الطب النفسي اليوم.. ملاحظات لابد منها – د. حسان المالح

Posted on 6 مارس 2010 بواسطة



الطب النفسي اليوم.. ملاحظات لابد منها – د. حسان المالح
الطب النفسي اليوم.. ملاحظات لابد منها - د. حسان المالح

إن الطب النفسي هو أحد فروع الطب
المتعددة، وهو قديم قدم الإنسان وآلامه.. وقد مر العلاج النفسي بعدة مراحل
وتطورات على مدى العصور إلى قرابة مئة عام مضت.. حيث حدثت اكتشافات هامة
على صعيد جسم الإنسان ووظائف الأعضاء والتركيبات الكيميائية والتشريحية
لمختلف أجهزة الجسم. كما ظهرت عدة نظريات وفرضيات علمية محاولة تفسير
الظاهرات الأساسية في الاضطرابات النفسية العصبية مثل النوم والذاكرة
والذكاء وتغييرات المزاج والهلوسة وعدم ترابط الكلام والتوتر العضلي
والقلق وغير ذلك..كما أدى التطور الكبير في مجال الاستقصاء وتطورات
الأجهزة التي تراقب ما يجري داخل الجسم البشري من تراكم كثير من المعلومات
حول نشاط الدماغ والجهاز العصبي الطبيعي وفي حالات الاضطراب أيضاً، مما
أضاف تقدماً كبيراً في فهمنا للصحة النفسية والعقلية.

وقد ازداد عدد الأطباء النفسيين
والعاملين في المجالات النفسية المختلفة بعد أن كانوا قلة نادرة.. كما
ازداد الوعي الاجتماعي بالاضطرابات النفسية وضرورات العلاج.. إضافة
لازدياد بعض الاضطرابات النفسية نتيجة الضغوط العديدة ومشكلات المجتمع
الحديث. وانتشرت حالات القلق والاكتئاب والمخاوف بنسب عالية.. وكثرت
الخلافات الزوجية وازدادت نسب الطلاق.. كما ازدادت مشكلات التربية ومشكلات
الأطفال والمراهقين ومشكلات المرأة ومشكلات كبار السن…إضافة إلى ازدياد
الأعراض والأمراض الجسمية نفسية المنشأ أو التي لها علاقة واضحة بالحالة
النفسية.

ولاشك أن الطب النفسي لايزال يعاني من
عدة مشكلات.. بعضها يتعلق بالصعوبات الخاصة في دراسة وفهم النفس البشرية
في صحتها ومرضها في مختلف المجتمعات، وبعضها يتعلق بتوفير وتقديم العلاج
الفعال والمفيد في حالة الاضطراب. إضافة لمشكلات تتعلق بالآثار الجانبية
لبعض الأدوية النفسية وبالمخاوف المرتبطة بالعلاج بالجلسات الكهربائية..
على الرغم من التطورات المفيدة في السنوات العشرين الأخيرة باتجاه مزيد من
الفهم للعمليات النفسية الدماغية المعقدة والبنية العصبية الكيميائية
لوظائفه المتنوعة.. وأيضاً من ظهور عدة علاجات دوائية تتميز بقلة آثارها
الجانبية، وتطور أساليب العلاج بالجلسات الكهربائية وإجراءاتها الطبية
والتي أصبحت أكثر أماناً..

وأما المشكلات الأخرى فهي مرتبطة بوضع
الطب النفسي والأطباء النفسيين في المجتمع بشكل عام، وبنظرة الإنسان
العادي إلى الطب النفسي والاضطرابات النفسية.. حيث لايزال كثير من الناس
يظن أن الطب النفسي مرتبط بالجنون فقط أو الإدمان على المخدرات أو علاج
التخلف العقلي. وطبعاً هذا فهم خاطئ ونظرة ضيقة إلى مجال الطب النفسي. ومن
أهم الآثار السلبية الناتجة عن مثل هذه الأفكار الخاطئة التأخر والتأخير
في زيارة الطبيب النفسي واللجوء إلى أساليب علاجية طبية أو شعبية غير طبية
قد تكون غير مفيدة أو ضارة.

وبعض الأشخاص يبقى يعاني مع نفسه
لفترات طويلة وتتأخر إنتاجيته في عمله وتزداد مشكلاته في بيته أو مع أهله
وأسرته ويبقى بعيداً عن اتخاذ القرار باستشارة الطبيب وأخذ العون
الاختصاصي أو التعرف على إمكانية العلاج أو التحسن مما يشكو منه..

