شوقي بغدادي و ديوان الفرح

Posted on 7 مارس 2010 بواسطة



شوقي بغدادي: شاعر الرايات الحمراء يحتفي بالفرح


خليل صويلح
الشاعر الثمانيني اختار اسم «ديوان الفرح» لعمله الأخير. خطر في بالنا على
الفور زهير بن أبي سلمى في مطلع ميميّته الشهيرة «سئمت تكاليف الحياة ومن
يعش/ ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم». لكن شوقي بغدادي له مبرراته في
الاحتفاء بالفرح بدلاً من السأم: «هناك توق لا يصدّق لاكتشاف جمالية
الأشياء الصغيرة. لقد أُنهكت من القضايا الكبرى في شعري، وأدعو أصحاب
المآسي للانتباه إلى الحياة نفسها، بوصفها خزّاناً للفرح». ويستدرك الشاعر
السوري المخضرم قائلاً «هذه القصائد كانت تتسرب من الخزّان طوال مسيرتي،
لكن متطلبات الشعر لم تكن تسمح بفتح الصنبور لتتدفق المياه وتتحرر».
كان شوقي أحد أبرز الشعراء المنبريين في الخمسينيات. كان ينافح في قصائده
عن التجربة الشيوعية ويرفع الرايات الحمراء خفّاقة لتضجّ القاعة بالتصفيق،
فيما كان سليمان العيسى يقف في الضفة المضادة مبشّراً بقطار الوحدة
العربية من المحيط إلى الخليج. ينفي شوقي صفة المنبرية عن شعره «لم أدافع
عن نفسي بوصفي متهماً، رغم أن هذه التهمة لاحقتني طويلاً، ولم أجد من
يدافع عني، لأنّ الشيوعيين باتوا خصوماً، والنقّاد أجهزوا عليّ». يراهن
صاحب «ليلى بلا عشّاق» على الناقد الحصيف في فحص تجربته الشعرية من
الداخل. هذه التجربة التي «كانت تتطور دوماً من ديوانٍ إلى آخر. لكن أين
هذا الناقد النزيه؟».
المفاجأة أن شاعر الرايات الحمراء لم يكن شيوعياً «كنت صديقاً للشيوعيين،
ولم أنتسب إلى الحزب يوماً». لا يتوقف شوقي بغدادي عن إثارة المعارك
والسجالات الثقافية، والانتقال من خندقٍ إلى آخر. يُمنع من الكتابة في
الصحافة السورية، ثم يُكرّم. زاويته الأسبوعية في صحيفة «تشرين» توقفت
فجأة: «الأمر يتعلّق بأمزجة أشخاص، ليس هناك قرار رسمي بالمنع، كما لا
يليق بي أن أطرق أبواب الصحف، في وقت تفتح لي فيه الصحف العربية أبوابها».
المقالة التي كتبها منذ سنوات بعنوان «حديقة السفير» عن دعوة السفير
الأميركي في دمشق لمثقفين «يساريين» سوريين، فُسّرت عكس مقاصدها «بعضهم
قرأ المقالة باعتبارها مديحاً لأميركا، فيما كنت أهجوها». تبدو الحياة
المديدة لصاحب «شيء يخص الروح» مثل سفينة تُشرف على الغرق، وسط أمواج
متلاطمة. لكنه ـــــ في النهاية ـــــ كان يصل إلى شاطئ الأمان بأقلّ
خسائر. يقول متحمساً «المهم أن ترى الحقيقة وتتجرأ على قولها مهما كان
الثمن». هكذا يستعيد شريطاً حافلاً بالأحداث، من حقبة الانتداب الفرنسي،
مروراً بعهد أديب الشيشكلي حيث مُنع من الكتابة، إلى فترة الوحدة السورية
المصرية، ليزجّ به عبد الناصر في السجن، ثم مغادرته للتدريس في الجزائر
ضمن حملة التعريب، إلى استقراره في دمشق مطلع السبعينيات.
لكن هل تشعر بالخذلان بعد هذه الخيبات؟ «ليس خذلاناً، لكنه فقدان الأمل في
التغيير. القصيدة لا تغيّر العالم كما كنّا نتوهم، وعلينا أن نفهم الحرية
فهماً مغايراً، لأنها السّر الأساسي للحياة الحقيقية، ولبذرة القصيدة». من
