نزوة الحب والشعر في”قصائد من كون آخر ” أو جنة الشعر الموعودة في شعر الشاعر الكوني الكبير ( منير مزيد) بقلم : سلمى بالحاج مبروك

Posted on 9 مارس 2010 بواسطة



“إننا في الشعر لا نسكن إلا المكان الذي نغادره” رينيه شار
في
ديوان “قصائد من كون آخر” سنسكن مكانا نغادره نحو تحد من نوع آخر تتحول
فيه القصيدة إلى كائن حي تتنفس الحب بل هي تصرخ في وجهنا: “أيها الغافون
الغافلون انتبهوا من رقادكم وسباتكم الأبدي” : إني “أعلنت عليكم ثورة الحب
والشعر” فهل من مذكر وهل من حواري تتبعني إلى مملكة الكون الشعري الموعود؟
أيها الباهتون “أقرؤوا” وانفعلوا وتفاعلوا ولا تقفوا “مثل المسمار” .
تجولوا في شرايين القصيدة وشيدوا فيها قصور أميرات الحب، لأنكم في هذا
المكان الوثير بسرير صور شعرية فاخرة ستقعون حتما في الحب ولكن لا خوف
عليكم ولا أنتم تحزنون مادام ستقعون واقفين ليس على بكاء الأطلال وإنما
على حافة جسد قصيد من بركان المستقبل وحمم حب ليس كالحب بل إنها من أشهى
قصائد الحب وأطيبها مذاقا يقول الشاعر في قصيدته “أشهى قصيدة حب” : يمكنني
الليلةُ يا حبيبتي / أن أتذوقَ أشـهى قصيدة / عاصفةٌ من أنفاسك المتألقة /
تجتاحني/… يتعرى الحبُّ للحبِّ/ للشعرِ/ للصلاة على جسد الحلم “..

انظروا هنا لهذه الصورة الشعرية التي تداعب سرير حواسنا حيث تغدو
القصيدة من شهوة لا تنتهي وفينومينولوجيا لذة نص هنا بصدد تجميع كل الحواس
خلف حاسة إيروس النص حيث تصبح القصيدة جسد يثير النشوة وفوقه تتمرغ عبوات
الغرائز القابلة للانفجار بمجرد الاحتكاك بالكلمة الشهوة /النار لتتفجر
شظايا القصيدة فينا وتلهب حماستنا لممارسة الحب وللصلاة على جسد الحلم ..

لعل لهذا الأمر اختار الشاعر الكوني منير مزيد، أن يسمي مجموعة قصائده
الجديدة “قصائد من كون آخر” ويبدو من خلال العنوان أننا موعودون بجنة من
عدن الشعر. أو ربما نحن في انتظار حور العين من بديع قصائد لم يطمثهن خيال
إنس أو جان يقول الشاعر في قصيدته”كون جديد”:
عندما أحببتُك
كَونٌ جديد وُلد في قلبي
أكثر سحرًا و جمالاً
يُثمِل أحلامَ العشاق

فتعالى صديقي القارئ نمارس فتنة القراءة ونلهو بإيروس أبجديات الحب نهيم
على وجه الشعر والحب نتعاطى أسراره موتا في نهر شبق القصيد ونتقاسم كقطاع
طرق الحب حوريات الشعر وهن يرفلن في ثياب من دمقس الكلمات. في هذا الديوان
ثمة ما يغنيك ويرضيك من أكسسوارات الشعر الماسي، قصائد جمال صورها الشعرية
يمثل موتا سلفا للنمطية التي غرق فيها الشعر ومازال يغرق. لتفك عقدة لسان
الشعري من صمته عن قول الجميل والجليل. في هذ “القصائد من كون آخر” نتسلل
كمن يبحث عن استراحة في مرفأ زمنية العشق . ندخل حضرة التجلي في الغياب،
إنه كون من حرية ممارسة فن الحب شعرا وفن الشعر حبا. وماذا تنتظر وقد غدت
القصيدة امرأة فائقة الجمال ومغرية الكلمات لحد أن تذهل كل مرضعة عمن
أرضعت حين تتداعى إلى سمعها تراتيلها. وأي شيء أجمل من أن تتحول القصيدة
إلى امرأة والمرأة إلى قصيدة وقد عبر الشاعر عن هذا التحول الانقلابي في
المقطع التالي:

القصيدة
امـرأة من ندى
و رحيق الكلمات

ولتذوق رحيق كلمات القصيدة المرأة ليس أمامك من خيار سوى أن تنزع عنك قناع
النضج وأن تكون مراهقا نقيا حالما في مدرسة الحب حتى تتمتع بنشوة هذا الحب
وانتصاراته وفتوحاته في جسد الروح وروح الجسد. وأن تطلق العنان لجموح
رغباتك في تذوق أهواء القصيدة وشهواتها التي تؤججها خيال صور شعرية هي
بالتأكيد خطر على آكلي “لحم الحداثة وما بعدها” ومن منا يستطيع الهرب من
حقيقة كوننا لسنا عقلا فحسب بل جبل أهواء نتقاسم شيطانها فيما بيننا ضوء
غسقيا ومبادأة اغوائية لا نهائية؟ ومن منا لا يعشق مجد اللذة المنتشرة في
ثنايا نص يمثل نابتة من نوابت نصوص الشعرية الحديثة.؟ ولما نخجل أن نكون
كذلك مادام كلنا في الحب مراهقون؟ وما دام الحب قدرنا الأصلي الذي انبثق
منه وجودنا وما دام الشعر هو من يقولنا لا نحن من نقوله “أليس أن تكون
شاعرا هو أن تنتزع نفسك من سحر الصمت وتفك قيود الكلام “. طبعا وهذا ما
تفعله بك “قصائد من كون آخر”، فهي مسار شعري واتجاه يسير في اتجاه
اللامتوقع وهي نزوة حب أبدية من فصوص الشعر الصافي نحن نسير في اتجاه عالم
ممتلئ ب”صور فردوسية” مضادة لأوديبية نصوص استفحلت فيها عقدة الشعور
بالذنب في هذا المكان لا معنى لعقدة الذنب هنا لأن الحب حق بشري ولأن
الغرائز دعوة جمالية فائقة ومصدر لنشوة إلهية مكان من كون آخر ليس فيه بحث
عن “الزمن الضائع” على حد عبارة بروست ذلك المكان الذي ضاع وتاه عنا في
زمن ما، بل هو بحث عن شيء آخر مختلف لا ينتمي إلا إلى ما يجب أن يكون.
إنها رحلة تيتانيكية رمزها الشعر والحب يحولنا الحب إلى أشلاء الشعر ويحيي
الشعر فينا جذوة الحب وشعلته. رحلة نلوذ فيها بالحب والشعر رقة أناشيد
كلمات معزوفة على ربابة الحب وقيتارة الشعر أنغامها تسكن مجاري الخراب
المنبعثة من العالم لتهدئ رياح الكراهية وتسحب الحقد من قاع بحر الإنسانية
وتجذب صلد قلوب تحجرت وتسحر الآلهة والبشر والحجر وكيف لا يسحر كل هؤلاء
من مثل هذه الزغردة الوجودية التي تنبعث من مقاطع الشعر” الحب و الشعر”..

شيئان لا حدود لهم
و لا يمكننا تفسيرهما
إلا أننا نشعر بقوة سحرهما
الحب و الشعر

في هذا الكون الفاخر من خمس نجوم تتساقط عليك لآلئ أشعار من ملذات
وعذابات شغف الحب وترفه بمثابة “حبات اللؤلؤ ” على حد قول الشاعر يتلقفها
الشاعر حين “ترش حبيبته خمر الكلمات على شفاه السماء” فهل حصل لكم شرف
اللقاء بمثل هذا النشيد الإلهي الساحر وهذه الغابة الذهبية من غابة
حيوانات الرغبة الجائعة توقد “فجورا جماليا مرحا تجاه انحطاط من يحصر
بوتقة الشعري في أدارج وصناديق الإيديولوجيات الصدئة . يقول الشاعر منير
مزيد : في فضاءات سحرية حول الروح/ اشتهي لمس شفاه حبيبتي…

إن الشاعر في حالة توثب أبدي على ضفتي الحب الخرافي حيث لا مسافة بين
سحرية الروح ولحظة التوحد والاشتهاء ولا فاصل زماني بين عوالم المادة
وعوالم الروح.

