شوقي بغدادي ( تجارب شخصية ) سورية

Posted on 7 مارس 2010 بواسطة




الأديب شوقي بغدادي: الحب نادر رغم وفرة التجارب العاطفية

تجارب شخصية
الأثنين 4/2/2008
فاتن دعبول

برع في ميادين الثقافة والإبداع الأدبي, وشهدت يفاعته نبوغ شاعر متميز, وديوان شعر اسمه (البراعم).


عمل مدرساً للغة العربية, فأجاد في جذب الطلاب وخلق الألفة مع لغتهم,
وساهم في تفجير المواهب الكامنة لديهم,وإنضاج شخصياتهم, إنه الأديب الشاعر
شوقي بغدادي الذي روى للثورة تجربته الشخصية فقال:‏


ولدت على شاطئ البحر في بانياس, ولكنني لم أعش فيها زمناً طويلاً, ذلك لأن
عمل الوالد كان حكومياً تابعاً لوزارة المالية, لا يكاد يستقر في بلدة حتى
يأتي الأمر بنقله إلى بلدة أخرى ينتقل إليها الأب الموظف ومعه أسرته,وهكذا
أرى ذاكرتي مشحونة بالتغيرات جغرافياً واجتماعياً, إلى أن استقر به المطاف
في العاصمة حتى وفاته فاستقرت الأسرة بعده في المدينة الكبرى إلى أيامي
هذه.‏


وفي دمشق عرفت من تجارب العيش الثرية ما لم أعرفه في المدن الأخرى, حتى
ليمكن القول إن سحرها طغى على ذكريات الطفولة, إذ جئتها في سن المراهقة,
فملكت علي وجداني شوارعها العريضة وأزقتها الضيقة في أحيائها القديمة
العجيبة,وعلاقاتها الاجتماعية العريقة الطريفة, وبنهرها (بردى) بمياهه
المتدفقة والذي لم يتبق منه اليوم إلا مجراه المبلط والساقية الضئيلة في
قاعه بعد أن ابتلعه البشر والحقول المستخدمة ماؤه, فغدا كأطلال بناء عريق
مندثر.‏


أربعون عاماً…مدرساً للغة العربية‏


لم أمارس في ميدان العمل سوى وظيفة واحدة وهي تدريس اللغة العربية وآدابها
في الأقسام الثانوية لأكثر من أربعين عاماً, وهو عمل أحببته فعلاً وابتكرت
عبر ممارسته طويلاً أساليبي الخاصة بي جداً في التعليم التي تقوم على نبذ
الطريقة التلقينية الإملائية السائدة.‏


صحيح أنه كان عملاً واحداً, غير أن المدارس التي تنقلت بينها كانت متنوعة
جداً في الأماكن والبيئات, وبين الذكور مرة والإناث مرة, وصولاً إلى
العاصمة الجزائرية التي ندبت إليها في جملة تعريب مناهجها بعد تحررها من
الاستعمار الاستيطاني الفرنسي, حيث قضيت هناك خمس سنوات متواصلة 1968 –
1972 في تعليم العربية للجزائريين المتعطشين إلى لغتهم الأم التي حرموا
منها أكثر من مئة عام, وفي الوقت نفسه أتيحت لي الفرصة للتعرف على عادات
وتقاليد جديدة, وزيارة معظم الأقطار الأوروبية القريبة مثل فرنسا,
اسبانيا, إيطاليا, وغيرها سائحاً,وكنت قبلها قد زرت مدعواً رومانيا
والاتحاد السوفييتي سابقاً, واجتزت سيبيريا بالقطار حتى الصين الشعبية عام
.1953‏