«أكثر من قلب واحد» (1955)، إلى «ديوان الفرح» (2009)، عبرت تجربة شوقي
برازخ كثيرة: هتاف واحتجاج، إيقاع صاخب، ونبرة خفيضة في تجاربه الأخيرة،
يفسّر هذه التحولات قائلاً «لم تستقر تجربتي الشعرية يوماً، وبهذا المعنى،
صرت حرّاً وناضجاً، لا أقبل وصاية فكرية أو حزبية أو دينية». ويتابع
بحماسة شاب في العشرينيات «لم أقل كل ما لديّ، لا أريد أن تتسرب لحظات
الفرح من بين أصابعي، فأنا في كامل عافيتي الجسدية والروحية، أسهر وأحبُّ،
وأناقش». قبل فترة، قدّم مختارات من الشعر السوري في الربع الأخير من
القرن ضمن مشروع «كتاب في جريدة»، فتعرّض لهجومٍ كاسح، واتهمه بعضهم
بمحاباة أصدقائه، وإزاحة أسماء أخرى مهمة. لكنه لا يبدو مكترثاً لما أصابه
من سهام «الشعر السوري في أزمة، كحال الشعر في العالم. لم يعد هناك شعراء
ولا شعر، نحن يكتب بعضنا لبعض». ويعزّي نفسه قائلاً «ما يهم هو وجود الشعر
في الحياة. حين أجلس على شرفة منزلي، أكتشف عشرات القصائد من حولي، من
حركة نملة تحفر في شق الجدار إلى تفتّح زهرة في أصيص». ويستطرد موضحاً
فكرته «مَن كان يزاحم الشعر قبل عقود؟ اليوم لا أحد لديه الشجاعة للدفاع
عن قصيدة، في ظل قانون التسليع الذي غلّف مظاهر الحياة برمّتها. الشعر فن
ذاتي يحتاج إلى خلوة، وللأسف، فالخلوة لم تعد متوافرة».
الشاعر الإيقاعي، يرفض معظم التجارب الجديدة في قصيدة النثر، بسبب
الاستسهال والاجترار «أتمتع بقراءة قصيدة النثر، لكن كثرتها أوقعت الشارع
الثقافي في مأزق».
في المقدمة التي كتبتها السويسرية كلود كرول للنسخة الفرنسية لديوانه
«العشاق يطيرون نحو الشرق»، تقول «لقد أنهكه العمر بعض الشيء، وفي نظرة
الهدوء الواثقة التي نلاحظها عبر صور فوتوغرافية له، ما يجعل المرء يتساءل
حيال صاحبها، والأنف الذي أعطبته شقاوة ألعاب الطفولة، يُبرز ملامح وجهٍ
مربّعٍ لحقه بعض التشويه، ما يوحي بأن صاحبه ملاكم متقاعد». ملاكم خاض
معارك كثيرة، وخرج منها أحياناًً بالضربة القاضية، ذلك أن هذا الشاعر لم
يركن إلى ضفة: من رابطة الكتاب السوريين الذي كان أحد مؤسسيها في
الخمسينيات إلى أحد أعضاء المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب العرب بنسخته
الرسمية في عهد علي عقلة عرسان، تبدو المسافة بعيدة ومضطربة في المواقف
والاتجاهات، لكن صاحب «صوت بحجم الفم» لا يجد غرابة في تحولات مسيرته
«كثيراً ما أقوم بمراجعة مواقفي وأشعاري، فأسلك طريقاً مغايراً، أجده في
وقته صحيحاً».
يحسب لشوقي اكتشافه معظم الأصوات الشعرية الجديدة في الساحة السورية،
والدفاع عنها، لعله جزء من الفرح الذي يعيشه في شغف. إذ لطالما مضت حياته
في السفر والمنع من السفر. نودّع الشاعر وهو يصعد إلى سيارته الجديدة، وهو
يقول مبتسماً «ابتعتها بحصّتي من الميراث».


5 تواريخ

1928
الولادة في بانياس (سوريا)

1955
صدور مجموعته الشعرية الأولى «أكثر من قلبٍ واحد»

1998
جائزة عبد العزيز البابطين للشعر العربي

1999
ترجمة مختارات من أشعاره إلى الفرنسية بعنوان «العشاق يطيرون نحو الشرق» (دار آليداد ــــ جنيف)

2009
صدور «ديوان الفرح» (دار الرائي ــــ دمشق)