وقد تم كثير من التغييرات الإيجابية في
صورة الطب النفسي والعلاج النفسي في عدة مجتمعات.. وكان لوجود خدمات الطب
النفسي جنباً إلى جنب مع التخصصات الطبية الأخرى دور إيجابي.. حيث أدى ذلك
إلى تفهم إيجابي وأفضل من قبل الأطباء غير النفسيين لما يجري في الطب
النفسي، كما ساعد المريض على الإحساس بأنه يراجع الطبيب بين العيادات
الأخرى الاختصاصية.

ومما لاشك فيه أن الثقافة العامة
والتعلم لها دور إيجابي في تقبل الحالات النفسية وفهمها على أنها ليست
عيباً أو حراماً أو ضعفاً يترفع عنه الإنسان القوي.. فالقوي يتعب أحياناً
ثم يستعيد قوته بعد مدة.. كما يحدث في كثير من الحالات النفسية. وفي كثير
من الأحيان يدرك المرء بعد مراجعته للطبيب النفسي أن وهماً كبيراً قد زال
من تفكيره حول الاضطراب النفسي وحول العلاج وأنه أضاع كثيراً من الوقت
والتفكير قبل أن يتخذ قراره بأن يستشير طبيباً نفسياً في موضوع نفسي عصبي.

ومن المفيد توضيح بعض النقاط حول الطب النفسي فيما يلي :

1- أن مصطلح المرض النفسي قد تغير الآن
ويفضل تسميته اضطراب نفسي.. وهو إما أن يكون حالة طارئة ثم تزول أو حالة
مزمنة أو مابين هذا وذاك.

2- أن عدد الاضطرابات النفسية وتصنيفها
يبلغ أكثر من مئة وفقاً للتصنيفات الحديثة.. ويمكن تلخيصها بعدد من الفئات
: مثل الاضطرابات العضوية النفسية – الإدمانات – الفصام والاضطرابات
المتعلقة به – الاضطرابات المزاجية – الاضطرابات العصابية كالقلق والمخاوف
المرضية والوسواس المرضي والحالات النفسية الارتكاسية – اضطرابات السلوك
والشخصية – اضطرابات خاصة بالأطفال والمراهقين – التخلف العقلي – اضطرابات
أخرى.

وتختلف نسبة هذه الاضطرابات من مجتمع
لآخر.. وبشكل عام فإن الاضطرابات البسيطة أو الخفيفة تشكل أكثر من 80
بالمئة من مجموع هذه الحالات ومعظمها لايحتاج إلى الدخول للمشفى ويمكن
علاجها في العيادات.

3- أن بعض الحالات النفسية ترتبط
بوظائف الجسم وحالة أجهزته المختلفة وإن إجراء بعض الفحوصات الطبية مثل
تحليل الدم أو الصور الشعاعية وتخطيط القلب والدماغ والعضلات والفحص الطبي
والعصبي، يمكن أن يكون أساسياً في بعض الحالات.

4- أن العلاج الدوائي هو جزء من العلاج
النفسي.. وفي عدد من الحالات فإن العلاج النفسي وحده هو المطلوب. وتتنوع
أساليب العلاج النفسي وأبسطها العلاقة الطيبة مع الطبيب الذي ينصت للشكاوى
ويتفهم الانفعالات ويشجع على مواجهة المشكلات وحلها..إلى العلاج السلوكي
وتمارين الاسترخاء وضبط النفس وأساليب الثواب والعقاب وأيضاً العلاج
المعرفي وتغيير نظرة الإنسان السلبية إلى نفسه وإلى الآخرين، والعلاج
التحليلي والجماعي والأسري والعلاج التثقيفي حول بعض الاضطرابات مثل
الاضطرابات الجنسية والقلق الحاد وغيرها..

5- أن العلاج النفسي والدوائي
لايتعارضان أبداً مع جهود الإنسان الشخصية في صراعه مع مشكلاته الشخصية
والحياتية.. بل على العكس فإن العلاج الناجح يعتمد على مشاركة المريض
وتشجيع جهوده المستمرة في ضبط النفس والسيطرة على الأعراض المزعجة قدر
الإمكان.. وهناك عدد من الأساليب التي يستعملها الناس في علاج أنفسهم..
ومنها ماهو مفيد حتماً. وإن الذهاب إلى الطبيب لايعني ترك المسؤولية
الشخصية والتخلي عن الجهود الذاتية في محاولة التحسن والشفاء.. كما لا
يعني إلقاء المسؤولية على الدواء أو الطبيب في حل مشكلات معينة. وإن
التعاون مع الطبيب له دور فعال وهو يساعد الإنسان على تحمل مسؤوليته عن
نفسه.. وعندما يتعب المرء وترهقه الأعراض والمشكلات في حال فشل جهوده
الشخصية أو عدم فعاليتها فإنه من الطبيعي جداً أن يلجأ إلى طلب العون من
الاختصاصي لتحسين حالته. وربما يعتقد بعض الأشخاص أن فشلهم الشخصي دليل
إضافي على ضعفهم، أو إنه إهانة مزعجة يهرب منها ولايواجهها.. ولنا أن
نتساءل لماذا لايعتبر الإنسان أو الأشخاص المحيطون به أن جهازه المناعي أو
التنفسي هو مصدر إهانة وعار له ولأسرته في حال إصابته بالزكام أو أحد
الأمراض الأخرى ؟؟ مع العلم أن بعض الحالات النفسية منتشرة بنسب تعادل
انتشار عدة أمراض جسمية معاً..

