحدة الشيء وضده، ويفاجئ القارئ بغير ما يتوقع، وكل
ذلك في إطارٍ من رومانسية تجعل حلمه غارقاً في لُجةٍ من الشاعرية.
وإذْ يتخلى الشاعر منير مزيد عن تقنيات القصيدة الحديثة كالإيقاعين
الداخلي والخارجي، ولا يأبه كثيراً بنسيج الجملة الشعرية، ثم يسترسل في
كلامه ببراءة متناهية مخلصاً كل الإخلاص للنثيرة، فإنه لم يتخلَّ عن
التقنيات الفنية الأخرى كالتشبيهات بأنواعها والاستعارات البلاغية، حتى
يبلغ في ذلك حداً من التخييل العقلي المجرد أحياناً كما في قوله:” أمْسكُ
خيوط الرؤية/ أغزلها قصائد”، كما يعمد إلى تقنية تبادل الحواس كما في قوله
” حين تلمسه عيناي” وقوله” عيناي ترشفان شهوة الحلم” استغراقاً منه في
التخييل، والكلام على هذا وسواه في هذه المجموعة كلام يطول ويضيق به
المكان.
إن “حبيبتي والحلم” أغنية فلسطينية طويلة تختصر حكاية شعب عريق أصيل، ووطن
مُستَلب حزين، وشاعر وطني عاشق يُحسن الحديث عن العشق وعن الوطن الضائع،
وعازف ماهر يجيد العزف على المقامات وأضدادها.
…………….
* شاعر وناقد وباحث أكاديمي عراقي مقيم في السويد.

الشاعر منير مزيد يرعى حملان الشعر

بقلم: د.هدية الأيوبي

مسكوناً بعذرية الكلمات ودهشة الأطفال، يدخل من باب الحلم ويمطر قصائده
العاشقة. في ديوان “حبيبتي والحلم” للحبيبة المقام الأول، لأن ” من يعشق
أنوثة المرأة يصير شاعراً”. لوحات لعشق شفيف يجئ كمطر ناعم يبلل شَعر
القصائد بأناقة و شغف.
في قصائد تنساب كما الماء، يكتب منير مزيد لمجد الحب والوطن والحلم.
وكأن هذا العالم ما زال في بدائيته الجميلة، وكأن غبار الحروب ودخان
المدنية لم يتمكن من قلب الشاعر المؤمن بالجميل والنقي. هكذا ينشد الشاعر
حلمه وحبه.
الحب بوجهه الإيجابي الجميل بعيدا عن بكائيات طللية ، لأن الحب هو المعجزة التي تحصّنه ضد الأحزان.
الحب الذي يصمد في خضم التيه والقلق والزمن الجاري، خلال الجرح الفلسطيني النازف دوماً.
هكذا يعبر الشاعر منير مزيد بين لوحات متفائلة رغم تداخل الرمادي القاتم خصوصا حين يبرز الوطن في مقدمة المشهد.
يتكئ منير مزيد على خاصرة القصيدة للوصول إلى منطقة مضيئة في الإبداع. لا
يتعب من قطاف الصور الشعرية، استعارة وتشبيهاً ومجازاً كي ينسج أخيلة
تحلّق في فضاء النص كرفوف يمام.
كما تتوهج الاستعارة في ديوان “حبيبتي والحلم” إلى حد الإدهاش:
” يتّكئ على خاصرة قصيدة بحر ترتعش
مياهه”
” يجعلُني محاربا يمتطي خيول السماء”
” أمهاتهم يكسرن مرايا العالم”
” يتساقطُ الغسقُ مطراً”
” توزع زنابق الفجر على الحالمين”
“توضئي بمِسك الحزن”
“أزخرف
رائحة الموت بالياسمين”
” يا من ترجمينَ بسحرِ النهدِ
نزقَ خيالاتِ طفولتي”
“تعذبينَ عصافيري بالتحليقِ
بين أغصان السيقانِ…”