في ميادين الثقافة, والإبداع الأدبي‏


كنت قارئاً نهماً منذ يفاعتي, نظمت الشعر في الثانية عشرة من عمري, كما
كتبت القصص القصيرة, وفي سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة جمعت أشعاري في
مجموعة على دفتر واحد أشبه بكتاب أو ديوان نسخته ولونته بيدي, ووضعت له
عنوان (البراعم) وشاركت مع صديق لي في إصدار مجلة ثقافية أسميناها
(التلميذ) باللغتين العربية والفرنسية, إذ كنا في اللاذقية, عهدئذ ما زلنا
في زمن الانتداب الفرنسي, وكان تعليمنا كله بالفرنسية, ننسخها ونصور
رسومها باليد في عددين أو ثلاثة, نبثها ونوزعها بين الراغبين في مطالعتها
بأجر زهيد, ما يساعدنا على شراء الأوراق والحبر والألوان لإصدار الأعداد
المقبلة.‏


وفي كلية الآداب في جامعة دمشق بدءاً من العام الدراسي 1948-1949 تابعت
نشاطي الإبداعي في الصحف والمجلات مثل (النقاد-عصا الجنة) الأسبوعيتين
وفزت في أكثر من مسابقة أدبية فيهما للشعر والقصة القصيرة بالمرتبة الأولى
وقبضت مكافأة مالية متواضعة بالنسبة لأيامنا الراهنة, لكنها كانت دسمة
بالنسبة لأيام زمان.‏


وشكلت مع عدد من زملائي تجمعاً للنشاط الجامعي سميناه (الجمعية الفنية
الجامعية) لم يكن في ذلك العهد اتحاد للطلبة, وبدأنا ننظم المعارض للفن
التشكيلي وتقديم الأمسيات الموسيقية والشعرية والمسرحية, ومن أهم ذكرياتي
عن تلك السنوات الحافلة, حفلة مسرحية كبرى وغنائية في المدرج الجامعي
المعروض, رغب بحضورها عهدئذ رئيس الوزراء آنذاك واسمه محسن البرازي, لكن
الطلاب احتجوا في القاعة على حضوره فنزلنا عند رغبتهم.‏


وقبل تخرجي من الجامعة بأشهر كنت قد صرت معروفاً في الأوساط الأدبية
وتعرفت على حنا مينه, وعلى الأخوين حسيب ومواهب كيالي, وسعيد حورانية
القاص المعروف, وكان يلازمني باستمرار منذ أيام الثانوي إلى الجامعي وكان
لا يزال في بداياته ككاتب مبدع.‏


في تلك الفترة اتفقنا على تأسيس تجمع أدبي ملتزم بقضايا الإنسان الكبرى
وكنا أحد عشر كاتباً عام 1952 فأصدرنا بياناً فكرياً كلفت بصياغته, وأعلنا
نشوء (رابطة الكتّاب السوريين), انضم إليها كتاب من أقطار عربية أخرى مثل
مصر والسودان ولبنان والعراق والأردن, وقررنا تغيير اسمها إلى (رابطة
الكتّاب العرب) في مؤتمر كبير عقدناه في دمشق عام 1954 انتخبت فيه أميناً
عاماً للرابطة باسمها العربي الجديد, وأصدرنا عدداً من المؤلفات الإبداعية
والنقدية باسم الرابطة وشاركنا في عدد من المؤتمرات والمهرجانات الثقافية
محلياً وعربياً وعالمياً.‏