6- ترتبط بعض الاضطرابات السلوكية
كالسلوك الإدماني والانحرافات الجنسية بضعف الوازع الديني والأخلاقي في
عديد من الحالات..وأما بالنسبة للاضطرابات النفسية الأخرى فإن هذه العلاقة
غير مباشرة.. وهناك عوامل عديدة تلعب دورها في نشوئها واستمرارها.. ومن
بينها العوامل الوراثية والعضوية وظروف التربية والصدمات الحياتية إضافة
للعوامل المؤثرة في تكوين الشخصية وتماسكها وعقدها ونقاط ضعفها.

7- أن الوقاية من الاضطرابات النفسية
والأساليب المساعدة العامة على الصحة النفسية تعتبر موضوعات هامة ومثيرة..
والدراسات العلمية في هذا المجال لاتزال في بداياتها ولاتوجد دراسات دقيقة
ونتائج مؤكدة حولها..بسبب صعوبة موضوعات البحث وتعقيداته..والأساليب
العامة المعروفة كالرياضة والترويح عن النفس و” تغيير الجو ” والظروف لها
دور إيجابي في الراحة النفسية والعصبية ولكنها لاتفيد في حالات معينة. كما
أن التربية المتوازنة والقدوة الحسنة التي يتمثل بها الأبناء آباءهم لها
تأثير هام على تكوين الشخصية وتوازنها. والالتزام الديني وتطبيق العبادات
اليومية له أثر واضح في راحة النفس واطمئنانها.. كما أن الإيمان الديني
الذي يجعل الإنسان يتقبل مشكلات الحياة وقضاء الله بعد أن يقوم بواجبه وما
يقدر عليه، يمكن أن يكون صمام أمان ووقاية للنفس من اليأس والهم والقنوط.
وإن نظرة سريعة إلى إحصائيات الاضطرابات النفسية في مختلف المجتمعات تدل
على أن المجتمعات الإسلامية تقل فيها بعض الاضطرابات مثل الانتحار.. وأن
بعض الاضطرابات الأخرى تكون أقل شدة.. ولايزال الباب مفتوحاً للمزيد من
الدراسات لتحديد الحالات أو الاضطرابات التي يمكن لأفكار الإنسان وعقائده
وقيمه أن تلعب دوراً علاجياً أو وقائياً، وللتعرف على الآليات الأساسية
التي يتم فيها ذلك مثل علاقة الفكر بالانفعالات والسلوك وعلاقة الفرد
بالآخرين وغير ذلك.

ولابد من الإشارة هنا إلى انتشار كثير
من الأوهام المرتبطة بالطب الروحي والعلاج الروحاني والظواهر الخارقة
للعادة.. ولابد من التفريق بين الحق والباطل والأوهام.

8- لقد تغير وضع الطب النفسي وتحققت
كثير من الإنجازات الطبية والعلاجية في ميدان الطب النفسي في الوقت
الحالي.. وإن نظرة الفرد والمجتمع في هذا المجال الطبي العلمي لاتزال
مرتبطة بمزيج من الخوف والقلق والتشاؤم وعدم الصراحة إضافة إلى الإثارة
والتشويق في جانب آخر..وبعض هذه النظرات مرتبط بأمور فطرية وطبيعية تجاه
الظاهرات النفسية الغامضة.. ولكن بعضها الآخر مرتبط ببعض الأوهام
والمعلومات الخاطئة.. ولابد من مزيد من الثقافة والاطلاع وتحسين مستوى
الوعي الصحي والنفسي.. إضافة إلى زيادة خدمات الطب النفسي وتحسين فعاليتها
في مختلف المجالات مما يؤدي إلى قيام هذا المجال الطبي بدوره الهام
والضروري في المجتمع.