تتدافع الصور والأخيلة كالحملان في مروج القصيدة.
يتماهى الحلم مع الوطن في “جزر الغابات المخدرة بالضباب”، فيمتزج الحسي بالروحي حيث تغدو الأنثى-الحبيبة رمز الكينونة ومصدر الحياة:
نهد من وراء الغمام
يرضعني آيات الشعر
تتواءم الأفعال الدالة على الحياة والخصوبة:
يرضعني، تروي، تزرع، يتدفق، تهطل، يفيض، تتكاثر… لتخصب اللغة الشعرية بمدلولات الحياة العارمة في مواجهة القحط والموت.
في أرق الحلم ، مسافراً من خرافة إلى خرافة، تتجلى الحبيبة ” معجزة الخلق
الأولى” و”النار الأولى” ، هي شمس الحلم المضاء بهاجس الوطن البعيد.
غربة مفروضة في المكان والزمان، يقتصّ منها الشاعر بالرحيل من سماء إلى سماء بحثاً عن أقواس قزح على شفتين حبيبتين.
العاطفة في قصائد منير مزيد متوهجة وحارقة حتى أقصى الحياة وأقصى الموت.
فهي متوالية بين الحزن النبيل والأمل المشع من عيني حبيبة قد تجيء وقد لا
تجيء، لكن القصائد تشي ببياض في الأفق رغم الرمادي المتقطع. إنه العاشق
الذي لا يقدر أن يرى سوى إلى الآتي المشتهى. فتنسكب الألوان على المفردات:
قمر أبيض، حليب الأقحوان، الطيور الملونة، وشاح أحمر ، مطراً أرجوانياً…
وعلى الرغم من أن الحبيبة هي امرأة من رحيق الشرق، إلا أن رومانيا – مكان
إقامة الشاعر- تحضر في لاوعي نصوصه من خلال تكرار لفظة الغجر والغجرية.
بين غربتين- مكانية وزمانية- تسافر الروح الشاعرة في نصوص هاجسة بالحبيبة
التي تبقى دون تفاصيل محسوسة، لأنها شبيهة الغيم والريح وفيها الكثير من
قدسية خرافة شرقية.
وتبقى المنطقة الحلمية هي الأكثر إضاءة وأماناً في عالم يتحكم به الذئاب ويمضي نحو الخراب.
المستحيل يغدو ممكناً بقوة الحلم الموشوم على حياة محكومة بالرحيل، فتفتح القصائد طريقاً لفجر جديد، أو لمعجزة محتملة.
بين روحانية آسرة وشهوات نزقة، بين العشق والتصوف، تنسكب شعرية النصوص عبر
نوتات الموسيقى الداخلية للألفاظ ، لتزرع ورد العاطفة والنار في ملكوت
الكلمات.
الشاعر منير مزيد يشبه الراعي يسوق حملان شعره إلى مروج فسيحة تجري من
تحتها بحور عذبة. لا يتراجع عن حلمه بل يسير إليه رغم الحصى، لأن عينا
الحبيبة تدفعان حزنه المتورم بالشوق للغناء…
في ديوان ” الحبيبة والحلم ” يقترف منير مزيد الشعر بطريقته الأنيقة ، فنسأله: وماذا بعد؟

د.هدية الأيوبي
باريس في 17 آب 2009

أما عناوين قصائد المجموعة

معجزة الحب والحلم….
.حبيبتي و الحلم ….
حكاية حب ….
حبيبتي و الليل….
عيناك تؤرقان حـلمي
الراعي … وحملان الشعر
حلم يتسلل للغيب
سندريللتي
ليس سحراً بل سِرّاً مِن أسرارِك
كاهنة ناري المقدسة
القدس….وحلم العودة
أَحْلمُ حُلماً يتيماً
ملحمة التوائم اللازوردية
هكذا تموت أغنيتي
أموتُ نفسي لتكوني أنتِ لا غيركِ في نفسي
حكاية فلسطينية
جدارية الوطن
أعودُ مكللاً بالغار

من مساحة الشاعر الكبير أ . د. منير مزيد على الفيسبوك