قد يكون هذا التداخل أفظع متعة من متع الجمال لأنها من متع المحارم
إذ كيف للروح المتبتلة في محراب عشق الصورة الروحية أن تتمرد على طبعتها
وتستقر في محراب لذة من مصلى الجسد فكيف للروح أن تنتزع حق الاشتهاء وممن
؟ من شفاه الجسد ؟

يا لها من فظاعة جمالية تقتل سحرا وجمالا وتبشر برحيل عصر تابوهات
منع الشعر أن يتنفس جمالية شعره دون قيود ميثولوجيا الإيديولوجيات
المنهارة وتغوينا لممارسة طقوس هوس الإبداع كما آن له أن يكون . في باحة
جنون متوحش تغدو كتابة الشعر نزوة إبداعية وقحة تقطر بفضائل رذيلة التمرد
على لغة لا تجد لنفسها فكاكا من براثن أعداء حرية الكلام وبلاغة الصمت
البراق . وإنه لاستبدال باروكي ومبدع لما هو متداول وتحد لشعوذات الكتابة
ومشعوذي أشباه المبدعين لتنحت في جسد الإبداع جسدا آخر ولننظر في قصيدة
“جسد آخر” :

الرغبةُ المسكونةُ في الوجعِ
ترسمُ طريقاً إليك
و الخيالُ يصورُ لها
كل لقطات الحب
الممكنة و غير الممكنة
تنطلقُ شفاهُ الوردِ في حلمٍ
تنحتُ في الجسدِ
جسداً آخر
أكثر دفئاً و اشتعالا

أليس في هذه المقاطع الشعرية ما ينبئ أن ثمة مؤامرة إبداعية تحاك ضد
حضارة باتت تتقشف في استهلاك الإبداع وحولت وجودها إلى مجرد استثناء
استهلاكي أو كوجيتو مستهلك لا يفقه ربات الإبداع ولا وحيه ولا يؤمن بكتابه
المقدس الشعري الذي لا يأتيه الباطل. في هذا الزمن الذي أصاب الشعر بالمرض
ما على عبقرية الشاعر إلا التدخل لمداواة جرح القصيدة واسترجاع عافية
شعريتها قبل استفحال وباء طاعون التقليد القاتل. يقول الشاعر منير مزيد
مشخصا المأزق الشعري للقصيدة الراهنة الواقعة تحت طائلة المنع والكبت ”
منذ زمن والقصيدة تداوي جراحاتي/تمتص أحزاني / والآن / تسألني من يداوي
جراحها “؟ فهل من مجيب لنداء إستغاثة الشعري بعد أن تورط في مدار غير شعري
؟هنا فقط نفهم معنى أن تأتي مدارات شعر منير مزيد تلبية لهذا النداء.

إن “قصائد من كون آخر” هي استطراد شعري هائل في مملكة الشعر وديكور
وجودي تخفي مفاجآت كورس من حفل انعتاق فردوسي وإكسير يعبق بروائح تجديد
شباب الإبداع تشي بروعة الخلق يقول في قصيدته ” زهرة الخلق”: لا تنبت
الزهرة دون عشقها للماء/ و أنا يا حبيبتي / الماء و السر و الظمأ/ و أنت
زهرة الخلق الأولى ” …

فما دامت المرأة قصيدة والقصيدة امرأة فإن قصائد منير مزيد تغدو وفق
هذه المرجعية هي “زهرة الخلق الأولى” وهي بسر لغتها وجمالية صورها الشعرية
المكتنزة كثافة معنى هي من تبدأ وتعيد إنشاء خلق هذا الكون الشعري الفخم
ذي السبع نجوم من نجوم السماء لا الأرض…

والقارئ “الزبون” هو زائر مبجل لن يمل المكوث على بساط مروج هذه القصائد
ولن يسأم التجول في براعم أزهارها من رحيق ملذات روح الشعر الصافي…

وكيف له أن يسأم والقصيدة المرأة تمسك بالخيوط الخفية لسر هذا العالم
الاحتفالي والإنتشائي وكأنها كاهنته العظمى في حين تنغمس الكلمات في إخضاع
وعينا لطقوس نار الحب في روح مقدامة على ميدان التصارع، لذة تخلص الحب كما
القصيدة من موضوع النفعية وزخرفتها بمطلب الفن للفن والشعر للشعر والحب
للحب والشهوة للشهوة في خطوة إبداعية عملاقة تهدف إلى تحرير الشعر والحب
مما ليس هو..

هذه القصائد بجماليتها التي لا تقاوم ستفتح شهية للقراءة لا تنضب وشراهة
لتذوق أطباقها الشعرية الفاخرة في لعبة لغوية مثيرة وفضولية تقول الرغبة
وتدمر التزهد في الحب..