وكانت باختصار سنوات ذهبية بحق لأفكارنا وإبداعاتنا…‏


وللحب..لون الحياة‏


في حياتي العاطفية لم أعرف حباً كبيراً لامرأة مثل حبي لتلك الفتاة
الفقيرة التي تعرفت عليها مصادفة قبل أكثر من خمسين عاماً,وكانت فتاة لم
تكمل تعليمها الثانوي لأنها اضطرت للعمل في المعامل فترة, وفي المكاتب
فترة كي تعيل أمها العجوز التي كانت تسكن معها في غرفة مع جيران, في حي
الشعلان, قريباً من بيتنا في زقاق الصخر, أسرتني تلك الفتاة وقتئذ
بحيويتها وروحها المرحة ورغبتها الصادقة في معاشرتي كصديقين, ولم تكن فتاة
جميلة, بل كانت عادية جداً من حيث وسامة الوجه ولم تكن عادية على الإطلاق
في سمرتها المتألقة وتناسق جسدها الممشوق ومرحها الصاخب وميلها للرقص
وإتقانها له, لكنها كانت تشكو من سعال حاد, وعندما طلبت منها الزواج آثرت
التأني في الأمر حتى تشفى, وعندما ذهبت للطبيب لتصوير صدرها كانت إحدى
رئتيها مصابة بالسل, وقد حفر الداء الوبيل كهفاً وسيعاً في رئتها, فحملتها
إلى مشفى ابن النفيس وكان خاصاً بالأمراض الصدرية والسل تحديداً, وصرت
أزورها كل يوم إلى أن تم اعتقالي عام ,1958 وبعد إخلاء سبيلي وجدتها لم
تتحسن صحياً, وكتمت عنها رغبتي في الهروب بعيداً عن الوطن, ولم أصارحها
بذلك إلا قبل سفري بأيام معدودات خوفاً على صحتها, وهكذا تركتها, وتركت
البلاد بعد أن وعدتها بالاتصال بها, وحين عدت للبلاد زرتها في غرفتها
ووجدتها في السرير أشبه بهيكل عظمي ممدد على الفراش وكان لقاءً يدمي
القلب, وبعد أسابيع فارقت الحياة وكأنها كانت تنتظر عودتي كي تغادر
دنيانا,وكانت تجربة مفجعة بكل ما تعنيه الفجيعة والقهر والفقر, لم أبرأ من
صدمتها إلا بعد سنين, وما زلت أذكرها وأذكر حبها وعشرتها الحلوة حتى اليوم
بكثير من الأسى والحنين.‏


علمتني الحياة‏


لعل أنبل وأعمق ما علمتني إياه الحياة هو أن أقدس الحرية, حرية الفرد في
التعبير عن خصوصيته, وحقه في نيل حقوقه والاحتفاظ بها, وحق الجماعة في
الاستقلال والسيادة ضمن قوانين عادلة تحول دون طغيان طرف على آخر. وفي
العمل تعلمت أن أحب عملي لا كمهنة أرتزق منها, بل كنشاط حيوي جميل ومفيد
يؤكد فيه الإنسان العامل جدارته بلقبه كإنسان, وإن إتقان العمل مرتبط بهذا
الحب والحماسة الصادقة في أدائه, وإن كل ذلك ممكن بالتصميم والمثابرة
والإرادة.‏


وفي النشاط الإبداعي علمتني التجارب أن الإبداع الفني الذي يبقى ويؤثر
حقاً في إنتاج الوعي الجماعي لدى البشر ليس منقطعاً عن المؤثرات الخارجية
التي أحاطت بالمبدع أو هبت عليه من خارج هذه البيئة كإنسان مشارك في صنع
الجمال, وبالتالي في التأسيس لعالم أفضل, أما في علاقة الرجل بالمرأة فقد
أكدت لي تجاربي أن الحب الكبير نادر وقد لا يقع في حياة الفرد سوى مرة
واحدة أو مرتين بالرغم من وفرة التجارب العاطفية التي قد تمر بأحدهم.‏


ولعل أهم ما علمتني إياه الحياة, أن مقياس العَظَمة الحقيقي ليس في بلوغ
المراتب العليا, وإنما هو أولاً في اجتياز امتحان الفرد بنجاح متواصل في
قدراته على خدمة الآخرين, وأن أحترم ظاهرة الحياة بحد ذاتها لدى الكائنات
الحية جمعاء وهو المعيار الأصدق والأعمق في تقييم السلوك الأخلاقي الرفيع
وأن الحقيقة لا يملكها أحد بمفرده أو جماعة بمفردها, وأن بلوغ الحقيقة
كاملة أمر تقريبي نسبي دائماً, وأن هذا الاستحقاق موزع على البشر أجمعين
لا يحتكره أحد وليس لأحد أصلاً الحق في احتكاره وحده.‏