تصبحون على خير أيها العرب____ احلام مستغانمي

Posted on 14 يناير 2011 بواسطة



أكبر مؤامرة تعرّض لها الوطن العربي، هي تجريد كلمة “مؤامرة” نفسها من معناها، حتى غدت لا تستدعي الحذر، ولا التنبه لِمَا يُحاك ضدّنا، بقدر ما تثير الإحساس بالاستخفاف والتهكم ممن يصيح بكل صوته “يا ناس.. إنها مؤامرة!”.

لفرط ما استنجد بها حكّامنا كلّما هُدِّدت كراسيهم، واجدين فيها الذريعة المثلى للفتك بكل من يعارضهم، ولفرط ما رددناها على مدى نصف قرن حقاً وباطلاً، ولفرط ما علّقنا على مشجبها عجزنا وتخلّفنا وتناحرنا، ولفرط ما تآمرنا على أنفسنا وتآمرنا مع أعدائنا على بعضنا بعضاً، ذهبنا إلى فخّ المؤامرة الكبرى، ووقعنا في قعرها بملء وعينا.ـ

كقصة ذلك الرجل الذي كان يتسلّى بإرعاب الناس، مدعياً نزول الذئب إلى القرية، فلما جاء الذئب حقاً ورآه بأُمِّ عينه على وشك الانقضاض عليه، صاح بالناس أن ينقذوه من الذئب، لكن لا أحد صدّقه ولا جاء لنجدته، وقضى الرجل فريسة أكاذيبه.ـ

ها هو ذا الذئب يُطبق فكيه علينا، ولن يوجد من يصدّقنا إن صحنا في كل المنابر الدولية، أننا ضحيّة مؤامرة شاملة كاملة لم يعرف العالم أكبر منها ولا أكثر خُبثاً في استراتيجيتها المتقنة ذات الذرائع الخيرية. فالمؤامرة المباركة حيكت لنا هذه المرّة على أيدي حُماة الديمقراطية ورُعاتها. الثوب الكفن المفصّل على قياس تهوّرنا وسذاجتنا وتذاكينا تمّ تصميمه برؤية إسرائيلية على يد مصمم التاريخ “العزيز هنري”، أثناء سُباتنا التاريخي.ـ

لكن.. “لا يُلام الذئب في عدوانه/ إن يك الراعي عدوّ الغنمِ”. هل نلوم أعداءنا وقد سلّمنا راعي أمرنا إلى رعاة البقر، قطعاناً بشرية جاهزة للذبح قرباناً للديمقراطية؟

في كلّ بلاد تقوم على الديمقراطية الإنسان أهم حتى من الديمقراطية نفسها، لأنه الغاية منها و الغاية قبل أيّ شيء. والمواطن أهم من الوطن، حتى إنَّ اختطاف مواطن واحد أو قتله على يد العدو، يغدو قضية وطنية يتجند لها الوطن بأكمله، وتتغير بمقتضاها سياسات خارجية. لكن، عندما يتعلّق الأمر بنا، يجوز لهؤلاء المبشِّرين بالحرية أنفسهم، نحر مئة ألف عراقي لنشر فضائل الديمقراطية، وتوظيف كل تكنولوجيا التعذيب لإدخالها في عقولنا.ـ

عمر أبو ريشة، الذي قال ذلك البيت، الموجع في حقيقته، أدرك قبل نصف قرن أن الذئب لا يأتي إلاّ بتواطؤ من الراعي، وأن قَدَر الوطن العربي إيقاظ شهية الذئاب الذين يتكاثرون عند أبوابه ويتكالبون عليه كلما ازداد انقساماً. اليوم حللنا على الأقل مشكلة الأبواب. ما عاد من أبواب لنا. غدوا هم بوّاباتنا وحدودنا، أرضنا وجوّنا وبحرنا.. وطناً وطناً يستفردون بنا، ينهبون خيراتنا، يسرقون آثارنا، ينسفون منشآتنا، يغتالون علماءنا، يُشعلون الفتنة بيننا، يصطادون أرواح صحافيينا. ويشترون ذمم أقلامنا.. وأصواتنا.ـ

نحن في أزهى عصور الديمقراطية. في إمكاننا مواصلة الشخير حتى المؤامرة المقبلة.. المقبلة حتماً. فالذئب يصول ويجول ويأكل منّا من يشاء. ما عاد السؤال من جاء بالذئب؟ بل كيف مكّناه منّا إلى هذا الحد؟

الجواب عثرت عليه في حكمة قديمة: “يأكلك الذئب إن كنت مستيقظاً وسلاحك ليس في يدك. ويأكلك الذئب إن كنت نائماً ونارك مطفأة”.ـ

رعى الله لنا نور التلفزيون. فقد أطفأنا كلّ ما عداه.ـ

تصبحون على خير أيها العرب!ـ

***

من المقالات التي نشرت في زهرة الخليج سنة 2007

View Original Article