ما دامت النساء عنده من “شجيرات الكرز”يتعرين لإظهار مفاتنهن” فلا خوف إذن
من معاودة الحياة و معاودة الحب في كل زفرة من زفرات الاشتهاء..

هكذا يكون الاسترسال الشعري كإشعاع بصري يفتح لنا حدود خيال بلا حدود
ويسمح لنا النص التحليق في مناطق المحظور حيث مثلما يسبق الحب الشعر
ويشترطه ،يسبق الشعر الحب ويشترطه . تلك هي أشد إحداثيات الديوان وضوحا
وهي إحداثية تبادلية كفيلة بإلهاب العالم كله حبا وإغراقه في ضياء من
المعاني التي لا تنتهي..

وتقذف بنا بعيدا عن شعاب الفراغ والتيه في حلقات مفرغة الإبداع المتهرئة
من شدة استعارات ميتة . هنا المراوغة باللغة مجال إعلان لإفلاس صنم
التكرار والمعاودة الشعرية ليفصح الديوان عن نمط أنطو لوجي شعري مباغت
يركض جنونا وعفوية ماوراء عقلية تبشر بالسقوط إلى أعلى العليين على حافة
الحب حوريات الشعر الفاتن تراودك عن نفسك بكل وحشية حبية لا تكل ممارسة
الغواية الشعرية ولا تمل شغفا أسطوريا يقود نحو هاوية الجميل بحثا عن
إشباع خيالي تروض فيه الرغبة لحساب جسد بلوري مجنح تخلصنا من عباءة حياة
مهوسة بانضباط الكراهية والحسابية حياة تخجل من ممارسة الحب ولا تخجل من
ممارسة الكراهية لتقول لنا ثمة كون آخر نستحق السفر إليه والمكوث عنده كون
منطقه اللامنطق هندسته الفوضى العارمة وعنف جنون الحب هديته ولننصت لصوت
هديته القادمة من “كون آخر” حيث يقول في قصيدة “هدية” : ” أَجْمعُ كل
أزهار الكون / و غناء العصافير/ في قصيدة/ وأهديها إليك ” ..

يالها من صور شعرية تخلخل بداهتنا وتقتلعنا من سكونية عالم غارق في
بداهته. إن القصيدة هنا هي أكبر من الكون كله بل إنها الكون الذي يفترس
الكون حبا وإنها آنية الوجود وكأن الشعري نسكنه قبل أن يسكننا في قصيدة
تمثل بيتنا ومسكن وجودنا ونشيدنا الأبدي..

إنها بناء كارثي بكل مقاييس” الإبداع الكارثة” الذي يمثل ثورة على
أصنام التقليد وأوثانه. وكل أشعار منير مزيد هي أشعار تصارع الموت وتصرعه
في رؤية قيامية للحياة الحبية بل إنها “قيامة القصيدة” الكونية كطائر
الفنيق المنتفض المحلق في سماء كون مفتوح منذ تحطيم نظام كوسموس القصيدة
المنكفئة على ذاتها وهندسة الفضاء الشعري ليقذف بها في كلية التجربة
الإنسانية مخلصا الشعر من الدوران حول الذات ليصبح يدور حول الكون. لا
تنفك التجربة الشعرية عند منير مزيد عن محاولة الانفلات من قبضة الأنانوية
والفردية الضيقة التي ذبحت الشعر على مذبح الخصوصية الفقيرة و التقليد و
الابتذال والتكرار الشعري المقيت.

كل قصيدة هنا هي سرب قصائد خرافية تسبح في مياه بحيرة قلب الشاعر يقول في قصيدته “بحيرة القلب ” :
أسراب من قصائد خرافية
تنوح تحت جناح فراشة الشعر
فجأة
تصمت
القمر يلمع في بحيرة قلبي
أغنية
أسراب من قصائد خرافية /…. القمر يلمع في بحيرة قلبي / أغنية ” فهي
تسارع احتفالي وإيقاع تكثيفي من أخيلة كلمات ليس لها ظل فرغم أن ما يميز ”
قصائد من كون آخر ” من ومضة برقية مختصرة، إذ القصيدة هنا كالبرق ما إن
تضيء حتى تنطفئ في قصيدة أخرى تنبثق منها وكأنها في سباق مع سرعة الضوء
ورغم الوميض القصير فإن الدلالة الرمزية تظل ماكثة في حواسك رواسي من
أمانة دلالات عرضت على متاريس الأبدية فرفضتها وقبلتها القصيدة المزيدية
بكل تحد وانتصار لغريزة حب بقاء الشعر.

إن منير مزيد الشاعر المحلق في فضاء الكوني اللامتناه كان مبدعا
شجاعا جعل من قصائده متنا فضائحيا لإباحية الابتذال وتأسيسا إيروسيا
لفضائل إباحية تخلد نزوة الحب والشعر الأبدية إلى حد تصير فيه القصيدة
“وردة الرغبة “. “فلقصائده مدارات من الياسمين ” “كلها تدور حول
حبيبتي”-له هو. إنه زحف قصائد من فاشية الحب والشعر تقطن كهوف جنس معاني
كوسموبوليتية تجعلنا سادة الحب وسادة القول الشعري ومالكين له وتأثث فضاء
شعريا يتحدى الحظر الأبوي على رقابة الإبداع ويؤسس لقتل أب الشعر الرقيب
واستبداله بالقصيدة المدللة الحسناء التي تأخذنا ببهرج كلماتها وصورها
الشعرية المتزاحمة على سطح القصيد لممارس دعارة الإبداع وفجوره في علن
الخيال الخصب. فهل يكون الشاعر الكوني الكبير منير مزيد بديوانه “قصائد من
كون آخر” قد صاغ ديوان “قمم وأعال الإبداع بأتم معنى الكلمة” و”ارتفع إلى
هذه الأعالي حيث لا يجلس إلى النبع أي من السفلة والرعاع ” كما يقول نيتشه
في كتابه” هكذا تحدث زرادشت”؟

وإن كان يرى في الشعر “قصيدة حب لا يريدها أن تنتهي” على حد قوله
فإنه قد جعل من قصائده لحظة نزوة حب وشعر من لحظات الأبدية حتى أنه جعل
للشعر أجنحة يطير بها بحثا
” عن فردوس مفقود”

إن كل هذا التفوق الإبداعي الشعري لدى منير مزيد وكل هذه الطاقة
الخلابة من جنون روعة الشعر وأخيلة الصور الشعرية التركيبية المذهلة ما
جاءت له كرها أو طوعا إلا لأنه يحمل خلاصا ذهبيا للبشرية جمعاء لخصها
الشاعر في المعاني التالية “أحب الإنسانية جمعاء ” ولهذا اعتقد أن ” الحب
الأمل الوحيد للبشرية بالعودة إلى رشدها قبل أن تفترسها الكراهية والظلم ”
ولكم أن تتخيلوا أن تفترس الكراهية الكون فعندها لن يبق سوى عويل الخراب
وصوت الدمار المرعب .ما من شك أن من خلال تجوالي في متون رباعية منير مزيد
ومن خلال قراءتي المتأنية لكرستاليات شعره المنثور في ثنايا الدواوين
الأربعة التالية ألواح كنعانية الذي احتوى على 4 مجموعات شعرية – وجوديات
– حبيبتي والحلم – وهذا الديوان “قصائد من كون آخر” وجدت بأن الشاعر
العربي الكوني الكبير منير مزيد قد قدم خدمة جليلة لمدرسة الشعر العربي بل
إنه ذاته المدرسة الشعرية الموعودة التي ستكون شرارة انطلاقة لجيل من
المبدعين الشباب وستنضوي تحت رايتها الشعرية. إنها تجربة شعرية فريدة من
نوعها ستمثل زلزالا شعريا يشل إمبراطوريات التحنيط الشعري وتأذن بانطلاقة
شعرية تغرد لفن الحياة وفن الحب وفن الشعر حتى يكف وجودنا عن استخدام
الموت الشعري كمخزون إستراتيجي وتحويله إلى مناسبة آدمية للرقص على شعلة
الإبداع المتجدد . هنا في قلب رباعية منير مزيد الشعرية يسكن الشعر الصافي
حيث لم يعد من المستحيل تأسيسه كمدرسة. وأنا حبا في كل حراس الإبداع ومن
يغارون عليه أدعو كل مبدع وناقد مؤمن بضرورة التجديد ويبحث عن لغة شعرية
صافية أن يكرع من عيون هذه الدواوين ماء شعريا عذبا زلالا ..

سلمى بالحاج مبروك
شاعرة و أستاذة فلسفة من تونس الخضراء